‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات استراتيجية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات استراتيجية. إظهار كافة الرسائل

2025-05-22

السؤال المنطقي ليس ما إذا كانت الصين ستصبح القوة العظمى الأولى؟ بل متى؟

 



د.سلام الربضي: مؤلف وباحث في العلاقات الدولية.

     إذا كانت قد استطاعت حروب التعريفات الجمركية والمواد النادرة بين الصين والولايات المتحدة، أو حروب أوكرانيا وغزة ولبنان واليمن وسوريا، إعادة  طرح علامات الاستفهام حول موازين القوى العالمية، ولكن هنا يجب الأخذ بعين الأعتبار على عكس ما هو شائع لدى كثير من النخب الأكاديمية، بأن التغيرات في موازين القوى على مستوى العلاقات الدولية، لم تعد خاضعة إلى حد كبير إلى لعبة صفرية النتائج Zero-Sum Game بل على العكس من ذلك أصبحتNon Zero-Sum Game. بمعنى، أن زيادة نفوذ وسلطة وقوة دولة ما، لا تعني بالضرورة، فقدان الدول الأخرى لنفوذها. كما أن كون دولة ما، هي أقوى دولة  فهذا لم يعد يعني احتكارها للقوة بشكل مطلق. وبالتالي  تبقى جميع الطروحات التي تشير وتتنبأ بأفول أو صعود القوى العالمية، خاضعة للنقاش وعدم اليقين. حيث ليس هناك منهج علمي يسمح بتنبؤات دقيقة حول مستقبل النظام العالمي.

       وفي هذا السياق، يمكن لنا التطرق إلى إشكالية محاولة المقارنة بين قوة الصين المتصاعدة ومكانة الولايات المتحدة المتراجعة. وهنا يجب لفت الانتباه، إلى أن هذا التراجع يعود إلى التغير في طبيعة النظام العالمي، أكثر مما يعود إلى ضعف الولايات المتحدة العسكري أو السياسي أو الاثنيـن معاً، نتيجة حتمية نسق التغيرات العميقة الذي أصاب بنية المجتمع العالمي. حيث باتت العلاقات الدولية المعاصرة، ترتكز على نسق ذو قوة موزعة أكثر مما هي مركزة، إذ يوجد هنالك تقاطع وتشابك في النفوذ. ولكن ومع  كل تلك المعطيات، لا يمكننا تجاهل طرح إشكالية :

كيف إن النفوذ الحقيقي لقوة الولايات المتحدة، لم يدوم لأكثر من 25 عام؟   

كما أنه وفقاً إلى الاستنتاجات القائمة على استقراء حيثيات سقوط الامبراطوريات أو واقع السياسة العالمية الحالي، يتضح أن الانحدار النسبي لقوة الولايات المتحدة، سيبقى مستمراً  بغض النظر عن محاولات استدراكه. وبناء على ذلك، قد تكون أكثر التساؤلات المنطقية باتت تتمحور حول ليس إذا كانت الصين سوف تصبح القوة العظمى الأولى عالمياً، بل متى؟  وهل ترغب الصين أو تُفكر فعلياً بتولي مسؤولية قيادة العالم، وفي حال كانت لديها هذه الرغبة فهل هي جاهزة لفعل ذلك، وهل ذلك يخدم مصالحها الاستراتيجية في الوقت الراهن؟

 فانطلاقاً من تداعيات الحروب والنزاعات والأزمات الأخيرة على كافة الستويات (السياسية والاقتصادية والثقافية) يمكن تناول إشكاليات تصنيف النظام العالمي والمرتبطة بمصطلحات الأحادية القطبية أو الثنائية والتي باتت بلا معنى. حيث يبدو من الصعوبة بمكان ما، رؤية نظام عالمي يتحكم فيه قطب واحد أو حتى قطبين. وذلك بسبب عوامل نوعية كثيرة  سواء كانت عسكرية،اقتصادية،سياسية،ثقافية، بيئية،تكنولوجية..الخ، والتي أصبحت من أهم محددات العلاقات الدولية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

1-      لا توجد دولة واحدة، تتمتع بتفوق في جميع عناصر القوة.

2-      تداعيات عصر المعرفة العابر للحدود السياسية والثقافية والأمنية.

3-      بروز ظاهرة الإرهاب بكافة تجلياتها.

4-      إشكاليات المسألة البيئية وقضايا الديمغرافيا والهجرة.

5-      وتيرة التطورات العلمية والكنولوجية على كافة المستويات.

6-      تشابك الاقتصاد العالمي، وتعدد نفوذ كثير من القوى بداخله.

7-      التحولات في معايير قياس القدرة العسكرية.

وبالتالي يمكن القول، إن عالم العلاقات الدولية خاضع اليوم لنظام عديم القطبية، نتيجة حتمية نسق التغيرات التي زادت من حجم التعقيدات المرتبطة بقضايا الإرهاب، والبيئة، والتكنولوجيا، والإعلام، المواد النادرة، الفيروسات الحقيقية والالكترونية..الخ. وهذا النسق يدعم النظام عديم القطبية، وفقاً لعدة اتجاهات، ومنها:

1-      كثير من التدفقات تتم خارج سيطرة الدول وبالتالي تحد من نفوذ  القوى الكبرى.

2-   بعض التطورات تخدم الدول الإقليمية وتزيد من هامش فاعليتها واستقلالها.

3-                         وجود ثروات هائلة تخضع لقبضة أفراد وقوى فاعلة جديدة.

وعلى نور ما تقدم، يجب التنبيه إلى أننا حالياً في عصر بعيد كل البعد عن التصنيفيات الكلاسيكية المرتبطة بمصطلح القطبية، ناهيك بصعوبة فهم التحولات البنيوية الضخمة على صعيد هيكلية الاقتصاد العالمي وواقع السياسة الدولية فهماً كاملاً. وبالتالي يجب الأخذ بعين الأعتبار، حتى لو كان نظام عدم القطبية حتمياً ولكنه يستوجب الحذر حيث قد يولد مزيداً من العشوائية وعدم الاستقرار. ومنطقياً الإشكالية تكمن هنا في كيفية إيجاد ذلك النوع من التوازنات حول تشكيل عالم عديم القطبية؟

فعندما نتحدث عن التوازنات نستحضر حقيقة أن نسق الانتظام لن ينشأ من تلقاء نفسه، وحتى في حال تم ترك النظام عديم القطبية يعمل وفقاً لعشوائيته، فذلك سيجعله أكثر تعقيداً ويتجه نحو المزيد من الفوضى.

     وبناء عليه، يجب توجيه النظر صوب المخاطر المحتملة، فالنظام العالمي عديم القطبية سيُعقد الديبلوماسية السياسية، وستفقد التحالفات الكثير من أهميتها، لأنها تتطلب وجود رؤية استراتيجية لمواجهة تهديدات والتزامات يمكن التنبؤ بها، وكل هذا من المتوقع ألا يكون متاحاً في عالم عديم القطبية. واستناداً إلى ذلك، من الصعوبة بمكان التنبؤ بسيناريوهات المستقبل السياسية والتي تبدو أنها مهمة علمية شاقة، مما يجبرنا تبني وطرح جملة تساؤلات حول طبيعة القوى القادرة على تولي زمام المبادرة  وتحمل مسؤولية القيادة العالمية في ظل نظام عديم القطبية؟


2023-06-25

إشكاليات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية في السياسة العالمية



د. سلام الربضي

 

إذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية هي الحدث الأهم الذي سيطر على عام 2022، لكن لعل الدور الحاسم للاعتماد على أسلحة الذكاء الاصطناعي في هذه الحرب سيثير العديد من الإشكاليات المستقبلية المتعلقة بواقع العلاقات الدولية ومستقبل البشرية. وغني عن البيان أن الذكاء الاصطناعي وثورة التكنولوجيا الحيوية سيكون لهما آثار سياسية وأخلاقية جذرية خطيرة للغاية في جميع القطاعات الاقتصادية والأمنية والقانونية والثقافية والبيئية، ناهيك عن المخاوف بشأن القدرة على التلاعب بالطبيعة البشرية. وانطلاقاً من ذلك، تثير هذه القضايا الكثير من الإشكاليات الإستراتيجية على مستوى العلاقات الدولية، والتي يمكن التعبير عنها من خلال طرح التساؤلات التالية:

1-       ما هي الاستراتيجيات الأخلاقية التي من المفترض أن تلتزم بها خوارزميات الذكاء الاصطناعي وثورة التكنولوجيا الحيوية؟ ما مدى القلق من احتمال استخدام أسلحة الرياضيات لتحقيق أهداف سياسية قذرة؟

2-       إلى أي مدى يمكن وضع قوانين استباقية قادرة على الحد من هذه الانعكاسات والتصدي لها؟ لماذا هذا التباطؤ العالمي في وضع معايير صارمة للسيطرة على هذه التطورات؟ هل يتطلب هذا الواقع المستقبلي إنشاء دستور أخلاقي عالمي على غرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟

3-       هل هناك رؤية سياسية على مستوى العلاقات الدولية قادرة على مواجهة هذه التحديات الاستراتيجية؟

 

يجب أن نعترف بحقيقة أن تحديات الذكاء الاصطناعي وثورة التكنولوجيا الحيوية، بما لها من آثار سياسية وثقافية وأمنية، نادرًا ما تتم دراستها بشكل استراتيجي. وبناء على ذلك، هناك حاجة ملحة لإعادة النظر في هذا الواقع وفق منهج نقدي قائم على رؤية أخلاقية وثقافية وسياسية وأمنية، والتي يمكن تأطيرها وفقاً للإشكاليات التالية:

1-       إشكالية الأمن السيبراني وحروب الفضاء.

2-       إشكالية التحيز الخوارزمي والأمن المجتمعي.

3-       إشكالية معايير مفهوم العدالة الحسابية والمعضلات الثقافية.

4-       إشكالية الحوسبة العاطفية وأتمتة الطبيعة البشرية.

5-       إشكالية الحلول التقنية (النمذجة) لتغير المناخ.

6-       إشكالية الحروب الجيولوجية وهندسة المناخ المستقبلية (أسلحة المناخ).

7-       إشكالية أخلاقية وسياسية للتكنولوجيا الحيوية (ثورة التكنولوجيا الحيوية).

8-       إشكالية الحوكمة والمساءلة والرقابة المتعلقة بالتكنولوجيا.

9-       إشكالية هالة الموضوعية التي تضفيها ثقافة اليوم على الخوارزميات والعلوم.

وبناء على تلك الإشكاليات ستواجه العلاقات الدولية الكثيرمن الجدليات المتعلقة بكيفية تغيير تلك التقنيات لواقع السياسة والمجتمع وحتى الطبيعة البشرية. وعلية من الواضح أن جميع النقاشات السياسية في المستقبل سوف تتمحور حول العلاقة الإشكالية بين السياسة والعلم. إنها العلاقة التي يمكن التعبير عنها من خلال السؤال التالي:

 

إلى أي مدى يجب أن يتم توجيه المجتمعات والتحكم فيها بواسطة الذكاء الاصطناعي وثورة التكنولوجيا الحيوية؟وبأي شروط؟

 

في هذا السياق، وعلى الرغم من التعقيدات التي ستواجه إشكالية العلاقة بين العلم والسياسة، إلا أن جدلية تأثير العلم على الطبيعة البشرية ستبقى القضية الأكثر إشكالية. وعليه فالسؤال هو:

 

ماذا لو لم يعد التطور البيولوجي الطبيعي للبشر ضرورياً على الإطلاق؟

 

 حتماً، هناك العديد من علامات الاستفهام فيما يتعلق بالمخاوف والشكوك المحيطة بتطورات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات الحيوية، حيث يبدو أنه لم يعد هناك أي ارتباط بيولوجي بين هذه التطورات. لذا فإن إحدى القضايا المستقبلية التي ستنشأ في مجال العلوم الإنسانية هي إشكالية طبيعة علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي وإمكانية تفوقه عليه ، ناهيك عن الجدليات الكثيرة بين علماء الإنسانيات وعلماء الأحياء وعلماء الأعصاب. ومنطقياً سيؤدي هذا الواقع إلى طرح عدة إشكاليات في العلاقات الدولية حول الحتمية التكنولوجية:

1-       هل هناك أنساق انتقاء جديدة لأن الروبوتات والسلوكيات البيولوجية تتحكم في مصير البشرية أكثر من الجينات؟

2-       كيف يمكن تناول هذه الإنساق  نظرياً وعملياً على المستوى السياسي؟

3-       ما هي القيم الثقافية والأخلاقية التي من المفترض أن يلتزم بها الذكاء الاصطناعي وثورة التكنولوجيا الحيوية؟ من سيقرر ذلك؟

بناءً على هذه الإشكاليات المستقبلية ومع تشابك الاعتبارات العلمية مع المصالح التجارية، أصبح من الضروري على المستوى السياسي والأخلاقي أن تتدخل الدول. فعملياً كان هنالك سابقاً الكثير عدد من التقنيات غير الأخلاقية التي تم وضعها تحت المراقبة السياسية على المستوى العالمي. قد تكون محاولة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل أو وضع ضوابط صارمة على تجارب الاستنساخ البشري خير دليل على إمكانية السيطرة. وحتماً هذا يتطلب تبني رؤية حديثة معنية بوضع قوانين ومعاهدات واضحة لا لبس فيها فيما يتعلق بمواجهة هذه الإشكاليات، خاصة على مستوى القانون الجنائي الدولي. على سبيل المثال، يجب تعديل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لملاءمة هذه المخاطر والتحديات كنوع من الأمن العالمي الاستباقي، بحيث يتم توسيع اختصاص المحكمة ليشمل الجرائم المستقبلية التي تهدد مصير الإنسانية وتتعلق بـ القضايا التالية:

 

-          ثورة التكنولوجيا الحيوية.

-          تغير المناخ.

-          الذكاء الاصطناعي والحوسبة العاطفية.

 

يتضح من خلال تتبع سياق تطور العلاقات الدولية والقانون الجنائي الدولي على المستويين النظري والعملي ، أنها لا تواكب هذه الأنماط العالمية الجديدة. فمع وجود مفاهيم سياسية فضفاضة وغامضة تبرز الحاجة إلى تبني مبدأ تحمل المسئولية الجنائية بشكل صريح ورادع في ظل الغموض الاستفزازي المصاحب للتكنولوجيا. لذلك، هناك علامات استفهام وشكوك حقيقية وواقعية حول ما إذا كان التطور البيولوجي الطبيعي للإنسان لم يعد ضرورياً على الإطلاق، وذلك نتيجة لتطورات الذكاء الاصطناعي وثورة التكنولوجيا الحيوية. ومن هنا فإن حقيقة أن إشكالية مسألة التناقض بين مستقبل الذكاء الاصطناعي وثورة التكنولوجيا الحيوية مع الطبيعة البشرية ستفرض نفسها حتماً على الساحة السياسية والأخلاقية. هنا ، يجب طرح الإشكاليات التالية:

 

1-       هل هناك حاجة سياسية ملحة لمعرفة الظروف البيولوجية الطبيعية للوجود البشري؟

2-       هل واقع إشكالية التكنولوجيا يتطلب البحث في طبيعة السياسة أو سياسة الطبيعة؟

باختصار، في السنوات القليلة المقبلة، من المرجح أن يكون لنمط التحولات التكنولوجية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية وإنترنت الأشياء تأثير كبير على توازن القوى في السياسة العالمية، مما سيزيد من اعتماد السياسات لتأميم الابتكارات التكنولوجية كمجالات استراتيجية وجزء لا يتجزأ من الأمن البيولوجي والقومي والسيبراني للدول. لذا فإن هذا النسق يتطلب على مستوى العلاقات الدولية طرح التساؤل التالي:

 

هل يجب أن نعرف ثقافة وأفكار العلماء في الذكاء الاصطناعي والطب الحيوي قبل دراسة القادة السياسيين لفهم الواقع الاستراتيجي للسياسة العالمية والعلاقات الدولية ومستقبل البشرية؟


2023-04-15

The European Future and the Problematic of Immigration and Demography


BOOK OF ABSTRACTS: Dependences, Asymmetries and Territories. Organization: Portuguese Association for Political Economy. Centre for Transdisciplinary Development Studies, University of Trás-os-Montes and Alto Douro(UTAD).2003, Portugal. ISBN: 978-989-704-522-6.


 






2022-08-29

العلاقات الدولية وإشكاليات الذكاء الاصطناعي والثورة البيوتقنية

 


د. سلام الربضي \ مؤلف وباحث في العلاقات الدولية

من البديهي القول أن الذكاء الاصطناعي والثورة البيوتقنية سيكون لهما تأثيرات سياسية وأخلاقية جذرية خطيرة للغاية في كافة القطاعات الاقتصادية والأمنية والقانونية والثقافية والبيئية. ولكن من الملفت للانتباه حالياً، أن الاهتمام الأكاديمي بتلك القضايا خاصة على صعيد تبني المقاربات الفلسفية والنظرية لا يزال خجولاً، ناهيك عن االتجاهل والغياب التام للأرادة السياسية (المحلية أو العالمية) القادرة على التعامل مع تلك التطورات المصيرية. ففي الممارسة العملية، بدأت الخوارزميات فعلياً تأخذ مكانة البشر بل وتتلاعب بها، وهذا يثير العديد من الإشكاليات الاستراتيجية حول تداعياتها السياسية، بالإضافة إلى كثير من علامات الاستفهام الأخلاقية المرتبطة بمستقبل وطبيعة الإنسانية بحد ذاتها. وهذه الإشكاليات وعلامات الاستفهام  يمكن التعبير عنها من خلال طرح التساؤلات التالية:

 1- ما هي الاستراتيجيات الأخلاقية والسياسية التي من المفترض أن يلتزم بها الذكاء الاصطناعي والثورة البيوتقنية؟ ما هو مدى القلق حيال إمكانية استخدام ما يسمى " أسلحة الرياضيات" لتحقيق أهداف سياسية قذرة؟

2- إلى أي مدى يمكن وضع قوانين استباقية قادرة على الحد من تلك التداعيات ومواجهتها؟ ولماذا هذا التباطئ في وضع معايير ضبط صارمة؟ وهل يجب وضع دستور أخلاقي عالمي على غرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟

3-  هل هنالك رؤية أخلاقية وسياسية وفلسفية على صعيد العلاقات الدولية قادرة على مقاربة تلك التحديات الاستراتيجية؟

 يجب علينا الاعتراف بحقيقة أنه نادراً ما تتم دراسة تحديات الذكاء الاصطناعي والثورة البيوتقنية بمؤشراتها السياسية والثقافية والأمنية بشكل استراتيجي، وللأسف الجهود المبذولة في هذا السياق مؤسفة، حيث هنالك الكثير من المقاربات السطحية في كيفية التعامل مع التكنولوجيا وعلاقتها الجوهرية بالفكر السياسي. إذ لا يمكننا استيعاب هذا النهج الذي يتصدى لهذه التحديات وكأنها قضية تقنية ليست مرتبطة بالمعايير الأخلاقية والسياسية. وبالتالي، فإن الرؤية النمطية والتكنوقراطية للقضايا التقنية غير كافية لمعالجة تلك التحديات. وعليه، هنالك حاجة ماسة لإعادة النظر بهذا الواقع وفقاً لنهج نقدي قائم على رؤية أخلاقية وثقافية وسياسية وأمنية، يمكن تأطيرها بناء على الإشكاليات التالية:

1-  إشكاليات الأمن السيبراني وحروب الفضاء.

2-  إشكاليات التحيز الخوارزمي والأمن المجتمعي.

3-  إشكاليات معايير مفهوم العدالة الخوارزمية والمعضلات الثقافية.

4-  إشكاليات الحوسبة العاطفية وأتممة الطبيعة البشرية.

5-  إشكاليات الحلول التقنية (النمذجة) للتغير المناخي.

6-  إشكاليات الحروب الجيولوجية وهندسة المناخ المستقبلية(أسلحة المناخ).

7-  الإشكاليات الأخلاقية والسياسية للتكنولوجيا الحيوية(الثورة البيوتقنية).

8-  إشكاليات امكانية الحوكمة والمساءلة والضبط المرتبطة بالكنولوجيا.

9- إشكاليات هالة الموضوعية التي باتت تضفيها ثقافة اليوم على الخوارزميات والعلم.

على سبيل المثال، إذ كان الاعتقاد السائد بأن الثقة بالنماذج الرياضية Mathematically Models ستزيل التحيز البشري، لكن من الناحية العملية تحل الخوارزميات محل البشر وتمارس تحيزاتها الخاصة وهي غير شفافة فيما يتعلق بكيفية عملها وهو ما بات يسمى بالتحيز الخوارزمي Algorithmic Bias إلى درجة زيادة التركيز بشكل ملفت للانتباه على مبدأ تطبيق ونشر مفهوم العدالة الخوارزمية Algorithmic Justice كقضية أساسية في وقتنا الحالي، إلى حد وصل الأمر بالمطالبة بتدمير ما يسمى أسلحة الرياضيات.

وبالتالي يبدو إن التقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة العاطفية والبيولوجيا الحيوية، ستغير بشكل جوهري الطريقة التي يتم التفكير بها في السياسة. إذ ستواجه العلاقات الدولية أهم الجدليات المتعلقة بكيفية تغيير التقنيات واقع السياسة بل والطبيعة الإنسانية. فالجدل السياسي المعاصر فيما يتعلق بإشكاليات الحكم والسيطرة يدور حول العلاقة بين الدولة والسوق، ولكن في المستقبل ستكون مجمل الجدليات منصبه حول إشكاليات العلاقة بين السياسة والعلم والتي يمكن التعبير عنها من خلال التساؤل التالي:

إلى أي مدى يجب توجيه المجتمعات والتحكم فيها بواسطة الذكاء الاصطناعي والثورة البيوتقنية؟ وبأي شروط؟

في هذا السياق، إذا كان جواب كل سؤال علمي حتماً سيؤدي إلى أسئلة جديدة، بحيث يبقى في العادة شيء يحتاج إلى تفسير خارج القواعد المألوفة. فعلى الرغم من التعقيدات التي سوف تواجه إشكاليات العلاقة بين العلم والسياسية، ولكن ستبقى جدلية تأثير العلم على الطبيعة البشرية أكثر القضايا أشكلة. وبناء على ذلك يحق التساؤل:

ماذا لو أن التطور الإنساني البيولوجي الطبيعي لم يعد ضرورياً بالمطلق؟

لاَ مَحَالَةَ هنالك الكثير من المخاوف والشكوك المحيطة بالتطورات على مستوى الذكاء الاصطناعي والتقانات البيولوجية. فمثلاً، سينجم عن تطور الروبوتات والتقانات النانوية المستقبلية منظومات أدق وأعقد من تلك الموجودة في الطبيعة والتي ستغير الطبيعة البشرية، والتي لم يعد فيها شيء بيولوجي، ومنها على سبيل المثال:

1-  روبوتات النانو للتشخيصات الطبية.

2-  روبوتات القياسات الحيوية للعواطف والسلوكيات.

3-  روبوتات تعقب حركات الأفراد وسلوكهم.

4-  روبوتاتت الاستشعار الحيوي والحوسبة المتطفلة.

5- روبوتات الجسيمات التي تحتوي على مركّبات كيميائية وبيولوجية مميتة.

6- روبوتات تعديل جينات الحمض النووي في الإنسان والكائنات الحية الأخرى...الخ.

 وبناء على ذلك، من القضايا المستقبلية التي سوف تبرز على صعيد العلوم الإنسانية هي إشكالية طبيعة علاقة الإنسان مع الذكاء الاصطناعي وإمكانية تفوقه عليه. فمثلاً، كثير من الجدليات بين علماء العلوم الإنسانية وعلماء البيولوجيا والأعصاب ستتمحور حول فيما إذا كان هناك أسلوب مشابه لتحقيق التطور الثقافي بنوع من الوراثة كما هو حال التطور البيولوجي. وحتماً هذا الواقع سيؤدي إلى طرح عدة تساؤلات حول الحتمية التكنولوجية، ومنها:

1- هل يجب السماح للتكنولوجيات بالتطور بغض النظر عن العواقب المحتملة على المجتمعات والطبيعة الإنسانية؟

2- ما هي القيم الثقافية  والأخلاقية المفترض على الذكاء الاصطناعي والثورة البيوتقنية الالتزام بها؟ من سيقرر ذلك؟

 فعلى الصعيد الثقافي، من الواضح أن التطور التكنولوجي قد أتاح للبشر التخلص من الضغوط الطبيعية، وذلك نتيجة نقله السلوكيات (أو الاستغناء عنها) من خلال الذكاء الاصطناعي والثورة البيوتقنية وعلم الأعصاب، حيث زاد في فرص الإفلات تماماً من الانتقاء الطبيعي أو البيولوجي، وفي ذلك إثبات لحالة تكشف عن النسق الجديد للتطور البشري، الذي لم يعد بيولوجياً. وانطلاقاً من ذلك يمكن التساؤل:

1-  هل هنالك أنساق انتقاء جديدة بما أن الروبوتات والسلوكيات الحيوية باتت تتحكم بمصير البشرية أكثر من الجينات؟

2- كيف يمكن مقاربة هذه الأنساق نظريأ وعملياً على المستوى الأخلاقي والسياسي؟

انطلاقاً من هذه التساؤلات، يجب إيجاد رؤية سياسية قادرة على المواجهة، فالمستقبل سيكون تحت سيطرة بعض التكنولوجيات وأولئك الذين يتحكمون بها، وسوف تحل خوارزمياتهم المسائل المصيرية المتعلقة بالاقتصاد والسياسة والأمن والطب والثقافة. وبالتالي، مع تشابك الاعتبارات العلمية مع المصالح التجارية أصبح من اللزوم على المستوى السياسي والأخلاقي تدخل الدول. إذ لا يمكن للمؤسسات العلمية والتكنوقراطية البت بها وحدها، بل يجب أن تمتلك المؤسسات السياسية سلطة تقييم وتقنين مشروعية وحدود الاكتشافات البيوتقنية واختراعات الذكاء الاصطناعي.

 وفي هذا السياق، يجب إعادة النظر بالاعتقاد المتشائم حول عدم القدرة على ضبط التطور العلمي، وأنه ليس بإمكان أية دولة فعل ذلك، لانه يمكن تطوير الاختراعات والاكتشافات بعيداً عن مراقبة الدول أو في دول لا يوجد بها موانع تشريعية وثقافية. حيث هنالك عدد من التكنولوجيات الخطيرة التي تم وضعها تحت الرقابة السياسية العالمية، وقد تكون تجربة محاولة منع انتشار أسلحة الدمار شامل أو وضع الضوابط الصارمة على القيام بتجارب الاستنساخ البشري، أفضل دليل على ذلك.

وعلى الرغم من هذا التفاؤل، لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار، إن التكهنات الفكرية والفلسفية والسياسية حول كل ما يتعلق بإشكاليات الثورة البيوتقنية وتطور الذكاء الاصطناعي، قد تكون كافياً للتشكيك في نسق تطور العلم. وهذا يتطلب تبني رؤية حديثة تهتم بوضع قوانين ومعاهدات واضحة لا لبس فيها بما يتعلق بمواجهة تلك الإشكاليات، خاصة على مستوى القانون الجنائي الدولي. فعلى سبيل المثال يجب تعديل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما يتلائم مع مواجهة تلك المخاطر والتحديات كنوع من الأمن العالمي الاستباقي، بحيث يتم توسيع نطاق اختصاص المحكمة لتشمل الجرائم المستقبلية التي تهدد مصير البشرية والمتعلقة بالقضايا التالية:

1-   الثورة البيوتقنية.

2-   التغير المناخي.

3-  الذكاء الاصطناعي والحوسبة العاطفية.

إذ يتضح من خلال تتبع سياق تطور العلاقات الدولية والقانون الجنائي الدولي على المستوى النظري والعملي، عدم مواكبتهما لتلك الأنساق العالمية الجديدة بشكل مناسب. فالمرحلة التي كانت الدول فيها تحاول معالجة تلك الأنساق عبر إنشاء مدونات سلوك لم تعد ملائمة وكافية. كما أن الجوهر الأخلاقي والفلسفي لتلك الإشكاليات أعقد من الحلول التقليدية، خاصة على صعيد إمكانية التلاعب بجوهر الطبيعة البشرية. فمع وجود مفاهيم سياسية فضفاضة ومبهمة، تبرز الحاجة إلى اعتماد مبدأ تحمل المسؤولية الجزائية بشكل صريح ورادع، وذلك من خلال تبني نسق سياسي وقانوني عالمي يعمل على تسخير قوة التكنولوجيا لتحسين حياة البشرية بدلاً من تغير طبيعتها البيولوجية أو الاستغناء عنها. إذ هنالك حاجة ماسة لوجود رؤية قانونية تؤكد أهمية الحفاظ على الطبيعة البيولوجية للإنسان في ظل حالة عدم اليقين الاستفزازية المرتبطة بالتكنولوجيا والسياسة.

 خلاصة القول، منطقياً من الصعب للغاية بل من المستحيل دحض نظرية لمجرد أنها غير مناسبة للاختبار، وإذا كان ذلك قد يكون صحيحاً على مستوى النظريات المرتبطة بالعلوم والقوانين الفيزيائية، ولكنه حتماً ما يكون غير مقبول إلى حد كبير في مجال العلوم الإنسانية. وبناء على ذلك، هنالك شكوك حقيقية وواقعية حول فيما لو لم يعد التطور البيولوجي الطبيعي للإنسان ضرورياً على الإطلاق، نتيجة تطورات الذكاء الاصطناعي والثورة البيوتقنية، حيث يبدو أنهُ لم ولن يبقَ شيء بيولوجي صرف.

وبالتالي من الضروري وجود وعي عميق على صعيد كيفية تبني مقاربات ثقافية وسياسية، إذ أن الأحكام في مجال السلوك السياسي وما يرتبط بها من معايير ثقافية وفكرية غالباً ما تكون غامضة ونسبية، بدلاً من أن تكون معايير واضحة ودقيقة. وبغض النظر عن إشكالية النزعة الراديكالية الثقافية المرتبطة بجدلية ثنائية العلم والسياسية، والتي ترى أن العلاقة بالعلم غير مهمة على مستوى كيفية مقاربة الطبيعة البشرية، يجب الاعتراف بحقيقة أن نسق إشكالية مسألة التضاد بين مستقبليات الذكاء الاصطناعي والثورة البيوتقنية مع الطبيعة البشرية سوف تفرض نفسها على الساحة السياسية والأخلاقية لا محالة. وهذا النسق الفكري والفلسفي يستوجب على مستوى العلاقات الدولية طرح التساؤلات التالية:

1- هل هنالك حاجة سياسية ماسة إلى معرفة ما هي الشروط الطبيعية للوجود الإنساني؟

2-  هل باتت الإنسانية بحاجة إلى البحث في طبيعة السياسة أم سياسة الطبيعة؟

3- هل بات يجب علينا معرفة ثقافة وأفكار علماء الذكاء الاصطناعي والطب الحيوي قبل دراسة القيادات السياسية، لفهم الواقع الاستراتيجي للسياسة العالمية ومستقبل الإنسانية؟


For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com