‏إظهار الرسائل ذات التسميات العراق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العراق. إظهار كافة الرسائل

2023-10-21

محور المقاومة وإشكاليات الأمن القومي الإسرائيلي

 


سلام الربضي : باحث ومؤلف في العلاقات الدولية \ اسبانيا

 

      من حيث المبدأ الحروب تأتي استكمالاً للسياسة، ولكن في إسرائيل تبقى الحروب على الإطلاق هي القاعدة والسياسة هي الشواذ. إذ يبقى منبع التناقضات هو غربة إسرائيل الجوهرية والجذرية عن المحيط العربي الذي فرضت عليه، فلا تستطيع أن تكون آمنة إلا بمراكمة وسائل القوة، الأمر الذي يعمق غربتها ويعزز استحالة القبول بها. وهذا أمر غير قابل للديمومة وذلك لا بمزيد من القوة ولا بمزيد من التحالفات (العلنية والسرية)، بما في ذلك توقيع اتفاقيات السلام العقيمة.

     حيث أثبت مسار التفاوض العربي الإسرائيلي منذ العام 1991 مروراً إلى اتفاقيات طابا واسلو ووداي عربه وصولاً إلى ما يسمى الاتفاقيات الإبراهيمية مع بعض دول الخليج عام 2020، عجزها الشامل عن ردع إسرائيل. حيث لم تؤدي سياسة التكيف أو التحالفات الأمنية وتعظيم التعاون الاقتصادي إلى أي نتيجة تُذكر على صعيد تغيير المواقف العدائية الإسرائيلية. بل على العكس من ذلك، لقد زادت من حدة تصلبها وتعنتها. حيث كانت وما تزال دولة الاحتلال تعالج إشكالياتها الأمنية من خلال إستراتيجية ترتكز على اللاءات المعهودة والتي تعكس ثوابتها الأمنية، والتي من أهمها:

-    لا للانسحاب الكامل إلى حدود 1967.

-    لا لدولة فلسطينية ذات استقلال كامل.

-    لا لإيقاف علميات الاستيطان وتفكيك المستوطنات.

-    لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين.

-   لا لامتلاك أي دولة عربية وإقليمية لبرنامج نووي.

-    لا لأي خلل في موازين القوى العسكرية .

       وبناء على ذلك لا يزال التفوق العسكري العنصر الرئيسي الذي ترتكز عليه دولة الاحتلال من أجل الحفاظ على وجودها. إذ يبقى تفردها في هذا المجال هو الدعامة الحقيقية لحمايتها حتى في حالة تحقيق السّلام. فنظريّة الأمن القومي الإسرائيلي ستبقى على الدوام قائمة على مبدأ أن كيان الاحتلال يقوم على مساحة محدودة جغرافياً. وبالتالي، طالما هنالك عطوبية على مستوى العمق الاستراتيجي لا بد من الاعتماد على قوّة ردع ضاربة، تحفظ لإسرائيل ديمومتها. ولكن ونتيجة للانتصارات الاستراتيجية لمحور المقاومة في حرب تموز 2006 مرروراً بحروب غزة (2008-2021) والحرب العالمية على سوريا(2011-2019) بات هنالك استحقاقات ينطوي عليها تهديدات مستقبلية على مصير دولة الاحتلال الإسرائيلية.

     وفي هذا الإطار لقد جاءت انتصارات المقاومة الفلسطينة في غزة في تشرين الأول 2023 امتداد لهذا النسق التصاعدي على صعيد إعادة التوازن والرعب الاستراتيجي بين محور المقاومة ودولة الاحتلال، التي تلقت عدة هزائم قاسية أوصلتها إلى مرحلة العجز المطلق. وهذا الواقع الجديد لا ينفصل عن صيرورة الانتصارات منذ حرب تموز 2006 وما تلاها والتي نتج عنها كثير من التطورات الجيوسياسية، التي تتعلَّق بتعاظُم قوَّة محور المقاومة: ومنها:

-  أكتساب تجربة قتالية غير تقليدية: حيث أصبح هذا المحور قادراً مستقبلياً على خوض معارك متعددة المستويات تتطلب تنسيقاً لوجستياً ضخماً.

-  تغير المفهوم العسكرى القائم على الاستنزاف والدفاع واستبداله باستراتيجية هجومية وقائية:  قائم على مبدأ التوغل إلى داخل الأراضي المحتلة، وشن غارات بالآف الصواريخ بذات اللحظة من عدة  جبهات مختلفة، وبالتالي تغيير معادلة الردع المتبادل مع إسرائيل بشكل جذري.

   وهذا بالفعل ما تم تجربته بشكل مصغر على أرض الواقع في حرب غزة عام 2021، حيث استطاع محور المقاومة عبر حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس من اعتماد هذه الاستراتيجية التي ثبت نجاعتها. حيث لم تستطيع القدرات العسكرية الإسرائيلية مواجهة واعتراض مئات الصواريخ التي تم إطلاقها من غزة في ذات اللحظة ومن مواقع مختلفة. وعليه، هذه التحديات تطرح علامات استفهام حقيقية والتي تدور حول التساؤل التالي:

هل دولة الاحتلال الإسرائيلية قادرة على مواجهة كل تلك التحديات في أي حرب مستقبلية؟

 

     من المنطقي القول أن طبيعة التحديات التي تواجهها دولة الاحتلال على مستوى بنية ومفهوم أمنها القومي قد تغيرت في شكل دراماتيكي وجوهري ، ومن تلك التحديات :

 

1-    أصبح لدى محور المقاومة قدرات تسليحية ضخمة تستطيع تغطية كل نطاق دولة اسرائيل.

2-     امتلاك الجيش السوري وحزب الله خبرة عسكرية هجومية نتيجة حرب العصابات مع الحركات الأرهابية المدعومة من الغرب وإسرائيل.

3-    تطوير محور المقاومة لاستراتيجيته العسكرية القائمة على ضرب تفوق إسرائيل الجوي والبحري.

    

     وهنا يجب الاعتراف بإن انتصارات محور المقاومة على إسرائيل في حروب لبنان وغزة وسوريا باتت تمثل تحدياً حقيقياً لقوتها الردعية هي منعطف استراتيجي ويزيد من تعقيدات عمل أجهزتها الاستخبارية. حيث أصبحت تعاني من فقدان أهمّ عناصر الرّدع لديها وإن أي مواجهه عسكرية جديدة ستكون معقدة وستصل إلى كل رقعة على مساحة إسرائيل نفسها.  فهي لم تكن في يوم من الأيام مُهددة مثل ما هو شأنها اليوم، نتيجة تطور ونضج تجارب محور المقاومة، الذي أثبت أنه بات يمتلك رؤية عسكرية وسياسية ذات نهج منطقي وعقلاني على مستوى الفكر والممارسة. فحروب إسرائيل الخاسرة وعجزها عن تحقيق أي من أهدافها في سوريا أو غزة أو لبنان، دليل قاطع على تفوق محور المقاومة على كافة المستويات.

 

     وفي هذا السياق يمكن التأكيد على أن الاحتمال المستقبلي الوارد هو حتماً خيار الحرب والمواجهة الشاملة، والتي لن تكون كما كان يحدث سابقاً كحرب تقليدية على أرض عربية يحسمها التفوق العسكري الإسرائيلي. بل على العكس من ذلك، ستكون حرباً  لا تملك دولة الاحتلال زمام المبادرة بها. إذ ربما تستطيع دولة الاحتلال أن تبدأ تلك الحرب ولكن الأهم من ذلك كيف تديرها وتنهيها؛ إذ بكل تأكيد لن تكون قادرة على حسمها، وستصل تلك الحرب إلى كل شارع داخل إسرائيل نفسها.


      فمبدئياً يمكن التأكيد على إمكانية وقدرة محور المقاومة على شن هجوماً شاملاً على إسرائيل(وليس فقط تبني سياسة دفاعية)، سواء عبر وابل من الطائرات المسيرة والصواريخ من جميع الجبهات(إيران، العراق، اليمن، لبنان، سوريا، غزة)، والذي سيكون مصحوب بهجوم إلكتروني بحيث تعجز منظومة الدفاع "القبة الحديدية" التصدي بشكل كامل لمثل ذلك النوع من الهجوم الواسع القادر على ضرب وتعطيل القواعد الجوية والبحرية ومراكز الجيش والبنية التحتية في كل إسرائيل. ناهيك عن تزامن ذلك مع هجوم بري عبر كل الحدود داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

     على سبيل المثال، ووفقاً للتقارير والدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث والمؤسسات العسكرية الإسرائلية فإن أقله لدى حزب الله تحديداً قدرات عسكرية ضخمة باتت تمكنه من احتلال منطقة الجليل شمالي إسرائيل ، وما إلى ذلك من عواقب وخيمة على الكيان الإسرائيلي. لذلك إذا تم مقاربة المعادلة التي ترتبط بالقدارت الصاروخية للمقاومة والتي تم تفعيلها في حرب تموز عام 2006 (حيفا وما بعد حيفا) وإذا تم إضافة معادلة الطائرات المسيرة والإمكانيات البحرية( كاريش وما بعد كاريش)، فإنه من المنطقي سوف تكون المقاربة المستقبلية القادمة، أقله وفقاً لمعادلة: الجليل وما بعد الجليل!!


2023-02-18

الصبر الاستراتيجي الإيراني: إسرائيل والحروب الناعمة


 

د. سلام الربضي

للأسف، من خلال تتبع نسق استراتيجيات كثير من الدول القائم على الاهتمام المبالغ فيه بقضايا حقوق الإنسان والمرأة والديمقراطية في إيران (كقضية وفاة الفتاة الإيرانية مهسا أميني)، لم يعد بالإمكان تجاهل وأغفال مدى الاستغلال السياسي والأمني والثقافي الحاصل. وهذا النسق تم اعتماده سابقاً في سوريا مما أدى الى دخولها في مستنقع الحرب منذ العام 2011. وبالتالي وانطلاقاً من تواجد إيران في ذات الاتجاه السياسي تم اتباع ذات النسق، فالمسألة مرتبطة بالدرجة الأولى بمواجهة قوة إيران المتصاعدة.

فمن حيث المبدأ هنالك استراتيجية باتت واضحة ومكشوفه وهي ترتكز على خلفيات ثقافية هدفها الأساس تفتيت المجتمعات من الداخل(الحروب الناعمة). أذ إن كثير من الدول(إسرائيل تحديداً) لا يمكنهما التسليم بتاتاً بواقع وجود إيران كقوة إقليمية كبرى. فعلى الرغم من كل سياسات العقوبات المتبعة لعزل وتهميش إيران خلال 45 عاماً المنصرمة، استطاعت إيران بناء قوتها الذاتية وترسيخ نفوذها الإقليمي.

وبالتالي، لم يعد أمام الدول تلك الدول المعادية لإيران سوى الاتجاه نحو استغلال بعض القضايا الجدلية داخل المجتمع الإيراني المرتبطة بحقوق الإنسان والمرأة والديمقراطية، من أجل زعزعة استقرارها وأضعافها. ووفقاً  لذلك، توجهت تلك الدول نحو خيار الحرب الناعمة وذلك عن طريق:

  1. التغلغل الثقافي داخل المجتمع الإيراني لتمزيق بنيته السياسية.
  2. دعم الحركات الإرهابية، بما في ذلك محاولة إعادة إنتاج داعش جديدة. 

وفي هذا السياق هنالك كثير من الأدلة التي تؤكد تلك التدخلات الخارجية الهادفة إلى إغراق إيران بنزاعات وحروب داخلية، منها على سبيل المثال لا الحصر:

·         ضبط  شحنات أسلحة قادمة من الخارج ترافقت مع  أعمال الشغب الداخلية.

·         تفكيك خلايا إرهابية كانت تخطط لاغتيال شخصيات من أصول عربية وإجراء عمليات إرهابية في الأماكن الدينية من أجل إشعال حرب أهلية.

·         القبض على مجموعات إرهابية مرتبطة باستخبارات خارجية تعمل على تهريب الأسلحة.

 

وانطلاقاً من تلك الحقائق، يبدو أن الهدف الرئيس هو تدمير البنية المجتمعية وتضخيم الاستقطاب السياسي وتقويض الاستقرار الأمني؛ بحيث تُصبح إيران أكثر هشاشةً وقابلية للتقسيم. فعملياً الجمهورية الإيرانية تواجه حرب هجينة، غايتها السياسية قائم على مواجهة النفوذ الايراني الذي يرتكز على:

-         التمسك بالبرنامج النووي.

-         دعم حركات المقاومة في مواجهتها للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

-         التواجد في سوريا ومساعدة الجيش السوري في حربه ضد الحركات الإرهابية.

-         مساندة الحوثيين في اليمن بشكل دائم.

-         ترسيخ التغلغل في العراق على كافة الأصعدة.

-         التقارب الاستراتيجي مع كل من روسيا والصين.

وهنا يجب الاعتراف بإن التجاذبات الإيرانية الداخلية، هي بمثابة ورقة رابحة حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل استغلالها لتحريض الشعب الإيراني على نظام الحكم والتصادم معه. وهذا الوقع أو التحدي الجديد تطلب من الحكومة الإيرانية اعتماد رؤية مختلفة على مستوى كيفية التعامل مع هكذا مستجدات. حيث اتبعت الحكومة الإيرانيه ومؤسساتها الأمنية سياسة ضبط النفس وعدم اتخاذ أية خطوة استفزازية قد ؤدي إلى التصادم، بل على العكس من ذلك تم العمل على:

1-         امتصاص غضب الشعب والسماح بالتظاهر .

2-         مراقبة الوضع الأمني عن كثب والسيطرة على الخلايا الإرهابية.

3-         الكشف للمجتمع الإيراني سياسات التجييش والتحريض الإعلامي القذرة.

4-         أثبات ارتباط كثير من الحركات المعارضة بأجندة الدول الأجنبية .

5-         الربط بين الأحداث الداخلية والنسق القائم على تطبيق النموذج السوري في إيران.

وفي هذا الإطار، وبغض النظر عن مدى قدرة الحكومة الإيرانية على مواجهة هذه الحروب الناعمة، فإن هنالك تحديات سياسية وثقافية وأمنية داخلية في غاية الخطورة لم يعد بالإمكان تجاهلها، وهي تتطلب إعادة النظر بكثير من السياسات التي كانت يُعتقد أنها باتت من البديهات، ومنها:

·         لم يعد من الممكن اتباع السياسة التي تقوم على تحميل الحكومات الإيرانية المسؤولية وتحييد المرشد الأعلى للثورة (أو مؤسسة ولاية الفقية) عن أي مسؤولية.

·         وجود تغيرات جذرية مرتبطة بالتهديدات الأمنية، التي لم تعد تقتصر على الخطر الإسرائيلي، وإنما امتدت لتشمل الحركات الإرهابية.

·         زيادة حدة التعقيدات المرتبطة بالخطط الخارجية الراغبة في تقويض دعائم الدولة الإيرانية.

·    الأزمات الداخلية تبدو الأكثر خطراً، وربما تؤدي إلى تقديم تنازلات استراتيجية على مستوى الملف النووي والقضية الفلسطينية والعلاقة مع سوريا وحركات المقاومة.

في محصلة القول ، أن الاهتمام المبالغ به في قضايا حقوق الإنسان يأتي في سياق الضغوط التي تتعرض لها إيران منذُ عقود، لتحقيق أهداف جيوسياسية. ولكن وفقاً لكيفية مواجهة إيران لما سبق وقد تعرضت له من تحديات يبدو أنها قادرة على تجاوز الصعوبات الحالية، إذ أن ركائز الدولة ما زالت متينة على كافة المستويات.

كما أنه يجب عدم الاستخفاف بقدرة إيران على إعادة تقييم علاقاتها الخارجية انطلاقاً من معادلة أن أمن إيران مرتبط بأمن المنطقة. وهنالك لدى إيران كثير من الخيارات التي تعزز تلك المعادلة. إذ ثمة هنالك استحقاقات متعددة الأبعاد مرتبطة بالواقع الإيراني سواء على صعيد البرنامج النووي أو زيادة حدة التصادم مع إسرائيل وأمن الطاقة. فمثلاً، لم يعد بالإمكان التعويل الدائم على استمرار ضبط النفس الإيراني في اليمن، وما سوف ينتج عن ذلك من تداعيات استراتيجية إقليمية وعالمية، أقله على صعيد توازنات أمن الطاقة العالمي.

ناهيك عن أنه في حال نفاذ الصبر الإيراني الاستراتيجي ليس من المستبعد على الإطلاق، استهداف إيران بشكل مباشر للمصالح الإسرائيلية، وربما في مرحلة ما قد تكون المواجهة مباشرة داخل فلسطين المحتلة نفسها. حيث أن إيران تعي تماماً أن جميع محاولات زعزعة استقرارها لا يمكن فصلها على الإطلاق عن ردود أفعال إسرائيل، التي تواجه خطراً وجودياً بعد خسارتها جميع حروبها مع محور المقاومة المدعوم بشكل كامل وغير محدود من قبل الجمهورية الإيرانية.


2020-06-30

الأردن والخيارات الاستراتيجية في مواجهة إسرائيل




د. سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية
https://www.academia.edu/43469653/
بادئ ذي بدء، يجب التسليم بوجود استراتيجية إسرائيلية قائمة على تأكيد هيمنتها العسكرية، ورفض أي نوع من التوازن للقوة الذي قد يجبرها على التنازل في خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بترسيخ نفسها كدولة محض يهودية ومنع قيام الدولة الفلسطينية ورفض عودة اللاجئين والمراهنة على تسفير الفلسطينيين للخارج، وذلك عن طريق بناءها للجدار العازل والاستمرار في سياسة توسيع المستوطنات وتأكيد السيطرة على غور الأردن، وهو ما يحدث حالياً. وبالتالي في حال لم يكن هناك توازن إستراتيجي مع الدولة العبرية، سيجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام خيارين: إما الخضوع الدائم للاحتلال المباشر وغير المباشر، وإما الهجرة للأردن وهو خيار إسرائيل الأكثر واقعية لتصفية القضية الفلسطينية، وجعل الأردن الوطن البديل، وحكماً هذا ما يجري تنفيذه بالفعل، وما يزيد من خطورة كل ذلك هو تماهي البعض في العالم العربي مع الخيارات الاستراتيجية الإسرائيلية.

وبناء على ذلك، سيبقى هاجس الخيار الأردني كوطن بديل هو التحدي الاستراتيجي الأخطر(حالياً ومستقبلياً)، وعليه لا بد على الأردن تنويع الخيارات الإستراتيجية التي تساعده على مواجهة التحديات القادمة، والتي يجب أن تتمحور حول:

1-     تمتين العلاقة إلى أبعد حدود مع سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني وجميع القوى الفلسطينية(بما فيها حركة حماس والجهاد الإسلامي) ودعمهم جميعاً بكافة السبل، انطلاقاً من اعتبار دولة فلسطين هي العمق الإستراتيجي الأردني بعينه، والعكس صحيح.

2-     يجب على المستوى العسكري اعتبار نهج حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية في مواجهة إسرائيل (في حرب تموز 2006 وحروب غزة 2009 وما بعدها) النموذج الذي يحتذى، وبالتالي الاستفاده منه في أي مواجهه عسكرية مع إسرائيل.

3-     استقرار الأوضاع في سوريا والعراق جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأردني. وعليه يجب عدم التدخل بشؤونهما والعمل على توطيد العلاقات معهما على كافة المستويات.

4-     تخفيف حدة التوتر العربي الإيراني والعربي التركي والتشجيع على الحوار. والأردن الهاشمي على هذا الصعيد يستطيع فعل الكثير إذا كانت لدية الإرادة بفعل ذلك. وبكل تأكيد شريطة أن لا يكون ذلك على حساب علاقات الأردن القومية والإستراتيجية مع المملكة العربية السعودية ومصر.

كل تلك الركائز في حال تم تحقيقها لا يمكن لها ضمان استقرار الأردن وحمايته من التحديات الخارجية، في حال لم تواكبها تغيرات سياسية جذرية على المستوى الداخلي، والتي تستند على توسيع رقعة الحريات السياسية ومكافحة الفساد السياسي والمالي من جذوره. والأهم من كل ذلك، لا يجب التعامل مع الشأن الداخلي الأردني وفقاً لمنطق لعبة السلطة وتصفية الحسابات السياسية التقليدية، انطلاقاً من الإيمان بأن جميع الأردنيين بمختلف أصولهم وانتمائاتهم وآرائهم السياسية هم جزء لا يتجزأ من مناعة الأردن، وبالتالي تحاشي الدخول في متاهات داخلية لن تؤدي سوى إلى تصادم مجتمعي سيضعف بكل تأكيد جميع الخيارات الاستراتيجية مهما كانت ممكنة؟
 


 

2015-07-13

الخــــليج العربي والبعد الثقافي كقوه مؤثرة في تحديد المصالح






سلام الربضي: مؤلف وباحث في العلاقات الدولية\ اسبانيا

المصالح من أهم علاماتها الأساسية وأشملها وأعمقها تأثيراً هو الحقل الثقافي. فكثير من النظريات، تؤكد على أن المصدر الرئيسي للصراع في المستقبل سيكون مصدراً ثقافياً، وليس أيديلوجياً أو اقتصادياً. فالثقافات، هي الإطار المسيطر على العلاقات الدولية، وتأكيداً على هذا النهج يمكن العودة إلى تصريح الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في مؤتمر اليونسكو عام 2001 حيث قال:"القرن التاسع عشر شهد صراع القوميات والقرن العشرين شهد صراع الأيديلوجيات، أما القرن الحادي والعشرين فسيشهد صراع الثقافات". وبناء عليه، يجب عدم أغفال العوامل الثقافية كقوة مؤثرة ودافعة لتحقيق المصالح، سواء على صعيد الرؤية الثقافية للدول الكبرى لمنطقة الخليج، أو على صعيد الواقع الثقافي بحد ذاته لتلك المنطقة، والذي يعتبر عاملاً مساعداً للدول الكبرى لتحقيق أهدافها. فلعبة المصالح لا تقف عند أيّ حاجز، في علم السّياسة والعلاقات الدّوليّة.  

وانطلاقاً من ذلك، فأن معيار البعد الثقافي في تحليل واقع مصالح الدول الكبرى في الخليج، يمكن لنا مقاربته من خلال شقين :
1-     العلاقة بين الغرب والإسلام .
2-     العلاقة بين التيارات الإسلامية .

الشق الأول: العلاقة بين الغرب والإسلام:   

يوجد مصالح استراتيجية سياسية واقتصادية وأمنية للدول الكبرى في المنطقة. ولكن تبقى في الحقيقة،الرؤية الثقافية للغرب حول العالم الإسلامي والخليج جزء منه هي التي تحدد اتجاه هكذا استراتيجيات – على الرغم من تمايزها في بعض الأحيان- للسيطرة على المنطقة وذلك لعدة أسباب منطقية. وهي كالآتي:

أ‌-     الإرهاب: اعتبار منطقة الخليج هي مصدر الإرهاب فكرياً ومادياً. وبالتالي، فالعامل الثقافي هو الذي يحدد هذة الرؤية.
ب‌- الطاقة : وهي أساس الاعتماد المتبادل بين دول العالم بأبعادها الاقتصادية والأمنية .
ت‌-  إشكالية علاقة العرب والمسلمين مع إسرائيل: وهذه المعضلة لها تداعيات خطيرة على الأمن العالمي، والدول الكبرى ملزمة التعامل مع هكذا مسألة معقدة .
ث‌-  الجيوش الأجنبية: لا يمكن بقاءها في الخليج للأبد. فمن هذا المنطلق، يجب بناء أنظمة جديدة للأمن والأمان. 

فالشكوك والمخاوف واضحة للعيان، عندما يتم التكلم عن تصور الدول الكبرى للمنطقة بأكملها، بما فيها الخليج العربي. ومشاريع الشرق الأوسط بأسمائه المختلفة(ومنها الربيع العربي) تحمل في طياتها، تصور كامل للمنطقة من جغرافي، سياسي، اقتصادي،أمني. وهو قائم على حزمة من التغييرات التي يراد تعميمها، والتي تحمل في مضمونها أبعاد ثقافية ومذهبية مقيتة. وهذا ما يطلق عليه حروب الهويات والثقافات في الشرق الأوسط. فالغرب أصبح مقتنعاً واقعياً، بأنّ الأوضاع المتأزمة في العراق وسوريا واليمن والسعودية ولبنان والبحرين، لا يمكن إيجاد حلول لها، إلا عن طريق التعاون والتفاهم مع إيران تحديداً. ولذلك، لا مفر أمام تلك الدول سوى البحث عن مسار للتلاقي مع الجمهورية الإيرانية.

ويبدو أن الغطاء الفكري لهكذا تقارب، قد يكون مرتكزاً على التسليم والاقتناع، بأنّ الخطر الإرهابي السّني (الوهابي) أشدّ وطأةً وفتكاً،ً من النفوذ الإيراني في المنطقة. وبالتالي، قد تكون القوة الإيرانية هي الوحيدة عملياً، القادرة على الأرض، مواجهة هذا الإرهاب الإسلامي السّني العربي ( ويمكن القول أن الدعم الإيراني الحالي المقدم للدولة العراقية في مواجهتها لإرهاب داعش يأتي في إطار التقاطع في المصالح، وأن كان بطريقة غير مباشرة). وبناء عليه، ينظر إلى إيران على الأقل كواقع يجب إعطاءه هامش للتحرك ولو بالحد الأدنى. وهذه السّياسة تساعد على نقل الصّراع والمواجهة من بين الغرب والإسلام، إلى المواجهة فيما بين النفوذ الشيعي والنفوذ السّني. وهذا ما يستدل عليه من خلال القراءة الإستراتيجيّة لكيفية تعامل الغرب، مع أزمات العراق وسوريا واليمن ولبنان والبحرين.

الشق الثاني:العلاقة بين التيارات الإسلامية. 

وتكمن الخطورة في هذا الشق، بأن تستطيع الدول الكبرى تحقيق مصالحها من خلاله. فالمشهد الإسلامي، تتجاذبه وتتصارع داخله تيارات مختلفة. والواقع الخليجي والعربي يعكس كل تلك المتناقضات، المتنوعة والمتضاربة. والتي يمكن توضيحها، على الشكل التالي:

أ‌-     فكرياً: هنالك من ينادي بالإصلاح والتحرر، وهناك من ينظر للتحولات بمنظار تقليدي، ويوجد الأرهابيين الذين يحاولوا الخروج عن كل ما هو مألوف وإنساني. وهذا الحراك السياسي والاجتماعي، يلقي بظلاله على إمكانية الدول الخليجية وقدرتها، في الحفاظ على كياناتها ومصالحها.وفي المقابل يسمح للدول الكبرى التدخل تحت غطاء أمني وإنساني. ذلك من أجل تحقيق هدفين،الأول:الضغط على تلك الدول لتحقيق أهدافها تحت شعار الاستقرار والحفاظ على الأنظمة. الثاني: استغلال هذا الحراك لبناء نموذج حضاري ثقافي جديد يخدم تطلاعاتها.
ب‌-  مذهبياً: الخلاف الديني والطائفي في العالم الإسلامي(سني، شيعي، علوي، وهابي، حوثي، يزيدي، درزي، ماروني، قبطي..الخ)  دخل في عمق وجوهر أصول القناعات الدينية. فهناك سعي نحو فرز واصطفاف يلعب فية الموروث الطائفي، دوراً حيوياً في تثبيت ركائز ما هو قادم  في المستقبل. فواقع المجتمعات الحالي،في السعودية والعراق وسوريا واليمن ولبنان والبحرين ومصر، يبدو نموذجاً صارخاً لهكذا منطق.



وهذا الواقع يستغل ويتم التلاعب على تناقضاته من قبل الدول الكبرى على صعيدين:

1- داخل كل دولة على حدة كالخلافات المذهبية داخل اليمن، البحرين، الكويت، السعودية، إيران، العراق،  مصر، لبنان، تركيا، سوريا...الخ.
2-  فيما بين الدول: كالعلاقات العربية الإيرانية أو العربية العربية.  وهذا ما كان قد عبر عنه بعض الزعماء العرب حول ما يسمى الهلال الشيعي أو رفض مبادرة أمين عام الجامعة العربية السابق عمرو موسى عام 2010 التي تدعو لإجراء حوار استراتيجي مع إيران. ونستطيع القول أن الحرب السعودية على اليمن تأتي في نفس هذا السياق الفكري أيضاً.

فمن الجلي، أن هنالك رؤية فكرية سياسية قائمة على أحداث تغيّرات استراتيجيّة في المنطقة، لم تعد قائمة على مفهوم مصالح الدّول. فالآن نحن، أمام نفق لم تعد الصّورة واضحة المعالم فيه. إذ تشير المعطيات في العالم العربي وتحديداً في منطقة الخليج، إلى أننا أمام نظام جديد وخطير للغاية، يشبه واقع الدّول الأوروبيّة ما قبل توقيع معاهدة وستفاليا 1648. والرّهان على الوقت، قد لا يمكن أن يستمرّ طويلاً في ظل البيئة الاستراتيجيّة الخطرة، التي تعاني منها المنطقة بأسرها، والتي تسيطر عليها كل من الحركات الإرهابية المتطرفة، كالقاعدة وجبهة النصرة، وداعش والجيش السوري الحر(الجناح العسكري للأخوان المسلمين) المدعومة من قبل بعض الأنظمة الخليجية وتركيا وإسرائيل والغرب، لمواجهة النفوذ الإيراني والسوري وحركات المقاومة على المستوى الإقليمي، والنفوذ الروسي والصيني على المستوى العالمي.

فالمنطقة أمام تناقض خطير جداً. عربياً أصبح هناك وبلحظة ما، من يرغب بنقل الصّراع في الشرق الأوسط (بل بالفعل تم نقل هذا الصراع) من صراع عربي إسرائيلي استراتيجي، إلى صراع عربي إيراني. ومن المؤسف والمؤلم جداً، أن تتخذ العلاقات العربيّة العربية، أو العلاقات العربية الإيرانيّة، طابعاً مذهبياً مقززاً. ومن المستغرب هذا التحوّل في النظرة العربيّة لمصالحها الإستراتيجيّة. وهذه المعضلات والمعطيات، يمكن ملامستها من خلال طرح الإشكاليات التالية:

1- هل تستطيع (أو بالأحرى هل استطاعة) الدول الغربية من استغلال المخاوف العربية الثقافية والقائمة على أبعاد مذهبية لتحقيق أهدافها في المنطقة من تقسيمها لدويلات وفرق مذهبية؟ وهل تستطيع بالتالي تأمين حماية أمن الدولة العبرية؟

2- هل يُعقل أن ترتكز قاعدة واستراتيجية الأمن القومي العربي على أبعاد طائفية؟ ممّا يجعلنا نطرح تساؤلات إستراتيجيّة حول المصالح العربية القومية وأولويّات تحديد الأخطار وكيفيّة مواجهتها؟ فما هي منطلقات ودوافع تلك المصالح غير المتفق عربياً عليها أصلاً؟

لقد أصبحت التطورات في العالم العربي صاحب الخلل في موازين القوة مصدراً للقلق والتوتر. وهي بحاجة لرصد وبحث ومراقبة، لمحاولة إيجاد مقاربة فكرية تعيد التوازن الإستراتيجي المفقود عملياً منذُ زمن بعيد. هذه المقاربة، لا يمكن أن يكتب لها النجاح، إلا في حال كانت عملية إعادة التوازن مبنية على منطق تبادل المصالح. كما هو واقع الحوار والتفاهم الإيراني الغربي حول الملف النووي أو الوضع في العراق. والذي قد يكون بمثابة صورة ونموذجاً حقيقياً وعقلانياً عن مستقبل تلك المنطقة.

ولكن، يبقى التساؤل المؤلم والمقلق: أين العرب من كل هذا الواقع؟ وعلى أية قاعدة يمكن لنا بناء الأمن القومي العربي؟ القاعدة المذهبية المقيتة؟ أم قاعدة توازن القوى المفقود حالياً؟ أم قاعدة تبادل المصالح؟ فتحديد تلك القاعدة قد يمكن التماسها فقط، من خلال إعادة النظر بي موروثنا وواقعنا الثقافي، من قبل كل من القيادات والنخب والشعوب العربية. قبل أن يُصبح عالمنا العربي بين خياران لا ثالث لهما:أما القاعدة وأما داعش، وربما غداً أما طالبان وأما بوكو حرام؟

For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com