2011-01-16

العلاقات الدولية من الواقعية إلى ما بعد الإنسانية.






سلام الربضي باحث ومؤلف أردني في العلاقات الدولية.

مجلة مدارات استراتيجية العدد  السادس 2011 \ اليمن



الواقع العالمي يعبر عن مرحلة إنتقالية، تتميز بها معظم الملفات الدولية، إن لم نقل السياسة العالمية، والقضايا المطروحة عالمياً من الإرهاب، الأسلحة النووية، البيئة، الفقر، إصلاح الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، العولمة ...الخ كل تلك القضايا تجعلنا نتساءل عن الواقع النظري المفسر لقضايا العالم؟

لقد بتنا نشهد تحولات عميقة في بنية المجتمع العالمي، حيث انتقلنا من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة، بالترافق مع صعود ما يسمى باقتصاد المعرفة، بالإضافة لإنتقالنا من الثنائية القطبية إلى الأحادية النسبية، والإنتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ولقد انتقلنا أيضاً من مفهوم مجتمع الأمن النسبي إلى مفهوم مجتمع الخطر، خطرالتلوث البيئي،الإرهاب، جنون البقر،البذور المسرطنة،الاستنساخ، التقنيات الحيوية..الخ

من الواضح إن كل تلك المتغيرات والمعطيات على الصعيد العالمي تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية القائمة على نسق وتوازن دوليين. ويقصد بالنسق الدولي بإنه إنتظام آلي يعبر عن طبيعة العلاقة بين الدول، وهذه العلاقة خاضعة لنوع من التوازن تعبر عن واقع القوة. وما يميز تلك الطروحات النظرية إرتكازها على مبدأين :

1- مبدأ الدولة اللاعب الوحيد على الصعيد الدولي.

2- مبدأ القوة أي توازن دولي قائم على القوة المادية.

ولكن من خلال محاكاة الواقع العالمي المعاصر، نجد أنه أصبح زاخراً بكثير من التطورات وعلى كافة الأصعدة، الذي يلزمنا التوقف عند بعض المعطيات التي يمكن التعبير عنها بالسؤالين التاليين :

هل ما زالت الدولة وحدها القادرة على تحديد العلاقات الدولية؟

هل يمكن تحليل هذا الواقع المستجد من خلال الإرتكاز على معيار القوة المادية فقط؟

أولاً، على صعيد الدولة :

إن أكبر إشكالية مطروحة في عصر العولمة هي جدلية العلاقة بين الدولة والعولمة، لدرجة أن كثيراً من النظريات تبشر بزوال الدولة أو تآكل وأفول مكانتها. وكثير من القضايا التي تجعل من مقولة ' الدولة اللاعب الوحيد في العلاقات الدولية' هي موضع تساؤل؟ سواء على صعيد الفاعلين، أم من باب طبيعة القضايا العالقة، فهناك تزايد لنفوذ فاعلين غير دوليين أصبحوا محددين رئيسيين للعلاقات الدولية كالمنظمات غير الحكومية، الأفراد ، الشركات عبر الوطنية، المؤسسات الإعلامية.

تأكيداً على هذا الوضع يمكن مراجعة ومتابعة الكثير من الأحداث منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين كمفاوضات جولة الدوحة لـ ' منظمة التجارة العالمية' لنرى تأثير المجتمع المدني، والاتفاقيات الدولية كـ ' حظر الألغام' 1997، التنوع البيولوجي ' 2000'، ' كيوتو' للبيئة 1998.وحملات الغاء ديون الدول الفقيرة. وكذلك تأثير الشركات عبر الوطنية في الاقتصاد العالمي، يعكس واقع طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة. كما إن القضايا العالقة او المشكلات الدولية تهم العالم كله، ولم تعد وقفاً على الدول بذاتها. وطبيعة تلك القضايا أو الظواهر، خرجت عما هو مألوف في العلاقات الدولية، فمثلاً مشاكل البيئة هي مشكلة بين الإنسان والطبيعة. وليست مشكلة بين الدول، وذلك من خلال التشخيص الدقيق لتلك الظاهرة.

وفيما يتعلق بظاهرة الإرهاب، فنحن أمام وقائع تتم ليست على أيدي دول، إنما على أيدي منظمات أو شبكات أو أفراد غير معروفة العنوان أو الهوية. أو حتى ليس لها مركز واحد لصنع القرار. وبالتالي فنحن أمام علاقات دولية جديدة لا تزال في طور الإكتشاف، وهذا النوع من العلاقات يتناقض مع منطق العقل التقليدي، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم الدولة التقليدي. بالإضافة إلى التغيير الذي يحصل في مواجهة تلك الظاهرة، ومن هنا تأتي إشكاليات تعريف الإرهاب والعدوان.

وبنظرة للواقع العالمي، نرى أنه حدث تحول كبير لمفهوم الأمن الجماعي أو العالمي، بحيث لم تعد النظرة الكلاسيكية المرتكزة على تحقيق أمن الدولة الأمن السياسي بالمعنى الضيق، هي التي تحكم واقعنا، بل أصبح مفهوم الأمن الإنساني بجميع أبعاده الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، هو السائد في عصرنا الحاضر. فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات بل بمدى الاستجابة للحاجيات الأساسية للإنسان.

وأصبح مفهوم التنمية المستدامة اكثر رواجاً وهو الذي يحاول التوفيق بين تلك الحاجيات الأساسية للإنسان، وبين قدرة البيئة على تلبيتها، وفقاً لمبدأ المحافظة على إمكانات أرضنا من أجل إستفادة أحفادنا منها. بنية المجتمع العالمي المعاصر تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية، فالواقعية ترى العالم على هيئة نظام تهيمن عليه الدولة، وهدف هذه الأخيرة تحقيق الأمن والقوة والسلم. لكنها اليوم لم تعد هي محور النظام وحدها، وأمام هذا الواقع نجد انفسنا أمام حالتين :

1- حال تخضع لدوافع تقليدية في البحث عن القوة والمصالح والسيادة.

2- حال تخضع لدوافع الاستقلالية وتجاوز الدول.

ثانياً، على صعيد القوة:

المشكلة لا تكمن في مدى أهمية القوة في السياسة العالمية، وإنما حول إمكانية تفسير أنماط القوة وأشكال إستمرارها بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية فقط .أم يجب أيضاً، التركيز وإدراج الجوانب الثقافية عند التحليل؟ 

 فالتفاعل على المسرح الدولي هو تفاعل ثقافي وليس تفاعلاً مادياً فقط، فإذا اخذنا أكثر القضايا سخونة على المستوى العالمي كالإرهاب، الأسحلة النووية، البيئة، لا يمكن إيجاد مقاربة نظرية لها، بعيداً من البعد الثقافي سواء في تحليلها أو حلولها. فقضية الأسلحة النووية لم تعد مطروحة من منطلق وجود الأسلحة النووية بحد ذاتها، إنما الأهم في كيفية فهم وجود هذه الأسلحة ؟؟؟ 

فالولايات المتحدة لا تقلق كثيراً من إمتلاك دول مثل بريطانيا أو فرنسا للأسلحة النووية، على عكس موقفها من إيران أو كوبا، أو ليبيا أو كوريا الشمالية. كما إن قضية الإرهاب منذ احداث 11 أيلول تعطي دلالات جديدة ليس أقلها التعبير عن إنبثاق الثقافة كعامل أساسي في تحليل وتحديد العلاقات الدولية. والعولمة بالمفهوم الواسع أصبحت مسكونة بهاجس التعايش الثقافي، لا بالاقتصاد والتكنولوجيا فحسب، فنحن أمام مفهومين نقيضين :

1- مفهوم الأمبريالية الثقافية ويقصد بها حصراً ' الأمبريالية الثقافية الأميركية'.

2- مفهوم الأصولية الثقافية، ممثلة بالأصوليات الدينية، كالأصولية الإسلامية اليوم, كما الأصولية الأرثوذكسية البارحة والكاثوليكية من قبلها.

وبالتالي فإن مسألة الإرهاب لا يمكن إيجاد مقاربة لها وفقاُ لمبدأ القوة المادية ( التوازن).

وفي ما يخص مسألة البيئة والتنمية المستدامة، فإنها تطرح وبإلحاح مسألة القيم وتحولاتها، فلم تعد القضية تقف عند حدود الدول بل أصبحت مرتكزة إلى الإنسان بذاته. فالبيئة ومخاطرها تعكس علاقة الإنسان بأرضه، وقضايا التنمية المستدامة والفقر، فلم يعد بالإمكان إيجاد حلول لها على صعيد الدول فقط. والمسألة ليست مطروحة عملياً وعلمياً بين دول غنية ودول فقيرة، بل بين إنسان فقير وآخر غني.

تقارير الأمم المتحدة زاخرة في تحليل هذا الواقع، كما إن التنمية المستدامة قائمة على هاجس السؤال الآتي :

كيف يمكننا وضع حد لانتهاك الموارد القائمة الذي قد يقضي نهائياً على إمكانيات التنمية المستدامة؟

وهل يمكن حدوث ذلك للحفاظ على حظوظ الآجيال القادمة، من دون عقد ثقافي أخلاقي؟

وما هي السبل التي نملكها لمواجهة متطلبات أخلاقية وإنسانية تتضمن إطاراً عاماً للأمن البشري؟

البعد الثقافي أصبح في صلب التحولات العالمية، وإستدعاؤه في التحليل ضروري لفهم هذه الديناميات الجديدة التي يتحول بها العالم. وإذا كانت العلاقات الدولية قائمة على المصالح وستبقى كذلك في كثير من المجالات، ولكن لا بد من دراسة المثل وهويات الدول وليس فقد المصالح، فالهوية تعبر عن الواقع الاجتماعي( من هم الفاعلون)، أما المصالح فتعبر عن الرغبة وعن ماذا نريد. بالتالي فالهوية تسبق المصالح، حيث الشخص لا يمكن أن يحدد ما هي رغباته وأهدافه ومصالحه من دون معرفته هويته من هو أولاً.

إن التحديات العالمية الجديدة، تتطلب أجوبة جديدة، أي علينا أن نعرف ما إذا كان العالم الجديد الذي ترسم ملامحه، يفترض منا إعادة تقويم جذرية للعقود الاجتماعية التي تشكل عماد مجتمعاتنا المحلية والعالمية؟ 

وتلك التحولات الشاملة تستوجب جهداً إضافياً على الصعيد النظري، فهل نحن في حاجة لنسق فكري جديد؟

من الواضح أن الإنساق الفكرية المغلقة على طراز مقولة أن ' الماركسية' هي الحل أو أن 'الرأسمالية' هي الحل، وأيضاً من يقول بأن ' الإسلام' هو الحل، هذه الإنساق المغلقة، لم تعد أبواب عالمنا المعاصر مفتوحة لها، كما إن الثنائيات الزائفة التي سادت القرن العشرين، أما الرأسمالية أو الماركسية، أما القطاع العام أو القطاع الخاص، أما العلمانية وأما الدين، أيضاً كلها سقطت إمام دينامية الواقع الحالي. لقد انتقلنا، ولا مجال للشك، إلى مرحلة الإنساق الفكرية المفتوحة، وجديدها الأهم, هو أنه سيحصل تركيب بين عناصر متضادة ما كان يمكن الظن يوماً إنه يمكن أن تتركب منها أطروحة واحدة.

هذه الأطروحة التي تجنح نحو القول بأن تفكيك الإنساق المغلقة يستبقه تشكيل'منظومات', تجتمع فيها عناصر متضادة لم يكن يحسب يوماً لها أن تجتمع. ألا تستحق التجربة الصينية التوقف عندها؟ فإن واقع الصين الراهن، وكيف تتجاوز وتتعايش الرأسمالية في أكثر أشكالها تجلياً ووضوحاً في النظام الاقتصادي مع نظام سياسي شيوعي، إذ لم يكن يدور في ذهن أحد أن يقود هذا النظام عملية تنمية رأسمالية.

وهناك نموذج آخر ليس ببعيد عن عالمنا العربي، ألا وهو تركيا، فالإسلام التركي حيث تتجاور الفكرة العلمانية مع الفكرة الإسلامية، في مشهد سياسي لا تشهد فيه إضطراباً أو تنازعاً أو تضاداً أو تجافياً ما بين الفكرين. ونحن في إنتظار عامل الزمن الذي سوف يحكم على تلك الإنساق المفتوحة التي سيكون لها التأثير الكبير، على الصعيد النظري المفسر لقضايا العالم، كما بالنسبة لتجديد موازين القوى في العلاقات الدولية.

لقد إعاد القرن العشرين النظر في ثوابتنا اليقينية في ما يتعلق بالمجتمع والتاريخ والإنسان والقيم. وإذا كانت العلمانية حاولت أن تكون البديل عن إخلاقيات الديانـات الكبرى ( العلم، التقدم، التحرر، الإنسانوية). لكن على ما يبدو فإن تطور العلم والتكنولوجيا وهو العامل الحاسم وغير المتوقع، والذي لا يمكن كبح جماحة في التغيير، يهدد مستقبلنا ويؤدي بنا إلى إنسانية لا نعرف ماهيتها .

فهناك كثير من النظريات التي تحاول ملء الفراغ الفكري لعالمنا المعاصر، منها نظرية نهاية التاريخ، نظرية صراع الحضارات، نظرية ما بعد الحداثة، ولكن قد يكون أخطرها نظرية يحلو للبعض أن يطلق عليها تسمية 'ما بعد الإنسانية'. فلقد دخلنا مرحلة تطور ثوري لعلوم الحياة خصوصاً ' البيوتكنولوجيا'، مما سينتج تحولات جذرية في حياة الإنسان, تتيح في الأساس إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية. لندخل بذلك مرحلة تاريخية يكون لها تأثيرات إجتماعية، أخلاقية، سياسية، اقتصادية جذرية.

فهل في المستقبل القريب علينا أن نواجه خيارات أخلاقية في الثورة البيوتقنية أي في مجال التقنيات الحيوية ومنها الهندسة الوراثية؟

والسؤال الذي يطرح هو: 

إلى أي حد يمكن إستعمال التكنولوجيا لتحسين الخصائص الوراثية؟

وإذا كانت تلك الأبحاث قائمة على إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية، فجدليات عديدة فلسفية وسياسية سوف تطرح حول العديد من المفاهيم الأساسية :

أ- المساواة بين البشر.


ب- القدرة على الاختيار الأخلاقي.


ج- تغيير إدراكنا وفهمنا للشخصية والهوية الإنسانية.


د- التأثير في وتيرة التطور الفكري والمادي، وفي السياسة العالمية بصفة عامة.

وقد يكون أخطر ما في جعبة تلك الثورة ' البيوتقنية' هو أنها تزيد من الهوة الموجودة بين المجتمعات والأفراد، الأغنياء والفقراء، حيث بإمكان الأغنياء توظيف ثرواتهم للتحكم في الجينات، وإعادة الهندسة الوراثية لهم ولأولادهم. وبالتالي فإن التحولات ' البيوتقنية' قد تزيد من حدة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء، بحيث تضاف إلى الهوة الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والرقمية، هوة بيولوجية، ستكرس للامساواة على مستوى تكويننا البيولوجي.

إذاً مستقبلاً نحن أمام عالم ' ما بعد الإنسانية' سيكون أكثر تراتبية ومليئاً بالصراعات الاجتماعية. ولا مكان في داخله لأي مفهوم حول ' الإنسانية المشتركة'، إذ سيتم تركيب جينات بشرية مع جينات أخرى، بشكل يجعلنا لا نعلم ما معنى وماهية الكائن الإنساني.

هذا الواقع المستجد الذي يعبر عن ملامح مجتمعنا العالمي، وتحديداً من منظور فن التساؤل حول الواقع النظري المفسر لقضايا العالم، لا يمكن أن يقتصر النقاش فيه حول ملامح هذا النسق الجديد، بل إن التحدي الجديد في زمن العولمة يكمن في :

كيف وما هي السبل لمواجهة هذا النسق الجديد؟

وهل تحمل النظريات التقليدية ومنها الواقعية في طياتها الإجابة؟

وإذا كان الطموح، هو نشوء نسق كوني من القيم, يحكم سلوك الشعوب والمؤسسات. فهل ستكون مسألة القيم وتحولاتها في صدارة الأسئلة الفكرية الراهنة والمستقبلية؟

وهل إنتقل التركيز والاهتمام في تحديد العلاقات الدولية، من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية إلى العوامل الثقافية، كقوة مؤثرة ودافعة في الشؤون الدولية؟

وإذا كانت المسافة الزمنية لملامح هذا النسق الجديد لم تتجاوز 20 عاماً، وهي مدة، وفقاً للمنهج التاريخي، لا يمكن أن تعطي دلالات ثابتة يمكن البناء عليها، فهل نكون سقطنا في فخ إشكالية الاستعجال في ملء الفراغ النظري المفسر لقضايا عالمنا المعاصر ؟؟؟؟؟

2011-01-12

مشروع مارشال دروس وعبر للتاريخ






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية

الاوضاع الاقتصادية عند نهاية الحرب العالمية الثانية فرضت نفسها وكان لها تأثير كبير في التطورات اللاحقة للنظام الاقتصادي العالمي. ولقد ظهرت هذه الاحداث عندما وضعت الحرب أوزارها ولم تكن مطروحة في السابق، ولهذه الاحداث أثر كبير في اتجاهات السياسات الاقتصادية اللاحقة وهي تمثل مع المؤسسات الدولية المنشأة نقطة بداية للنظام الاقتصادي المعاصر.

بعض المعطيات فرضت نفسها وكان لها تأثير في التطورات الاحقة للنظام الاقتصادي العالمي ومنها : إعادة التعمير، وقضايا النمو الاقتصادي. ومن الواضح أن حلفاء الحرب قد استفادا من الدروس السابقة وخاصة على مستوى كيفية التعاطي مع الخصم المهزوم وعدم إعادة تجربة فرض عقوبات على الدول المنهزمة كما حدث مع ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى. بالإضافة إلى الخراب وحجم التدمير الكبير الذي حل بروسيا وألمانيا واليابان الذي يتطلب استثمارات هائلة لاستعادة النشاط الاقتصادي. كما أن الحرب جاءت بعد ذلك بخطر جديد كان لا بد من مواجهته، وهو خطر الشيوعية الذي بات يهدد أوروبا المنهكة من الحروب.

أن هذه الظروف الصعبة واستمرار الاوضاع الاقتصادية المنهارة لأوروبا هو بمثابة تدعيم للحركات الشيوعية التي وجدت في تلك الظروف المناخ الملائم لدعوتها، ومن هنا كان التحرك الأمريكي وأخذ زمام المبادرة من خلال ما يعرف بمشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا اقتصادياً. بما فيها الدعوة أيضا الى الاتحاد السوفيتي للمشاركة، ولكن قد لا تكون هذه هي الاسباب الوحيدة وراء مشروع مارشال، ذلك أن الاقتصاد الأمريكي كان بحاجة لهذا المشروع خاصة أن الاقتصاد الأمريكي منذ 1929 يعاني ركود وجاءت الحرب لتنعش الاقتصاد الأمريكي حيث أضافت طاقة إنتاجية كبيرة .

وعلى عكس معظم الدول المحاربة التي اضطرت إلى تحويل جزء من اقتصادها المدني إلى المجهود الحربي، فقد نجحت الولايات المتحدة في أن تضيف إلى طاقاتها الإنتاجية طاقات جديدة لأغراض الحرب دونما أي تأثير ملموس في إنتاجها المدني القائم. وبعد نهاية الحرب، بدأت تصفية اقتصاد الحرب، وظهرت مخاوف الانكماش من جديد حيث كان لا بد من تحويل الموارد المستخدمة للأغراض العسكرية إلى الاغراض المدنية. بالاضافة إلى أن خروج أوروبا محطمة من الحرب أضعف كثيراً من قدرتها على الاستيراد من الولايات المتحدة. ومن الواضح، أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب باقتصاد قوي جداً، مقابل عالم بالغ الضعف، من حيث القدرة على الإنتاج والتبادل، ومن هذا المنطلق كانت الدعوة إلى تعمير أوروبا خدمة للاقتصاد الامريكي.

وعلى الرغم من التجاذب ما بين البعض الذي يرى أن هذا المشروع قد حقق نجاحاً لا مراء فيه، والبعض الاخر الذي يرى أن سبب نجاح هذا المشروع يعود بالدرجة الأولى إلى القدرات الأوروبية، فأن هذا المشروع كان بمثابة النواة التي ساعدت على توجيه التطورات الاقتصادية اللاحقة لأوروبا في اتجاهات حرية التجارة والتعاون الإقليمي، والآخذ باستراتيجية النمو الاقتصادية.

أهمية مشروع مارشال تكمن بما ترتب على تنفيذه من توجهات في السياسة والمؤسسات الاقتصادية، حيث كان من الممكن للدول الأوروبية أن تتجه نحو الاّخذ بسياسات التقييد والرقابة التي عرفوها أثناء الحرب. ولكن جاء المشروع قائماً على أساس النظام الاقتصادي العالمي القائم على حرية التجارة وحرية انتقال رؤوس الاموال .





2011-01-08

من الاقتصاد الدولي إلى الاقتصاد العالمي





سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية

من أهم مظاهر الثورة التكنولوجية الجديدة، أنه لا توجد هناك لحظة فاصلة نستطيع القول عندها أن ثورة جديدة قد بدأت. فالتطور بطبيعته تدريجي ومستمر ومتراكم، ومن الضرورة التنبيه إلى إن التاريخ مستمر لا انقطاع فيه. وفي هذا الإطار يمكن طرح التساؤلات التالية :

1- هل هناك علاقة بين التكنولوجيا والثورات الاقتصادية الكبرى؟
2- ما هو دور الدولة في ظل الاقتصاد العالمي؟
3- ما هو الفرق بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي؟
4-هل الثورة المالية ناتجة فقط عن التقدم التكنولوجي؟
5- كيف يمكن مقاربة العلاقات الدولية في ظل الاقتصاد العالمي؟
6- هل هي نهاية الجغرافيا ؟

أن الحضارة الإنسانية لا ترجع إلى أكثر من 1% من تاريخ الإنسان على الارض، وإذا كانت عملية اكتشاف الزراعة ثورة اقتصادية كبرى غيرت في طبيعة الحضارة فإن التغيرات اللاحقة وحتى قيام الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر ظلت طفيفة وهامشية. ولقد كانت الثورة الصناعية بمثابة أخطر انقلاب اقتصادي بعد الثورة الزراعية الأولى. وإذا كان الاقتصاد الصناعي يقوم على اقتصاد السوق والقدرة على القيام بالحساب الاقتصادي، فإن توفير الشروط والأوضاع المناسبة لإجراء هذا الحساب الاقتصادي يعتبر أمر ضروري.

وهناك عدد من الشروط الواجب توافرها سواء على صعيد استقرار النظام القانوني أو النقدي، كذلك فإن الحقوق الشخصية من التزامات مالية وأوراق تجارية وأصول مالية، أضحت هي أساس الثروة في عصر الصناعة. ومن هذا المنطلق، فإن ظهور الدولة المعاصرة كان ضروري لتوفير هذه الشروط. ولقد لعبت الدولة دوراً رئيسياً في التطور الرأسمالي، بحيث لا يمكن أن يقوم نظام رأسمالي بدون وجود الدولة، وهذا يعتبر بمثابة رد على كثير من النظريات الحديثة التي ترى بأن الرأسمالية والعولمة أو ما يسمى بالنيوليبرالية الحديثة قد قضت وسلبت الدولة كل إمكانياتها وأسباب وجودها.

فنحن الآن نعاصر مرحلة جديدة هي مرحلة الانتقال من العلاقات الاقتصادية الدولية إلى الاقتصاد العالمي. وإذا لم يكن بعد الاقتصاد العالمي أصبح حقيقة كاملة فهو على الأقل حقيقة كامنة تمثل مستقبل العلاقات الدولية. والعالمية لا تسري فقط على النواحي التكنولوجية بل تفرض نفسها أيضاً على مختلف النشاطات الصناعية. وأصبحنا يوم بعد يوم نزيد من توحيد المواصفات والمقاييس العالمية الفنية وتنميطها.

كذلك أن الأذواق تسير في نفس الاتجاه، حيث أننا نلمح مولد المواطن العالمي. ولقد بتنا نعيش في عالم أكثر تداخلاً في علاقاته الاقتصادية، بحيث لم يعد من الممكن لدولة ما أن تنعزل عما يجري فيه مهما علت مكانتها.

وإذا كانت الإشكالية الأهم في العولمة قائمة على نظرية صاموئيل هنتجتون حول الصدام الحضاري أو أطروحة فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ. فقد يكون التساؤل الأقرب إلى طبيعة ظاهرة العولمة هو التساؤل عما إذا كنا بصدد نهاية الجغرافيا وليس نهاية التاريخ؟

ولقد أصبح النظام الاقتصادي العالمي الجديد، يوفر سيطرة على الموارد من دون الحاجة إلى الاستيلاء المادي المباشر. سواء كان ذلك عن طريق براءات الاختراع، أو التأثير في الأسواق المالية أو شبكات التسويق، أسعار الصرف، الاسهم ... إلخ.

أن خطورة الجغرافيا تكمن ليس فقط في أنها حدوداً سياسية بل هي مواقع مكانية وموارد طبيعية.وفي ظل الابتكارات التكنولوجية والاكتشافات العلمية يطرح التساؤل حول أهمية الجغرافيا بالنسبة للموارد الطبيعية في ظل زيادة انخفاض القيمة النسبية لإسهامات هذه الموارد في تحديد قيمة الإنتاج بالمقارنة مع الجهود الإنسانية في مجالات البحث والتسويق والابتكار أي اقتصاد المعرفة ؟؟؟؟؟

2011-01-01

الدول النامية وجغرافية الاستثمار الأجنبي المباشر (ج2)





سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية

منبر الحرية \ بالتعاون مع معهد كيتو \ الولايات المتحدة



قد يكون ظهور مصادر جديدة للاستثمار الأجنبي من الدول النامية ذا أهمية خاصة بالنسبة للبلدان النامية المضيفة لتلك الاستثمارات ذات الدخل المنخفض. وشركات اقتصادات الدول النامية هي الآن مستثمرة هامة في العديد من أقل البلدان نمواً . ومن تلك البلدان التي تعتمد أشد الاعتماد على الاستثمار الأجنبي المباشر من الاقتصادات النامية: بارغواي، الصين، تايلند، قيرغيزستان، وأيضاً البلدان الأقل نمواً في العالم وهي أثيوبيا وبنغلادش، تنزانيا، ميانمار.

مجمل الاستثمارات الأجنبية بين الدول النامية تتسم بطابع الاستثمارات داخل المنطقة. فمجموع الاستثمار الأجنبي الوارد إلى عدد من أقل البلدان نمواً من قبل الدول النامية يشكل ما يزيد على 40% من مجموع الاستثمار الوارد لتلك الدول. وحتى عام 1990 لم تكن سوى 19 شركة عبر وطنية من الاقتصادات النامية والانتقالية مدرجة في تصنيف مجلة"FORTANE 500" وما لبث أن ارتفع العدد بحلول 2006 إلى47 شركة، والشركات الخمس عبر الوطنية من الدول النامية المدرجة على القائمة 100 شركة الرائدة في العالم مقراتها في آسيا وثلاث منها تملكها الدول وهذه الشركات هي :

1-هونغ كونغHutchison Whampoa  
2- ماليزياPetronas  
3- سنغافورة Singtel
4- كوريا Samsung 
5- الصين Citicgroup.

ويمكن ملاحظة درجة عالية نسبياً من ملكية الدولة في كبرى الشركات عبر الوطنية من الاقتصادات النامية. وكثير من الشركات الرئيسية التي تملكها الدول قد أخذت تتوسع في الخارج على نحو متزايد خاصة في بعض الصناعات ولا سيما المتعلقة بالموارد الطبيعية، كقيام شركة آرامكو السعودية بشراء حصة بنسبة25% من مصنع تكرير النفط في فوجيان الصين، وشراء شركة اتصالات الكويت المتنقلة لشركة سيلتيل انترناشيونل الهولندية أو قيام شركة موانئ دبي العالمية بشراء شركة  بي أند أو P&O  البريطانية .

والشركات عبر الوطنية من البلدان النامية والانتقالية الأن تتنافس نداً لند مع نظيرتها من البلدان المتقدمة في كثير من القطاعات النفط,الغاز,الصناعات التحويلية كالفلزات,والصلب,والتعدين. وأيضاً الشركات عبر الوطنية من الدول النامية أصبح لها باع كبير في مجال الصناعات المختلفة كصناعة السيارات والأدوات الكهربائية والالكترونية,وقطاع الخدمات التكنولوجية.

 كما أن نصف الشركات البترولية الخمسين الكبرى في العالم هي مملوكة لحكوماتها إما بشكل كامل أو بنسبة الأغلبية ومعظمها في الدول النامية. وتصنيف شركات النفط وفقاً لمعايير محددة يؤكد أن هناك 5 شركات من أصل10 شركات كبرى في صناعة النفط هي شركات بترول وطنية لكل من السعودية، المكسيك، فنزويلا، إيران.

تقوم بعض الدول النامية بالاستثمار في الخارج أكثر مما تفعله بعض البلدان المتقدمة إذا قيس ذلك كنسبة من تكوين رأس المال الثابت الإجمالي، سنغافورة مثال على ذلك36% ،تشيلي7%، ماليزيا 5% بالمقارنة مع الولايات المتحدة7%،وألمانيا4%، واليابان3%. فإذاًً هل نحن اليوم أمام جغرافيا جديدة لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على نحو قد يكمل الجغرافيا الجديدة للتجارة؟ وإذا كانت نسبة كبيرة من استثمارات الشركات عبر الوطنية من البلدان النامية تدخل في إطار الموارد الأولية فهل نحن أمام معادلة جديدة وهي حالة من التبعية المتبادلة، فتطلب الدول المتقدمه المواد الأولية من الدول النامية، مقابل ما تطلبه البلدان النامية من البلدان المتقدمة من السلع المصنعة والتكنولوجيا؟

ومن المتغيرات الملفتة للانتباه في الاستثمار الأجنبي المباشر، ظاهرة تدويل البحث والتطوير من جانب الشركات عبر الوطنية ، وأصبح هناك توّجه الآن يظهر عدداً من السمات الجديدة في عملية التدويل وبصورة خاصة على صعيد أنشطة البحث والتطوي. فالشركات لأول مرة تقوم بإنشاء مرافق للبحث والتطوير خارج البلدان المتقدمة، وتذهب إلى أبعد من مجرد التكيّف مع الأسواق المحلية. فالنشاط في بعض البلدان النامية وبلدان جنوب شرق أوروبا وكومنولث الدول المستقلة، يستهدف على نحو متزايد الأسواق العالمية ويجري إدماجه في الجهود الابتكارية الأساسية التي تقوم بها هذه الشركات.

وعملية تدويل أنشطة البحث والتطوير في البلدان النامية هي أمر يمكن توقعه، وفي ظل زيادة الشركات لنشاطها في الدول النامية، يمكن توقع أن يلي ذلك قدر من البحث والتطوير من منطلق التكيّف. ونشاط البحث والتطوير يعتبر شكلاً من أشكال أنشطة الخدمات، فهو يتجزأ، ويمكن إجراء أجزاء معينة منه في الأماكن التي يمكن أداؤها فيه بأعلى كفاءة، وهذا ما تقوم به على سبيل المثال شركة موتورلا للبحث والتطوير في الصين, مركز تويوتا التقني في تايلند, مركز البحوث العالمي السادس لشركة مايكروسوف في الهند.

للإفادة من اقتصاد عالمي معولم ومترابط على نحو متزايد، يتعين على البلدان أن تعزز قدراتها على عرض خدمات تنافسية، وأهم إسهام للاستثمار هو جلب رأس المال والمهارات والتكنولوجيا، التي تحتاج البلدان إليها لإقامة صناعات ذات قدرة على المنافسة. وينبغي معالجة قضايا الاستثمار المباشر حسب ما تقتضيه الخصوصية، وليس على أساس مفاهيم مستعارة من نماذج أكثر تقدماً. وإن تقديم الضمانات القانونية، وتحرير الأسواق قد تحتوي وتنطوي على مخاطر. لكن إعادة ترتيب جذرية الأولويات الوطنية للبلدان وتخصيص الموارد وفقاً لزيادة الاستثمار، والعمل على تحسين ظروف الهياكل الاجتماعية على أساس الكفاءة والجدارة، قد يشكلان ميزتين أكثر ملاءمة وفعالية.

يجب الحذر عند اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر، فالاستثمارات في بعض القطاعات كقطاع الخدمات، قد تكون احتكارات طبيعية كالمرافق العامة، وتكون عرضة لإساءة استعمال القوة السوقية، سواء كانت الشركات محلية أو أجنبية. من هذا المنطلق على البلدان ان تقيم توازناً بين الكفاءة الاقتصادية والأهداف الإنمائية الأوسع نطاقاً، ومحاولة إيجاد توازن بين المحافظة على تطوير واردات الدولة وبين تشجيع الاستثمار والاستفادة منه.


2010-12-26

النظام النقدي العالمي وضوابط الدولار الورقي






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية
 ۲۵ كانون الأول ۲۰۱۰ 

منذ بداية السبعينات تغيرت الأوضاع العالمية وبدأت الأزمات العالمية تتوالى، منها أزمة الغذاء ، وأزمة الطاقة، وأزمة المديونية، فضلا عن أزمة التنمية وأزمة الإيدلوجيات.الخ ومؤخراً الأزمات المالية العالمية حتى وصلنا إلى ما يسمى حروب العملات. وإذا كان العالم عرف في معظم أجزائه مشاكل عدة فمنذ السبعينات عمدت الدول الصناعية إلى إعادة النظر في هياكلها الاقتصادية والمؤسسية لاستعادة حيويتها ، وكذلك يوجد الكثير أيضاً من الدول من أغفلت مواجهة مشاكلها حتى تفاقمت بشكل كبير.

ودائماً هتالك سياسات في كل وقت لمواجهة المشكلات، ولكن التساؤل المطروح هو هل تستطيع السياسات الاقتصادية السائدة حالياً أن تكون أكثر نجاحاً في مواجهة هذه المشكلات؟  أو أن القوى الاقتصادية الفعالة عالمياً هي أكثر عجزاً وقصوراً  عن  المواجهة ؟

فعندما نتكلم عن الأزمات، فإننا نعني بشكل عام عجز الحلول والسياسات الاقتصادية وقصورها عن مواجهة تلك المشكلات. كما أن وجود المشاكل والتحديات الاقتصادية فهو قدر الإنسانية ولا مفر منه، حيث لا يعرف الإنسان ولن يعرف حياة اجتماعية من دون مشاكل. والجديد هو أن المشاكل الاقتصادية بدت مستعصية على السياسات القائمة، وظهرت بوادر فشل هذه السياسات وتفاقم المشاكل وعجز السياسات، ومن هنا الحديث عن عصر الأزمات. ومن هذه الأزمات والتي توالت الواحدة بعد الأخرى حيناً أو تداخلت فيما بين بعضها أحياناً أخرى.

فمع نهاية الحرب العالمية الثانية انشغل العالم بوضع قواعد جديدة لنظام النقد الدولي على ضوء التجارب الماضية. وفي الوقت نفسه كان الحنين لنظام ما قبل الحرب العالمية الأولى كبيراً، وبالتالي لم يكن من الغريب، أن يتجه واضعوا اتفاقية بريتون إلى الأخذ بنظام ثبات أسعار الصرف. وأن السبب في أزمة النقد الدولي، ترجع إلى أن النظام الذي تم اتباعه في ثبات أسعار الصرف كان قائم على عدم إخضاع الدول توازنها الداخلي للظروف الخارجية، وبالتالي لقاعدة الذهب بعكس ما كانت عليه الحال قبل الحرب العالمية الأولى. مما أدى إلى مواجهة النظام النقدي عقبات لم تعرفها قاعدة الذهب، ناهيك عن جمود أسعار الصرف الناتج عن النمو الكبير في حركات رؤوس الأموال، مما جعل القيمون على النقد يؤكدوا على التشدد في تغيرات أسعار الصرف تجنباً للمضاربة.

ونتيجة زيادة المعاملات الدولية، كان لا بد من توفير كميات كبيرة من السيولة الدولية وكان هناك عدة طرق للوصول لذلك :

1– عن طريق الذهب :

لكن إنتاج الذهب لم يكن كافياً لمواجهة احتياجات العالم من السيولة الدولية، كما إن فكرة رفع ثمن الذهب ومن ثم جمع السيولة الدولية لن تلقى القبول. إذ لأسباب سياسية ترفض بعض الدول منح الدول المنتجة للذهب مكاسباً مجانية كجنوب أفريقيا والاتحاد السوفياتي. كما أن منطق النظام القائم على ثبات أسعار الصرف بالنسبة للذهب كان يتعارض مع ترك ثمن الذهب يرتفع.

2 – الاتفاق على قيام سلطة دولية بإصدار نقود دولية.
3 – استخدام إحدى العملات الوطنية كنقود دولية.

ونتيجة للظروف التي لم تكن مؤاتية لإصدار نقود دولية، وعلى الرغم من أن كينز كان قد طرح هذا الموضوع في مشروعه، فلم يكن هناك مناص من استخدام إحدى العملات الوطنية كنقود دولية إلى جانب الذهب في تسوية المدفوعات الدولية، وكان الدولار انذاك هو أكثر العملات تهيئاً للقيام بهذا الدور. ونتج عن ذلك الوضع، أن حققت الولايات المتحدة وتمتعت بمكاسب احتكارية باعتبارها السلطة التي تصدر الدولار. حيث أن الدول لكي تحصل على الدولار لا بد  بالمقابل أن تتنازل عن أصول مختلفة، في حين أن الولايات المتحدة لا تتكلف شيئاً في سبيل إصدار هذه الدولارات باستثناء تكاليف الطبع والإدارة فقط.

ومع مرور الوقت، أصبح هناك تعارض ما بين الدولار كعملة نقدية دولية وتداعيات ذلك من حيث اعتبارات المسؤولية الدولية، وبين احتياجات السياسة الداخلية الأمريكية. مما يؤدي إلى الارتباك، وخاصة مع تغليب المصالح الوطنية الأمريكية، الذي يؤثر على الاستقرار الدولي. ومن الافعال التي تعكس هذا الواقع، قرارات الولايات المتحدة ما بين 1968 و1971 التي إدت إلى منع تحويل الدولار إلى ذهب.

كما أن تطور الاقتصاد العالمي وظهور ألمانيا واليابان على الساحة الدولية الاقتصادية، طرح تساؤلات حول قيمة الدولار التي لم تعد معبرة عن حقيقة الاوضاع، مما أدى في عام 1972 إلى تشكيل اللجنة الوزارية لإصلاح النظام النقدي في جنيف. وبالرغم من الاستقرار النسبي نتيجة اتفاقية سميثونيان 1972، ولكن ما لبثت الأزمة أن تعود من جديد بفعل المضاربات، فاضطرت الولايات المتحدة بتخفيض الدولار عام 1973 وأدى ذلك للعودة إلى تقويم العملات.

ومع بروز أزمة البترول ونتيجة الضغوطات تم في عام 1976 في جامايكا تعديل اتفاقية صندوق النقد الدولي، لتصبح الدول حرة في اختيار نظام الصرف وهو الحل الوسط انذاك بين الطروحات الأمريكية والفرنسية. وأصبح النظام النقدي العالمي هجين غير معروف الهوية. فهو نظام قائم على الدولار، وهو نظام يعتمد أساساً على تعويم العملات، وهو نظام لا يضع ضوابط على الدولار الورقي بعد تحرره من القابلية للتحويل إلى ذهب . والاقتصاد العالمي حتى وقتنا الحاضر ما زال يعاني من وطأة هذه الإشكالية؟؟؟؟؟


2010-12-21

التنمية والدول النامية






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية



۲۰ كانون الأول ۲۰۱۰


 ترتب على أزمة النفط 1973 أو ما عرف بتسميته بالصدمة النفطية الأولى، حيث وصل سعر برميل النفط أكثر من 20 دولار، ارتفاع أسعار النفط وبالتالي ارتفاع تكلفة الطاقة وفاتورة واردات الدول الصناعية من ناحية، وزيادة الفوائض المالية لدى الدول المصدرة للنفط من ناحية أخرى، ولكن مع مرور الزمن استطاعت الدول الصناعية إعادة التوازن لاقتصادها في حين أن العجز الشديد المقابل للفائض في الدول المصدرة للنفط فقد انتقل للدول النامية، مما جعلها تضطر إلى الالتجاء إلى القروض الخارجية من بنوك الدول الصناعية.

نتج عن ذلك ظهور ما يسمى بي  قضية تدوير هذه الفوائض الناتجة عن الأزمة النفطية، أولاً إلى الدول الصناعية ومن ثم إلى الدول النامية. وبالتالي ظهور قضية المديونية للدول النامية التي أصبحت فيما بعد إحدى أهم القضايا في العلاقات الدولية.

وقد تكرر نفس المشهد مع الصدمة النفطية الثانية عام 1979 حيث استطاعت الدول الصناعية من خلال إمكانياتها الاقتصادية من تجاوز هذه الأزمة، بينما ازدادت الدول النامية في التخبط بمديونيتها.كما إن ارتفاع أسعار النفط جاء ليعبر ليس عن التغيرات في الاقتصاد العيني (الموارد = البترول) وإنما فقط في نمط توزيع الدخل العالمي. حيث لم تعرف الموارد الاقتصادية أي تغيير يذكر ولم يتغير شيء على التكنولوجيا أو في الأذواق. بل كل ما حدث، يعبر عن إعادة توزيع الدخل العالمي لمصلحة الدول المصدرة للنفط .

ومن الطبيعي أن ينتج عن هذا التوزيع ارتفاع في الادخار، ووفقاً لنظرية كينز فيجب أن يتساوى حسابياً ما بين زيادة الادخار وبالتالي زيادة الاستثمار، وهذا ما لم يحدث خلال الصدمات النفطية فانعكس سلباً على الوضع الاقتصادي العالمي، وبالأخص على اقتصاديات الدول النامية. وبعد الصدمة النفطية الثانية وفي عام 1983 حدثت صدمة نفطية عكسية، نتيجة زيادة مخزون الدول الصناعية، وأيضاً الأزمات السياسية لبعض الدول المنتجة للنفط (كالحرب بين العراق وإيران). ومؤخراً وبعد الطفرة في أسعار النفط والتي وصلت إلى ما يقارب 150 دولار في بعض الأحيان.

في كل تلك الظروف يحق التساؤل حول عدم قيام الدول المصدرة للنفط من تقديم أسعار تفضيلية وتشجيعية للدول النامية؟ هذا السؤال يطرح دائماً مع ازدياد أسعار النفط وما تأثير هذا الفائض في ميزانيات الدول العربية النفطية ؟

فعلى الرغم من أن الدول النامية استطاعت خلال الفترة القصيرة ما بعد حصولها على استقلالها السياسي، من أن تحقق بدايات مشجعة، ولكن منذ السبعينات وخاصة في الثمانينات بدأت هذه الدول تواجه المشاكل الأكثر حدة، ومن هذه المشاكل أو الأزمات ما عرف بأزمة الغذاء في بداية السبعينيات نتيجة تحول معظم الدول النامية إلى دول مستوردة للغذاء. وقد تم إعادة الاذهان إلى "نظرية مالتسي" حول عدم التوازن بين النمو السكاني وتوافر الموارد الغذائية. والتي عادت وتكررت مؤخرا ما بين الأعوام 2007 – 2010.  وكذلك فإن مفاهيم التنمية نفسها قد عرفت اجتهادات متعددة واختلافات جوهرية، فمن سياسة التدخل الاقتصادي الحكومي، واتباع سياسات إحلال الواردات والانكفاء على الداخل، وتقليل الاعتماد على الخارج أي نظريات التبعية وفقاً لمنطق النظرية الاشتراكية.

ولكن على ضؤ أزمة الأيديولوجية الاشتراكية لا بد من طرح تساؤل حول أزمات الاشتراكية وفشلها، فهل ذلك راجع إلى القصر في النظرية أم عيب في التطبيق؟

فالماركسية وإن تضمنت تحليلاً لتناقضات النظام الرأسمالي، وأيماناً بحتمية زوال هذا النظام، فإنها لم تقل الكثير عن كيفية إقامة النظام الجديد، بعد القضاء على الرأسمالية، باستثناء الاتفاق على إلغاء الملكية الخاصة لعناصر الإنتاج. ومن الغرابة في هذا الإطار القول أن الماركسية التي خسرت المنافسة الاقتصادية قد بنيت نظرياً على أساس أهمية العامل الاقتصادي في تطور المجتمعات؟

وعند محاولة تقييم تجربة الاتحاد السوفيتي يبقى التساؤل مشروعاً حول ما يرجع إلى طبيعة النظام الماركسي؟ وما يعتبر من ظروف النشأة الروسية الأولى؟ وهو واحد من تلك الاسئلة التي يمكن أن تبقى مطروحة دون أن تجد إجابة قاطعة ونهائية؟

وبالمقابل هنالك استراتيجيات آخرى اعتمدت الدول في جنوب شرق آسيا عليها. حيث تم الآخذ بسياسات اقتصادية مختلفة تماماً ، قائمة على اقتصاد السوق وأسواق التصدير مع الاستمرار في إعطاء دور كبير للدولة في توجيه الاستثمارات، حيث استطاعت تحقيق معدلات نمو عالية وأصبحت تعرف بالدول الصناعية الجديدة، والنمور الآسيوية وعلى الرغم من ما حققته هذه الدول إلا أنها تعرضت لأزمات متتالية كالأزمة في عام 1997 .

ونتيجة ما واجهته الدول النامية من مشاكل متعددة بدأت سياسات جديدة تظهر يتبناها صندوق النقد الدولي وإلى حد كبير البنك الدولي. وكان إطار هذا الاصلاح الاقتصادي يدور حول ضرورة ضبط التوازن النقدي والمالي للدول النامية. عن طريق تخفيض العجز في الموازنات العامة ومحاولات السيطرة على التضخم، واستخدام أسعار الفائدة المناسبة وتحديد أسعار الصرف على نحو أكثر واقعية.
وفي هذه الأثناء طرح دور الدولة الاقتصادي وظهرت التيارات المحافظة التي تنادي بحصر دور الدولة. وقد ازداد هذا الاتجاه مع وصول تاتشر وريغان للسلطة في بريطانيا وأمريكا.

وما لبثت أن انعكست هذه الافكار على صندوق النقد الدولي وعلى الدول النامية، وأصبحت هذه الدول مطالبة بالخصخصة، وخلق المناخ الاستثماري المناسب، والتحول إلى اقتصاد السوق، وبالتالي معاملة الدول النامية بنفس الطريقة المتبعة في الدول الاقتصادية الصناعية، مما يطرح التساؤل عن موضوعية هذا الاسلوب؟؟؟؟؟

2010-12-16

التطور المؤسسي للنظام الاقتصادي العالمي









13 كانون الأول 2010 

سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية


السياسات الاقتصادية خضعت لتغيرات وتوجهات جديدة، وقد أدى ذلك  إلى تعديلات في شكل المؤسسات القائمة وأسلوب عملها. فضلاً، عما استدعاه من إنشاء مؤسسات جديدة، كما أن التطور الاقتصادي والترابط المتزايد بين الاقتصادات المختلفة، قد ساعدا على ظهور قضايا جديدة مثل ما أطلق عليه العولمة GLOBALIZATION  وبداية الاهتمام بعدد من القضايا التي وجدت لأول مرة اهتماماً عالمياً لم يتوافر لها سابقاً، كقضايا البيئة، كما أن قضايا التنمية الاقتصادية أخذت طابعاً جديداً عرف بالتنمية البشرية .

ولقد حدث تطور ملحوظ بالجانب المؤسسي  للنظام الاقتصادي على النحو التالي :

1- تطور صندوق النقد :

سرعان ما ظهرت في التطبيق مشاكل عدة فرضت نفسها على طبيعة عمل الصندوق كمشكلة مدى توافر السيولة الدولية. كما أن بقاء أسعار الصرف ثابتة معناه من الناحية العملية، أن تتخلى الدول عن استقلال سياستها النقدية في الداخل وتخضعها لاعتبارات التوازن الخارجي. ومع وضوح أزمة التنمية وخاصة مع ازدياد أعباء المديونية الخارجية على الدول النامية، اتجه صندوق النقد الدولي مع البنك الدولي إلى الاهتمام بقضايا التنمية والإصلاح الاقتصادي، خاصة مع تحول عدد من دول الاشتراكية سابقاً إلى نظام السوق .
  
وأهم تطور أصاب الصندوق الدولي هو ما عرف بإنشاء حقوق السحب الخاصة، وهي أقرب إلى النقود منها إلى الديون العادية. وهي تقوم بجمع وظائف النقود في المدفوعات الدولية، وتحدد قيمة حقوق السحب الخاصة، وفقاً لعدد من العملات الأساسية في المعاملات الدولية. كما هناك تطور في عمل الصندوق على صعيد قضايا الإصلاح الاقتصادي حيث اتجه الصندوق إلى قضايا دول العالم الثالث خاصة مع بروز أزمة المديونية.

والصندوق يقدم قروض مقابل الالتزام بعدد من السياسات عرفت باسم المشروطية، المرتبطة بما يسمى سياسات التثبيت المالي أو النقدي. وفيما بعد تم نقد عمل الصندوق، من حيث اعطائه واعتماده على  وصفة وحيدة دون مراعاة الاوضاع الخاصة لكل دولة.

2 – تطور البنك الدولي:

تم الانتقال من سياسة الاهتمام بالنمو الاقتصادي باعتباره المؤشر الرئيسي للنجاح فقط إلى الاهتمام بقضايا التوزيع، وبذلك أصبح النمو مع التوزيع هو أحد محددات مشروعات تمويل البنك الدولي. وفي الثمانينات اتجهت مشروعات البنك نحو برامج التكيف الهيكلي، القائمة على تمويل البنك لسياسات الدول المتجهة نحو إعادة هيكلة الاقتصاد، والانتقال إلى القطاع الخاص وتخصيص المشروعات.

أن سبب فشل سياسات التنمية في كثير من الدول يعود إلى فساد النظم السياسية السائدة. إذ أنه لا يوجد أمل حقيقي في أية تنمية متواصلة ما لم يحدث تغيرات جذرية في أساليب الحكم، لينتشر فيما بعد مصطلح وتعبير الحكم الصالح، ويقصد به كل أساليب استخدام السلطة سواء من الحكومات أو من إدارات محلية أو في إدارة المشروعات. ولقد تم إدراك إن الدولة ليست هي اللاعب الوحيد في الساحة وهناك مجالاً أمام القطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني لتلعب دوراً رئيسياً . والمؤسسات الاقتصادية بقيت تعبر عن الإيديولوجيات السائدة في الدول الصناعية. 

3 – منظمة التجارة الدولية:

من خلال استعراض الفترات الزمنية والاحداث المتواصلة إلى أن تم إنشاء منظمة التجارة الدولية، من الأهمية بمكان، القول أنه يجب دائماً التركيز على المشاركة لأنها تعطي مردودية أكثر من الانعزال والنقد، على الرغم من ضعف الامكانيات. وهذا الواقع تعبر عنه تجربة الدول النامية في منظمة التجارة العالمية. ومع أن هنالك الكثير من السياسات داخل المنظمة التي لا تخدم مصالح الدول النامية، ومع ذلك يجب علينا النظر للنظام الاقتصادي أو للمنظمات، كمنظمة التجارة العالمية بنظرة كاملة، من خلال ما تفرضه من التزامات وما تعطيه من فرص، فيجب أن نرى الصورة أو ننظر للنظام بمجموعة. 

4- المؤسسات غير شكلية

ومع كل ذلك هناك مؤسسات غير شكلية تعبر عن ترتيبات غير مقننة، تلعب دوراً رئيسياً في تنظيم العلاقات الاقتصادية، سواء كانت هذه القوى تأخذ شكلاً تنظيمياً قانونياً، أم كان لها وجود واقعي، مثل الشركات عبر الوطنية. أو ظهور إلى جانب المؤسسات الدولية الاقتصادية بعض التجمعات، مثل مجموعة الدول العشر، ومؤتمرات القمة الاقتصادية للدول الصناعية . ومثل هذه التنظيمات الفوقية تلعب دوراً رئيسياً في تحديد العديد من المؤشرات في الحياة الاقتصادية. وإذا أردنا أخذ نموذج لهذا الواقع فإن نظام "اليورو دولار" أو "اليورو ماركت" يعبر عن ذلك الواقع .



2010-12-11

المعطيات الاقتصادية للعالم المعاصر






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية
اسلام تايمز 
9-12-2010

لقد تفاعلت تطورات اقتصادية وتكنولوجية بالغة الاهمية، ساعدت على إفراز العديد من مظاهر الخلل وعدم الاتساق بين المؤسسات والنظم ، وبين حقائق جديدة. ومن أهم هذه التطورات الثورة التكنولوجية، وما أدت إلية من تغير في المعطيات الاقتصادية للعالم المعاصر ، وقد واكبت هذه التطورات التكنولوجية، تغيرات أخرى لا تقل عنها أهمية في المؤسسات والسياسات العامة، والتي كان لها بدورها أثار بعيدة المدى. فمن القضايا المطروحة حالياً على الساحة العالمية والسياسات المطبقة :

أ – الليبرالية الجديدة.
ب – التنمية المستدامة.
ج – حماية البيئة.
د – الحكم الصالح.
و – المعونات الدولية للتنمية.
ن- العولمة.
ز – الترتيبات الاقليمية .

من الواضح إن تلك القضايا تطرح إشكالية قوة الدولة، فإن الدولة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما عليه هي الآن، فيما تتمتع به من أدوات للتأثير في الحياة الاقتصادية، سواء عن طريق وسائل التأثير عبر السياسات الاقتصادية، أو من خلال دورها التنظيمي وتوفير الخدمات الرئيسية. إذ إن الانحسار الذي أصاب الدولة، هو في صعيد الانتاج في القطاع العام. فطرح بعض الجوانب المتعلقة بالدولة والاقتصاد أمراً مهماً مثل القطاع الخاص (الأفراد) والمجتمع المدني، كذلك إلى جانب الاقتصاد هناك السياسة والأخلاق.

أن أداة السياسة الرئيسية هي الدولة، التي يتركز فيها استخدام السلطة. في حين أن المجال الطبيعي للاقتصاد هو السوق، حيث تعبر المصالح أو المنافع عن نفسها، فيما تظهره هذه السوق من خلال مؤشرات وخاصة الاسعار . وما بين السياسة والاخلاق والاقتصاد فإن نقطة التقاطع تكون قائمة على ما يعرف بالحكم الصالح القائم على ترابط مفهوم اقتصاد السوق وحقوق الإنسان والديمقراطية.

على صعيد التنمية، الإشكالية تكمن بكيفية تشجيع الدول الرأسمالية أو بالآحرى تشجيع رأس المال إلى الانتقال إلى الدول النامية الأقل نمواً وليس للدول الأكثر نمواً. وعلى صعيد العولمة يجب النظر إلى تاريخ الاقتصاد العام، لفهم الاقتصاد المعاصر بشكل أوضح، باعتباره تاريخاً للمبادلة وقيام الأسواق وتوسيعها. والعولمة ليست وصفة أو حزمة معرفة، بقدر ما هي لحظة من لحظات التطور، ارتفع فيها معدل توسيع الأسواق والترابط في الاقتصادات، على مستوى رقعة متزايدة من العالم.

وإذا كان لكل عصر أبطاله، فعصر العولمة أبطالها ونجومها، الشركات عبر الوطنية، ورجال الإعلام ومراكز المال، ومراكز البحوث، وشركات التسويق، والمخابرات وربما المافيا، ولكن يجب علينا عدم نسيان أهمية وتزايد دور المنظمات غير الحكومية. كما أن الفرد أصبح هو الحكم والفيصل، حيث الجميع يحاول استمالته سواء بالإقناع أو الخداع. فالفرد هو من جهة ناخب وهو من جهة أخرى مستهلك، فعلى الصعيد الاقتصادي، ورغم من عدم عدالة التوزيع فإن المواطن العادي ما زال يمسك بزمام القوة الاقتصادية. كما أن هذا الفرد هو أساس السلطة السياسية، فرأيه في صناديق الاقتراع أو من خلال استطلاعات الرأي ما تزال تحكم التوجهات السياسية والاقتصادية وهنا أيضاً قد يكون المطلوب صوته الشكلي فقط.

والمشكلة تكمن بأن هذا الفرد الذي يمثل الحكم والفيصل، يواجه قوى المال والإعلام والمخابرات. وبالتالي القدرة على إخضاعه لمختلف أنواع التأثير. فمن المعضلات الحالية،  هو التناقض بين تطور الاقتصاد وتطور السياسة، فالاقتصاد يتجه نحو العالمية ولا يأبه بحدود السياسة والجغرافيا، أما السياسة،  فالتنظيم السياسي ما زال وطنياً وقومياً. وتكمن المشكلة الأساسية في تلاقي عالمية الاقتصاد من ناحية وقومية السياسة من ناحية أخرى،  وهو التناقض الأساسي لظاهرة العولمة.

من هنا تنفصل العلاقة بين السلطة والمسؤولية، حيث هناك سلطة اقتصادية عالمية لا يكاد يفلت منها مكان على المعمورة، ومسؤولية سياسية وطنية أو حتى محلية، فالقرارات التي تؤثر بالاقتصاد العالمي تصدر من الكونغرس ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي تحاسب من قبل الناخبين في الولايات المتحدة أو في أروقة السياسة في ألمانيا وفرنسا، على الرغم من تأثير هذه القرارات في اقتصاد العالم برمته.
والترتيبات الإقليمية المختلفة من ترتيبات واعية للتنسيق والتكامل فيما بينها. والتي قد تأخذ هذه الترتيبات شكلاً مؤسسياً وشكلياً في شكل معاهدات أو في شكل ترتيبات خاصة أكثر مرونة.

قد تكون أنجح هذه الترتيبات هي  السوق الأوروبية المشتركة، التي تحولت إلى الاتحاد الأوروبي وهناك الكثير من الترتيبات الإقليمية مثل منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (النافتا)، مجموعة الآسيان، المجموعة العربية، ويمكن اعتبار تجربة الاتحاد الأوروبي أنجح تجربة على هذا الصعيد. وعلى الدول في الشرق الأوسط أن تأخذ تجربة الاتحاد الأوروبي كنموذجاً يمكن الاستفاده منه. طبعاً وفقاً لما يتلائم مع أمكانياتنا ومع طبيعة أنظمتنا ومجتمعاتنا السياسية .


For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com