2011-04-30

مداخيل العمال وسلامة المجتمع






سلام الربضي \ بيروت


لقد أدى تحرير التجارة الخارجية وإلغاء القيود على حركة أسواق المال، إلى فقدان العمل أهميته في كثير من الدول. وهذه العمليات من تسريح عمال، أو نقل وشراء، ودمج شركات، ما كانت لتحدث دون التعديلات التي أدخلت على قوانين العمل والتجارة، التي ساعدت الشركات على تحقيق أهدافها القائمة على الربحية العالية. وهذه الاستراتيجية المعتمدة، أي استراتيجية الربح المرتفع، تشكل سبباً جوهرياً في تردي الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية لقطاع العمل. 

إذ يجب الإقرار بحقيقة أن التجارة الحرة تنمو بمنأى عن سوق العمل، بل إنها تترك آثاراً سلبية على سوق العمل.


وفي سياق العلاقة بين البطالة والنمو، تبرز إشكالية معدلات النمو المرتفعة: فهل هي التي تحل مشكلة البطالة؟ أم أن فرص العمل المتزايدة، هي التي تخلق النمو؟؟ ولا بد من الإشاره أيضاً، إلى الإشكالية الأساسية في عالمنا المعاصر في إطار التنمية: إشكالية الفجوة بين الأغنياء والفقراء؟؟ أي إشكالية النمو الاقتصادي، فهل نحن في عصر الاقتصاد ومن أجل الاقتصاد وليس من أجل المجتمع؟؟

النمو الأقتصادي بمفردة، لا يمكن يؤخذ كشاهد ذي بال على مقدار العائد، الذي تتوقف عليه رفاهية المجتمع. إذ من البديهي أن تؤدي الهوّة بين دخول أصحاب المشاريع ومُلاّك الثروة من ناحية، ودخول العمال من ناحية أخرى، إلى تزايد الشكوك حول سلامة المجتمع ووحدته. ومن هذا المنطق، يمكن القول إن الاقتصاد لم يعد يعمل لمصلحة الجمهور العام، فالوقائع القائمة على مصلحة الجمهور، هي المعيار الأساسي لتقييم السياسة الاقتصادية الناجحة. فالرهان على خفض الأجور، لن يؤدي إلى أكثر من، تحجّر الوضع الاجتماعي المؤلم.

ومن الملفت للأنتباه، أنه مهما بذل من جهود لكي تكون معدلات الأجور المحلية قادرة على منافسة معدلات الأجور السائدة في الأسواق العالمية، فإن مصير تلك الجهود ليس النجاح المطلق. فعلى الرغم، من تدني مستوى الأجور في رومانيا على سبيل المثال، والذي جذب كثير من الشركات العالمية، ومنها مثلا شركة كونتينتال لإنتاج إطارات السيارات، والتي تدفع أجراً سنوي للعامل لايزيد على 4500 يورو. ومع هذا، فإن الشركة باتت تفكر في نقل الإنتاج إلى مناطق أقل أجراً، وتحديداً إلى دول لتوانيا،لاتفيا،استونيا، حيث معدلات الأجور أكثر تدني. وهذا ما تعانية الشركات في الهند، وخاصة على صعيد البرمجيات، حيث باتت روسيا الأن تعتبر ملاذا أفضل، على صعيد تكلفة الأيادي العاملة، وهكذا دواليك.

هذا التنافس على تخفيض في الأجور ينعكس على أسعار السلع، الذي يستفيد منه بشكل مباشر، المستهلك صاحب الدخل المرتفع، الذي لم يخسر شيئاً يذكر من دخله، في مقابل تخفيض تكلفة الإنتاج. في حين، أن الطبقات المتوسطة والفقيرة، سوف تخسر جزءاً من دخلها. وهي التي تكون أكثر تضرراً. فالأفراد والعمال الذين يتواجدون في أدنى السلّم الاجتماعي، هم مَن يتحمل أعباء هذا الواقع. وبهذا المعنى، فإن الطبقات الدنيا، وعلى الرغم من أن السلع الاستهلاكية قد انخفض سعرها، إلا أن معدلات الأجور لديهم، سوف تنخفض باستمرار، مما ينعكس على صافي الدخل الحقيقي سلباً.

هذا الواقع يطرح إشكالية مَن يتحمل الأعباء: رأس المال أم العمل؟ فإذا كانت العبارة الأكثر تعبيراً عن اتّساع الهوّة بين الأغنياء والفقراء هي القائلة: الأغنياء يزدادون غنى بينما الفقراء يزدادون فقراً، ولكن الآن في ظل الوقائع الحالية القائمة على تخفيض التقديمات الاجتماعية وإعطاء المزايا والإعفاءات الضريبية للشركات عبر الوطنية والأغنياء، فلم تعد هذه العبارة تكفي لتوضيح الصورة حيث من الواضح ظهور صيغة جديدة تقوم على: الأغنياء يصبحون أغنى والفقراء أفقر بمعدل أسرع. 

إذ تفاجئنا السرعة الفائقة في توفير هذه المبالغ الخيالية لحل الأزمة المالية العالمية منذ العام 2008، مقابل العسر الذي يعرف عادة في تمويل برامج متواضعة لفائدة الإنسانية. على سبيل المثال، يكفي مبلغ المليار دولار سنوياً، للقضاء على الجوع وسوء التغذية في العالم كله، وقد أقرت الأمم المتحدة، في نهاية الستينات من القرن الماضي برنامجاً لتحقيق هذا الهدف. لكنه، بقي حبراً على ورق لعدم توفر التمويلات الضرورية؟

2011-04-27

عدد جديد من "المجلة العربية للعلوم السياسية"





تصدر عن الجمعية العربية للعلوم السياسية بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية


صحيفة القدس العربي \ لندن

24 \ 4\2011

صدر في بيروت: العدد 30 ربيع 2011 من "المجلة العربية للعلوم السياسية".

ويتضمن افتتاحية العدد للدكتور عدنان السيد حسين: مرحلة التغيير الثوري، ملف بعنوان: الأحزاب والممارسة الديمقراطية، يتضمن ثلاثة بحوث: الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب الجزائرية بين إرث الماضي وتحدّيات المستقبل: عبد الناصر جابي، أزمة الحراك الداخلي في الأحزاب الجزائرية: قراءة نقدية: بوحنية قوي، تأثير قوانين الأحزاب في فاعلية الأحزاب وديمقراطيتها: حالة المغرب: محمد منار.

أما الدراسات فهي وفقا لصحيفة "القدس العربي" اللندنية: المقاربة الإسلامية في تحديد مفهوم الفساد: عنترة بن مرزوق.

التآكل في العلاقات التركية ـ الإسرائيلية واستبعاد التغيّر الاستراتيجي: سلام الربضي.

بريطانيا والوحدة العربية، 1945 ـ 2005: علي محافظة، ظاهرة الجمع بين الانتدابات الانتخابية وتجلياتها في الممارسة البرلمانية المغربية: لزعر عبد المنعم، كيف يمكن بناء تونس ديمقراطية: العدالة الانتقالية للماضي وبناء المؤسسات للمستقبل: رضوان زيادة.

وجاء في باب آراء: منهج الأمير شكيب أرسلان في بناء الوحدة العربية: فايد بشير، وفي باب كتب، مراجعة لكتاب النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان (محمد أمين الميداني): أعد المراجعة جاسم زور، بالإضافة الى يوميات عربية ودولية مختارة، وببليوغرافيا مختارة.

2011-04-22

مشروع القرن الإستراتيجي





http://aljazeeratalk.net/forum/showthread.php?p=3842223


قال سلام الربضي :


العديد من المعطيات تؤكد استمرار العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل وتركيا. منها الإعلان عن مشروع تركي- إسرائيلي مشترك لمد أنابيب نفط وغاز إلى الهند، من بحر قزوين مروراً بمرفأي جيهان التركي وإيلات الإسرائيلي.

كذلك هنالك خطط وضعت موضع التنفيذ أهمها مشروع القرن الإستراتيجي، الذي تشكّل تركيا محوره الأساسي Med Stream Project الذي تفوق كلفتة 12 مليار دولار، والذي يربط البحور الأربعة قزوين والأسود والمتوسط والأحمر، ويساعد على ربط منطقة آسيا الوسطى بالشرق الأوسط، ضمن رؤية تركيّة لدور محوري في مشروع طاقة أكبر، يمتد من الصين شرقاً إلى أوروبا غرباً، ومن تركيا شمالاً إلى الهند جنوباً، التي انضمت إلى المشروع في نهاية 2008.

ويتضمن من ضمن ما يتضمن أنابيب لنقل النفط والغاز والماء والكهرباء والألياف الضوئية من تركيا إلى إسرائيل .






2011-04-17

اصدارات






صحيفة المستقبل اللبنانية \ بيروت
السبت 16 نيسان 2011 
- العدد 3971 - صفحة 20

صدر العدد 30 ربيع 2011 من المجلة العربية للعلوم السياسية، وفيه ملف بعنوان: "الأحزاب والممارسة الديمقراطية، يتضمن ثلاثة بحوث: "الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب الجزائرية بين إرث الماضي وتحديات المستقبل" لعبد الناصر جابي. و"أزمة الحراك الداخلي في الأحزاب الجزائرية: قراءة نقدية": لبو حنية قوي. و"تأثير قوانين الأحزاب في فاعلية الأحزاب وديمقراطيتها: حالة المغرب": لمحمد منار.
أما الدراسات فهي:
"المقاربة الاسلامية في تحديد مفهوم الفساد":عنترة بن مرزوق، 


"التأكل في العلاقات التركية الإسرائيلية واستبعاد التغير الاستراتيجي سلام الربضي

بريطانيا والوحدة العربية، 1945 2005، علي محافظة. "ظاهرة الجمع بين الانتدابات الانتخابية وتجلياتها في الممارسة البرلمانية المغربية": لزعر عبد المنعم. و"كيف يمكن بناء تونس ديمقراطية: العدالة الانتقالية للماضي وبناء المؤسسات للمستقبل"لرضوان زيادة.
وجاء في باب آراء: "منهج الأمير شكيب أرسلان في بناء الوحدة العربية" لفايد بشير. وفي باب كتب، مراجعة لكتاب النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان (محمد أمين الميداني): أعدّ المراجعة جاسم زور. إضافة إلى يوميات عربية ودولية مختارة، وببليوغرافيا مختارة.

المجلة العربية للعلوم السياسية (العدد 30)




صحيفة اللواء اللبنانية \ بيروت 

غلاف العدد
16 نيسان 2011 الموافق 12 جمادى الأولى 1432 هـ

صدر العدد 30 \2011 من المجلة العربية للعلوم السياسية، وفيه:

 

-افتتاحية العدد للدكتور عدنان السيد حسين: مرحلة التغيير الثوري·
 
ملف بعنوان: الأحزاب والممارسة الديمقراطية، يتضمن ثلاثة بحوث:
- الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب الجزائرية بين إرث الماضي وتحديات المستقبل: عبد الناصر جابي·
- أزمة الحراك الداخلي في الأحزاب الجزائرية: قراءة نقدية: بوحنية قوي·
- تأثير قوانين الأحزاب في فاعلية الأحزاب وديمقراطيتها: حالة المغرب:محمد منار·

 

أما الدراسات فهي:

- المقاربة الإسلامية في تحديد مفهوم الفساد: عنترة بن مرزوق·

- التآكل في العلاقات التركية - الإسرائيلية واستبعاد التغيّر الاستراتيجي:سلام الربضي·
- بريطانيا والوحدة العربية، 1945-2005: علي محافظة·
- ظاهرة الجمع بين الانتدابات الانتخابية وتجلياتها في الممارسة البرلمانية المغربية: لزعر عبد المنعم·
- كيف يمكن بناء تونس ديمقراطية: العدالة الانتقالية للماضي وبناء المؤسسات للمستقبل: رضوان زيادة·
وجاء في باب آراء:
- منهج الأمير شكيب أرسلان في بناء الوحدة العربية: فايد بشير·
وفي باب كتب، مراجعة لكتاب النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان (محمد أمين الميداني): أعد المراجعة جاسم زور·
بالإضافة إلى يوميّات عربية ودولية مختارة، وببليوغرافيا مختارة·



2011-04-13

الدول النامية وأبعاد الاستثمارات الأجنبية المباشرة





سلام الربضي


باحث ومؤلف في العلاقات الدولية 


صحيفة السبيل الأردنية 

الإثنين, 28 آذار 2011

في ضوء الكشف عن الثروات الطائلة لبعض زعماء وقيادات الدول النامية والإشكاليات المطروحة في نطاق دراسة العلاقة بين الدول النامية والاستثمارالت الأجنبية المباشرة من الخطأ أن يصبح جذب تلك الاستثمارات الأجنبية المباشرة هدف بحد ذاته، بل من الحكمة أن تسخّر الدول النامية إمكانياتها للاستفادة من تلك الاستثمارات في إطار سياسات التنمية الشامل. ولكن لا يمكن تحديد السياسات العامة الأكثر فعالية لتحقيق تلك الاستفادة بشكل مطلق، بل من الضروري استخلاص العبر من تجارب بعض الدول في هذا الصدد مع الأخذ بعين الاعتبار توخي الحذر عند التطبيق، من منطلق أن لكل بلد إطاراً اقتصادياً وتاريخياً وجغرافياً وثقافياً وسياسياً يختلف عن الآخر. 

في سياق هذه الإشكاليات يمكن مقاربة الموضوع من خلال ثلاثة محاور:
 

أولاً: الدول النامية والقدرات التنافسية التصديرية
 

يترتب على زيادة القدرة التنافسية التصديرية الناتجة عن الاستثمار الأجنبي المباشر آثار هامة، والبلدان التي حققت أكبر المكاسب من حيث الحصص السوقية هي بصورة رئيسية بلدان نامية. وأصبحت تلك البلدان تنتمي بفضل ما اكتسبته مؤخراً من حصص سوقية إلى البلدان الـ20 الأكثر تصديراً في العالم. كذلك توجد 5 شركات مقارها في اقتصاديات نامية تحتل مكانة في قائمة أكبر 100 شركة في العالم. أي إن هنالك تغيّرات هائلة قد أخذت تحدث في تكوين التجارة العالمية. ويمكن اعتبار ذلك من المؤشرات التي تبعث على الأمل، وهناك إمكانية للتقدم في حال تم استغلال الظروف والإمكانيات استغلالاً جيداً.
 
احتدام المنافسة يجبر الشركات عبر الوطنية على البحث عن سبل جديدة لزيادة كفاءتها وإمكانياتها، بما في ذلك عن طريق توسيع نطاق وصولها إلى المستوى العالمي، والوصول إلى أسواق جديدة في مرحلة مبكرة وتحويل بعض الأنشطة الإنتاجية من أجل تخفيض التكاليف. وهذا يؤدي إلى اتخاذ أشكال جديدة للإنتاج على مستوى ترتيبات الملكية وترتيبات تعاقدية جديدة. كما أن سياسة الدول الرائجة في عصرنا الحالي من فتح الأسواق المالية والسماح بجميع أنواع الاستثمارات الأجنبية، تساعد الشركات على زيادة استثماراتها في الخارج. بحيث أتاحت استراتيجية الشركات وتغيير النظم الإنتاجية العالمية إمكانات جديدة للبلدان النامية للانخراط في نظم الإنتاج العالمية.
 
ويلاحظ أن الكثير من البلدان التي حققت تقدماً في الأسواق التصديرية كانت معتمدة اعتماداً كبيرا ًعلى الاستثمار المباشر. وهناك بعض الميّزات النسبية التي تتمتع بها تلك البلدان تلعب دوراً في استقطاب الاستثمار الأجنبي، فمثلاً تتميّز الصين بحجم اقتصادها، أما كوستاريكا وإيرلندا فتتميّزان باتباع سياسات وطنية قائمة على نهج استباقي لاجتذاب الاستثمار الأجنبي في مجال التكنولوجيا الرفيعة المستوى والارتباط بشبكات الموردين الدولية. أما هنغاريا والمكسيك وإيرلندا تتميّز بإمكانية وصولها إلى أسواق رئيسية وبشروط تفضيلية، فمثلاً ميزة المكسيك هي إمكانية التصدير إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفقاً لاتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، ما يجعل المجال كبيراً أمام الدول التي تفرض عليها الولايات المتحدة شروطاً في تجاراتها مثل أن تدخل إلى السوق الأمريكية عن طريق المكسيك وهذا ما تفعله اليابان. وذلك أيضاً ما يحدث في هنغاريا وإيرلندا اللتين كانت تتميزان بحصولهما على شروط تفضيلية في الأسواق الأوروبية، ما جعلهما محط أنظار الكثير من الشركات.
 
عملية اجتذاب أنشطة الشركات الموجهة للتصدير عملية تنافسية إلى حد كبير. والدول المتقدمة قد تجد صعوبة في إدامة قدراتها التنافسية عندما ترتفع الأجور وتتغير الأوضاع في الأسواق. وهذا ينطبق أيضاً على الدول النامية، فالهند التي استطاعت من خلال مجموعة من المميزات ومنها الأجور المنخفضة أن تكون مصدر جذب من الطراز الأول للشركات عبر الوطنية. ولكن فيما بعد ونتيجة ارتفاع الأجور فيها جعلها تتراجع لتصبح روسيا –محط الانظار– صاحبة الأجور المنخفضة أكثر من الهند.
 
فالفوائد المستمدة من التجارة المرتبطة بالشركات بدءاً بتحسين الميزان التجاري وتحسين العمليات التصديرية وإدامتها، تساعد على زيادة الصادرات. ولكن في المقابل فإن الشركات الأجنبية تستورد وقد تكون حصائل النقد الصافي بين التصدير والاستيراد صغيرة في بعض الحالات. وقد تكون قيمة الصادرات مرتفعة، ولكن مع تدني مستويات القيمة المضافة تصبح العملية مستقبلياً تحمل في طياتها مخاطر ذات نتائج سلبية.
 
إذ لا يمكن اعتبار المكاسب الإنمائية الناتجة عن ازدياد الصادرات نتيجة الاستثمار الأجنبي أمراً مسلّماً به، كما أن مسألة الفوائد المستمدة من التجارة المرتبطة بالشركات وتمتع تلك الاستثمارات بالديمومة والاستقرار مقولة قابلة للنقاش. ومن الخطأ أن يصبح جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة هدفا بحد ذاته، بل من الحكمة أن تسخّر الدول النامية إمكانياتها للاستفادة من تلك الاستثمارات في إطار سياسات التنمية الشاملة، وفي كثير من الأحيان تتحمل الدول النامية مسؤولية فشل الاستثمارات في تحقيق نهضة اقتصادية نتيجة غياب التخطيط والسياسات العامة.
 
فالمسألة ليست في اجتذاب الاستثمارات بقدر ما هي كيف يمكن للبلدان النامية المضيفة أن تستفيد إلى أقصى حد ممكن من الأصول التي تتحكم بها الشركات؟
 
والأمر يعتمد على الاستراتيجيات التي تتبعها الشركات من جهة، وعلى ما يقابلها من قدرات السياسات العامة في البلد المضيف. إذ إن عدداً من المنافع المستمدة على المدى الطويل والتي يمكن عزوها إلى الشركات الأجنبية العاملة في التصدير قد لا تتحقق في البلد المضيف، بحيث من الممكن عدم قيام انخراط بين الشركات الأجنبية والاقتصاد المحلي، وبالتالي عدم قيام الشركات بتنمية المزايا النسبية الدينامية للبلدان المضيفة.
 
فهناك أولويات مشتركة بين البلدان سواء كانت غنية أم فقيرة أهمها تحسين الصادرات وإدامتها لكي تسهم في التنمية إسهاماً كبيراً. ويجب على البلدان النامية النظر في كيفية التحول في أي صناعة من الصناعات إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، وهنا يكمن التحدي في كيفية الاستفادة من إمكانيات الشركات لتحقيق التنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق يجب أن تكون عملية اجتذاب أنشطة الشركات الموجهة نحو التصدير، تندرج على نحو راسخ في استراتيجية إنمائية وطنية واسعة النطاق، ولا بد من توافر السياسات المتناسقة التي تأخذ بعين الاعتبار أن لتلك الاستثمارات فوائد، إلا أنها تنطوي على تحديات وينبغي النظر إليها باعتبارها وسيلة لتحقيق غاية معينة وهي التنمية.
 

ثانياً: الدول النامية وجغرافية الاستثمار الأجنبي المباشر
 

قد يكون ظهور مصادر جديدة للاستثمار الأجنبي من الدول النامية ذا أهمية خاصة بالنسبة للبلدان النامية المضيفة لتلك الاستثمارات ذات الدخل المنخفض. وشركات اقتصادات الدول النامية هي الآن مستثمرة هامة في العديد من أقل البلدان نمواً. ومن تلك البلدان التي تعتمد أشد الاعتماد على الاستثمار الأجنبي المباشر من الاقتصادات النامية: بارغواي، الصين، تايلند، قيرغيزستان، وأيضاً البلدان الأقل نمواً في العالم وهي أثيوبيا وبنغلادش، تنزانيا، ميانمار. ومجمل الاستثمارات الأجنبية بين الدول النامية تتسم بطابع الاستثمارات داخل المنطقة. فمجموع الاستثمار الأجنبي الوارد إلى عدد من أقل البلدان نمواً من قبل الدول النامية يشكل ما يزيد على 40 في المئة من مجموع الاستثمار الوارد لتلك الدول. وحتى عام 1990 لم تكن سوى 19 شركة عبر وطنية من الاقتصادات النامية والانتقالية مدرجة في تصنيف مجلة "FORTANE 500" وما لبث أن ارتفع العدد بحلول 2010 إلى47 شركة.

والشركات الخمس عبر الوطنية من الدول النامية المدرجة على القائمة 100 شركة الرائدة في العالم مقراتها في آسيا وثلاث منها تملكها الدول وهذه الشركات هي :

1- هونغ كونغ Hutchison WhampoaSingtel 2- ماليزيا Petronas
3- سنغافورة

4- كوريا Samsung
5- الصين Citicgroup.
 
يمكن ملاحظة درجة عالية نسبياً من ملكية الدولة في كبرى الشركات عبر الوطنية من الاقتصادات النامية. وكثير من الشركات الرئيسية التي تملكها الدول قد أخذت تتوسع في الخارج على نحو متزايد خاصة في بعض الصناعات ولا سيما المتعلقة بالموارد الطبيعية، كقيام شركة آرامكو السعودية بشراء حصة بنسبة 25 في المئة من مصنع تكرير النفط في فوجيان الصين، وشراء شركة اتصالات الكويت المتنقلة لشركة سيلتيل انترناشيونل الهولندية أو قيام شركة موانئ دبي العالمية بشراء شركة بي أند أو P&O البريطانية. والشركات عبر الوطنية من البلدان النامية والانتقالية الآن تتنافس نداً لند مع نظيرتها من البلدان المتقدمة في كثير من القطاعات النفط، الغاز، الصناعات التحويلية كالفلزات، الصلب، التعدين. وأيضاً الشركات عبر الوطنية من الدول النامية أصبح لها باع كبير في مجال الصناعات المختلفة كصناعة السيارات والأدوات الكهربائية، الالكترونية، قطاع الخدمات التكنولوجية.
 
كما أن نصف الشركات البترولية الخمسين الكبرى في العالم هي مملوكة لحكوماتها إما بشكل كامل أو بنسبة الأغلبية ومعظمها في الدول النامية. وتصنيف شركات النفط وفقاً لمعايير محددة يؤكد أن هناك 5 شركات من أصل 10 شركات كبرى في صناعة النفط هي شركات بترول وطنية لكل من السعودية، المكسيك، فنزويلا، إيران. وتقوم بعض الدول النامية بالاستثمار في الخارج أكثر مما تفعله بعض البلدان المتقدمة إذا قيس ذلك كنسبة من تكوين رأس المال الثابت الإجمالي، سنغافورة مثال على ذلك 36 في المئة، تشيلي 7 في المئة، ماليزيا 5 في المئة بالمقارنة مع الولايات المتحدة 7 في المئة، وألمانيا 4 في المئة، واليابان 3 في المئة.
 
فإذن هل نحن اليوم أمام جغرافيا جديدة لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على نحو قد يكمل الجغرافيا الجديدة للتجارة؟ 

وإذا كانت نسبة كبيرة من استثمارات الشركات عبر الوطنية من البلدان النامية تدخل في إطار الموارد الأولية فهل نحن أمام معادلة جديدة وهي حالة من التبعية المتبادلة، فتطلب الدول المتقدمه المواد الأولية من الدول النامية، مقابل ما تطلبه البلدان النامية من البلدان المتقدمة من السلع المصنعة والتكنولوجيا؟
 
ومن المتغيرات الملفتة للانتباه في الاستثمار الأجنبي المباشر، ظاهرة تدويل البحث والتطوير من جانب الشركات عبر الوطنية، وأصبح هناك توّجه الآن يظهر عدداً من السمات الجديدة في عملية التدويل وبصورة خاصة على صعيد أنشطة البحث والتطوير. فالشركات لأول مرة تقوم بإنشاء مرافق للبحث والتطوير خارج البلدان المتقدمة، وتذهب إلى أبعد من مجرد التكيّف مع الأسواق المحلية. فالنشاط في بعض البلدان النامية وبلدان جنوب شرق أوروبا وكومنولث الدول المستقلة، يستهدف على نحو متزايد الأسواق العالمية ويجري إدماجه في الجهود الابتكارية الأساسية التي تقوم بها هذه الشركات.
 
وعملية تدويل أنشطة البحث والتطوير في البلدان النامية هي أمر يمكن توقعه، وفي ظل زيادة الشركات لنشاطها في الدول النامية، يمكن توقع أن يلي ذلك قدر من البحث والتطوير من منطلق التكيّف. ونشاط البحث والتطوير يعد شكلاً من أشكال أنشطة الخدمات، فهو يتجزأ، ويمكن إجراء أجزاء معينة منه في الأماكن التي يمكن أداؤها فيه بأعلى كفاءة، وهذا ما تقوم به على سبيل المثال شركة موتورلا للبحث والتطوير في الصين، مركز تويوتا التقني في تايلند, مركز البحوث العالمي السادس لشركة مايكروسوف في الهند.
 
للإفادة من اقتصاد عالمي معولم ومترابط على نحو متزايد، يتعين على البلدان أن تعزز قدراتها على عرض خدمات تنافسية، وأهم إسهام للاستثمار هو جلب رأس المال والمهارات والتكنولوجيا، التي تحتاج البلدان إليها لإقامة صناعات ذات قدرة على المنافسة. وينبغي معالجة قضايا الاستثمار المباشر حسب ما تقتضيه الخصوصية، وليس على أساس مفاهيم مستعارة من نماذج أكثر تقدماً. وإن تقديم الضمانات القانونية، وتحرير الأسواق قد تحتوي وتنطوي على مخاطر. لكن إعادة ترتيب جذرية الأولويات الوطنية للبلدان وتخصيص الموارد وفقاً لزيادة الاستثمار، والعمل على تحسين ظروف الهياكل الاجتماعية على أساس الكفاءة والجدارة، قد يشكلان ميزتين أكثر ملاءمة وفعالية.
 
ويجب الحذر عند اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر، فالاستثمارات في بعض القطاعات كقطاع الخدمات، قد تكون احتكارات طبيعية كالمرافق العامة، وتكون عرضة لإساءة استعمال القوة السوقية، سواء كانت الشركات محلية أو أجنبية. من هذا المنطلق على البلدان ان تقيم توازناً بين الكفاءة الاقتصادية والأهداف الإنمائية الأوسع نطاقاً، ومحاولة إيجاد توازن بين المحافظة على تطوير واردات الدولة وبين تشجيع الاستثمار والاستفادة منه.
 

ثالثاً : الدول النامية والاستثمار المباشر وإشكالية الأولوية في التغيير
 

إن عملية جذب الدول للشركات للاستثمار المباشر، تختلف من الدول الغنية إلى الدول النامية، حيث تعمل الدول المتقدمة على تقديم ما يعرف بالهبات المباشرة في كثير من الأحيان. بينما تلجأ الدول الفقيرة إلى حوافز تخفيض الضرائب. كما أن هنالك ترتيبات تفضيلية، مثل اتفاقيات الاتحاد الأوروبي مع كثير من الدول والتي تعرف باسم اتفاقيات الشراكة، وكذلك مبادرة الولايات المتحدة لحوض البحر الكاريبي. وأيضاً قانون النمو والفرص في افريقيا الصادر عن الولايات المتحدة. ولكن يجب النظر دائماً إلى مثل تلك الترتيبات على أساس أنها منفذاً مؤقتاً وليس دائماً.
 
التحدي الأكبر يكمن في إمكانية تحقيق تلك الحوافز الفوائد المرجوة؟ وهل يؤدي ذلك إلى خطر إنفاق الأموال العامة؟ وهل هناك خطر من مدى القدرة على ضمان بقاء تلك الشركات في البلد المضيف؟ ومن يضمن بقاءها في حال انتهاء الحوافز أو توقفها؟ أو في حال لم يعد بإمكان الشركات الاستفادة من الترتيبات أو التفضيلات الممنوحه للدول من أجل تشجيعها؟
 
ومن الممكن استغلال منافع الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تضطلع به الشركات عبر الوطنية استغلالاً أكبر، فلقد بدأت التكنولوجيا تتغير، والعمليات والوظائف قابلة للتجزئة بصورة متزايدة، والحدود الفاصلة بين ما هو داخلي وما هو خارجي للمؤسسات تتبدل. والتحدي الذي تواجهة البلدان التي ترغب بالتطور والتقدم هو كيفية الاستفادة من تلك الشركات استفادة أكبر، وهنا تظهر أهمية السياسات العامة المعتمده من قبل تلك الدول.
 
ومقدار النجاح الذي يحققه البلد المضيف للاستثمارات أصبح يعتمد على قدرة البلد على تطوير القدرات المحلية، والدول الأكثر نجاحاً في مجال استقطاب الشركات عبر الوطنية هي التي لجأت إلى اتباع نهج ثنائي يستند إلى تنمية القدرات المحلية مع استهداف الموارد والأصول للشركات. والصين تعد من أكثر الدول المعتمدة على هذا النهج في استراتيجيتها لجذب استثمارات الشركات عبر الوطنية. ومن عناصر هذا النهج:
 
- توافق ما هو مستهدف في تشجيع الاستثمار مع الاستراتيجات الإنمائية والصناعية الأوسع نطاقاً للبلد المعني.
 
- توفير رزمة من الحوافز بطريقة مركزة لتشجيع الشركات عبر الوطنية على الاستثمار في الأنشطة الرئيسية.
 
- إشراك الشركات المنتسبة في تطوير لمستوى المهني والتكنولوجي للموارد البشرية.
 
- بنية رفيعة المستوى من قبيل مناطق التجهيز والمجمعات العلمية والمدن الصناعية بالإضافة إلى المناطق الحرة.
 
- توفير الدعم الهادف للشركات المحلية للانخراط في العملية الإنتاجية من خلال إدماجها مع الشركات وإعطائها زمام المبادرة في التصدير.
 
إن قدرة الدول النامية على الاستفادة من الفرص الجديدة الناشئة عن التنافس بين الشركات يعتمد إلى حد كبير على ما تتخذه بنفسها من إجراءات بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى ما تقدمه الدول المتقدمة من مساعدات سواء على صعيد تطوير القدرات المؤسسية، أو إزالة الحواجز أمام صادرات البلدان النامية، خاصة في ظل بيئة تنافسية عالمية تزداد حدة. كذلك من الضروري طرح دور منظمة التجارة العالمية، الذي من الممكن أن تلعبه لتشجيع الدول النامية على التصدير، والحد من سياسات الحماية المتبعة من قبل الدول الصناعية، كسياسات الدعم والإعانات المتخصصة، والتدابير الوقائية التي تقوّض فعلاً الفرص المتاحة أمام البلدان النامية لاستغلال ميزتها النسبية على أتم وجه.
 
ولكن الخوف لا زال مشروعاً فيما يتعلق بالمنافسة المحتدمة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية بين الدول التي قد تؤدي إلى سباق نحو الحضيض من حيث المعايير الاجتماعية والبيئية، وسباق نحو القمة من حيث الحوافز. فالتفاوت في الموارد المتاحة بين الدول الغنية والدول الفقيرة يضع الآخيرة في موضع ضعف. فالكثير من الأفكار والنظريات تعتبر أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتمثلة بالشركات هي من سلبت خيرات وإمكانيات الدول النامية وأنها تبحث فقط عن مصالحها الخاصة، وجعلت الدولة النامية أكثر تبعية لها.
 
لكن في هذا السياق لا بد من التساؤل عن بعض التطورات الحاصلة في هذا الإطار:
 
هل كان بإمكان الصين الدولة العملاقة ودول أخرى كالهند وكوريا الجنوبية وإيرلندا تحقيق ما حققته في المجال الاقتصادي دون هذه الاستثمارات؟
 
وإذا كانت الدول النامية تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية فما هي طرق العلاج؟
 
وإذا كانت محصلة الأوضاع في كثير من الدول النامية سيئة جدا، فالحصول على شيء أليس أفضل من لا شيء؟
 
فمصر لا تملك أية قدرة على مستوى صناعة السيارات، والآن تمتلك مصانع لتجميع سيارات "BMW" وما نتج عن ذلك من انعكاسات على مستوى التصدير، وخلق فرص عمل واكتساب خبرات ومهارات في مجال صناعة السيارات. فهل كانت تستطيع مصر أن تكون قادرة على فعل شيء من ذلك دون الاستثمار المباشر الأجنبي لشركة "BMW"؟
 
بغضّ النظر عن مصالح الشركات عبر الوطنية، وفي حال تمت مقاربة أبعاد الاستثمار المباشر من زاوية البعد السياسي وما يتركه من آثار هيمنة وسيطرة على اقتصاد الدول النامية، وما يرافقه من تأثير على القرار السياسي لتلك الدول، لا بد من تحديد أولويات التغيير إذا كانت نسبة الاستثمارات الأجنبية والصافية أي مجموع هذه التدفقات إلى البلدان النامية لا تتعدى حوالى 5 في المئة من التاتج المحلي الإجمالي لها، وبالمقابل إذا علمنا أن نسبة الفساد الإداري تبلغ من إجمالي الناتج المحلي للدول النامية ما نسبته 5 في المئة وفقاً لتقارير الأمم المتحدة؟ وعندما تتكشف حقائق ثروات الزعماء العرب؟ ألا تطرح هذه المقاربة إشكالية الأولوية في التغيير والإصلاح؟
 
 

2011-04-11

الجغرافية المائية والخيارات الدبلوماسية غير التقليدية







سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية
Jordani_alrabadi@hotmail.com


منذ القدم لجأت الدول إلى المياه لرسم حدودها، ولحماية نفسها من المعتدين أو لشن الهجوم على العدو. ولقد تم استخدام المياه كوسيلة استراتيجية وتكتيكية، وكسلاح للضغط والدعاية. وتكمن أهمية مسألة المياه على عدة مستويات :

أولاً :
الأمثلة التاريخية الدالة على تطبيق نظرية الحدود على الأنهار والبحيرات كثيرة جداً. ويكفي القول، على أن 52% من الترسيمات الحدودية في أمريكا اللاتينية تتطابق مع مواقع هيدروغرافية. في مقابل، 34% في أفريقيا، و25% في أوروبا، و23% في آسيا أي بمتوسط عالمي قدره 32%. حيث هذه الحدود الطبيعية تم التوصل إليها، بعد حروب ومعاهدات صاغت تاريخ العلاقات الدولية منذ ما قبل الميلاد. ومن هذا المنطلق، تم استخدام المياه كوسيلة دفاعية وهجومية، استراتيجية وتكتيكية في الصراعات بين الأمم أو الدول.

ثانياً:
المياه تغطي 71% من مساحة الكرة الأرضية، ولكن 98% منها تحتوي على نسبة عالية من الملوحة، تجعلها غير صالحة لمعظم الاستخدامات. كما تشكل المياه، وسطاً معقداً وهشاً، وهي مصدر حياة الكائنات الحية. وهناك القليل جداً، من النشاطات البشرية سواء في الإنتاج أو الاستهلاك لا يستخدم المياه كمادة لا بديل لها.

وتشير التقارير الدولية، أن موارد المياه المتاحة لكل فرد في العالم، سوف تتقلص بنسبة لا تقل عن 50% خلال الفترة الواقعة بين عامي 2000 - 2025 . وتكمن الخطورة، عند معرفة أن نسبة الاستهلاك العالمي للمياه تزداد بمعدل 8.4% سنوياً. وفي خضم هذا الواقع العالمي، الذي يعاني من مشكلة نقص حاد في الوضع المائي، أصبح تقاسم مصادر المياه ضرورياً أكثر فأكثر، وصعباً بفعل تنوع الحاجات والاستخدامات واللاعبين. وفي ظل التقارير والدراسات التي تشير، إلى أن القرن الحالي سيشهد حروباً داخلية وخارجية، للسيطرة على المياه. مثلما شهد القرن الماضي، حروباً على النفط. وتبدو المياه رهاناً استراتيجياً تدخل في صميم الأمن القومي لأي بلد، سواء على الصعيد السياسي، الاستراتيجي، الاقتصادي الاجتماعي.

وعلى ضوء، ما تم التوصل إليه عالمياً من اتفاقيات ومعاهدات لتنظيم هذا الوضع، إلا أن هناك، كثير من الإشكاليات التي تطرح مستقبلياً، لكيفية تعاطي الدبلوماسية مع هذه المسألة :

إذا كانت التقارير تتنبأ بصراعات مائية،فهل هذا مؤشر على أهمية الدور الدبلوماسي في المستقبل؟ 

هل الواقع المائي المستقبلي يعبر عن حتمية الصراعات والنزاعات؟ 

أم أن طبيعة هذه النزاعات والصراعات المائية، تحتم العودة إلى الجغرافيا؟ وهل تفرض الدبلوماسية الجغرافية على الدول خيارات غير تقليدية ؟ وما هو حيز التحرك الدبلوماسي والسياسي لكل من الدول الغنية أو الدول شحيحة الموادر المائية؟

هل يمكن فهم الاستراتيجية التركية المستقبلية دون فهم السياسة المائية لتركيا الباحثة عن دور إقليمي متعاظم في منطقة يعاني 14 بلداً فيها إضافة إلى ثماني بلدان في الاتحاد السوفييتي سابقاً من مشاكل مائية وغذائية؟؟؟ وهل هذا يدفعنا إلى القول أن العصر القادم هو عصر دبلوماسية الجغرافية المائية ؟ 


تعتبر المياه، أحد المصادر الأكثر تفاوتاً في التوزيع في العالم. حيث تتقاسم عشرة بلدان 60% من المياه العذبة في العالم. وهي بالكيلومتر المكعب سنوياً كالأتي :

1- البرازيل 5670     2 – روسيا 3904      3- الصين 2880
4- كندا 2850        5- أندونيسيا 2530     6- الولايات المتحدة 2478
7- الهند 1550        8 - كولومبيا 1112   9- الكونغو الديمقراطية 1020

على سبيل المقارنة، فإن كل دول الاتحاد الأوروبي ما عدا النمسا وفنلدا والسويد، تستفيد من 816كلم3 في السنة. وعلى النقيض الآخر، فإن البلدان الأكثر افتقاراً هي البلدان الأصغر، أو الأكثر وعورة، وهي من أسفل إلى أعلى بالكلم3 سنوياً:
الكويت والبحرين صفر تقريباً من المياه العذبة المتجددة،
مالطا 25، سنغافورة 600, كل من ليبيا والأردن 700, قبرص 1000.
وعلى طرف ونقيض آخر، فإن سيرينام تملك تدفقاً سنوياً معدله مليوني متر مكعب لكل نسمة. وإيسلندا 708000 م3، ومتوسط دول الاتحاد الأوروبي 2530م3.

نتيجة لتلك الوقائع والمعطيات، ووفقاً لما يرسم من صورة قاتمة للوضع المائي العالمي والإقليمي. يبقى التساؤل مشروع عن كيفية إيجاد السبل لحل هذه المعضلة ؟؟ سواء على الصعيد العالمي أو الإقليمي أو على صعيد القانون الدولي؟؟ بالإضافة إلى السياسة العامة الداخلية في كل بلد؟ 

مسألة المياه، في الإطار العام ولكونها أزمة عالمية، فإن السبيل لحل هذه المعضلة، يكمن على ثلاث  مستويات :

أولاً- محلياً:

الحلول التقنية، التي يمكن لكل دولة أن تنتهجها للحد من تفاقم الأزمة. ومنها، ما هو قائم على سياسة ترشيد الاستهلاك، وإقامة السدود، تحلية مياه البحر، وإتباع سياسة زراعية قائمة على أخذ بعين الاعتبار الوضع المائي. والتوعية الوطنية القائمة على، التربي على احترام هذه المادة الحيوية، كثقافة خلقية المياه. وهذا مثلاً ما فعلته الحكومة الكويتية رافعة شعار " الماء عديل الروح" .

ثانياً – عالمياً:

أحد أسباب أزمة المياه عالمياً، هو ما يحدث على صعيد عالمي من تلوث بيئي ينعكس يومياً على الوضع المائي. وأقل ما يمكن قوله في هذا الإطار، ما ينتج عن التلوث البيئي من ارتفاع في درجة حرارة الأرض. مما يترك آثاراً خطرة للغاية، على الثروة المائية العالمية. ومن هذا المنطلق، تكمن أهمية الفاعلين الدوليين، ومنهم المنظمات غير الحكومية المدافعة عن البيئة. ومسألة المياه عالمياً هي  نموذج يؤكد - ويجب علينا أن نقر بذلك – بأن هناك دبلوماسية جديدة تظهر على الساحة الدولية. وهو ما يعرف بدبلوماسية المنظمات غير الحكومية.

ثالثاً – قانونياً :

أشواطاً كبيرة قد قطعت عالمياً لوضع معاهدات واتفاقيات دولية لتنظيم مسألة المياه. ومن آخرها، اتفاقية عام 1997 اتفاقية الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية. إلا أنه في ظل استمرار التوزيع غير المتكافئ للموارد المائية، والنمو المتزايد للطلب، تبدو المياه رهاناً استراتيجياً مولداً لأوضاع نزاعية بين الدول. وتبقى المسألة المائية تحت رحمة موازين القوى، في غياب تشريع دولي حقيقي ملزم في مجال المياه. بالإضافة، إلى غياب الآلية الواضحة لكيفية التعامل مع المخالفين لهذه الاتفاقيات أو عدم المشاركين فيها.  

فمثلاً،هل يمكن لدولة كتركيا لديها هذا الرهان الدولي الاستراتيجي أن تتخلى عنه؟

في النهاية، علينا محاولة الأجابة عن تساؤل استذكاري: فيما إذا كان هناك في عصرنا الحديث، نموذج صراعي ما بين الدول – فيما يتعلق بالمياه- تم حسمه عسكرياً ؟

قد تكون الإجابة على هذا التساؤل التاريخي، بمثابة المؤشر الذي على ضوئه، يمكن رؤية وتحليل ما سوف تؤول إليه الأوضاع في المستقبل؟

2011-04-07

دراسة حول حرب غزة.. وتطور الفكر والممارسة لدى المقاومة






صحيفة السبيل الأردنية \ عمان

 5-4-2001

 www.assabeel.net/studies/37316.html




نشرت دراسة الباحث الاردني سلام الربضي  تحت عنوان «حرب غزة وتطور الفكر والممارسة لدى المقاومة» في موقع إسلام تایمز الإخباري، وهي تناقش تطور الفكر المقاوم إلى جانب تطور أدواته، وهذا عرض موجز يقدمه الباحث لأهم ما تم مناقشته في دراسته.
 
المفكر اليهودي الفرنسي جاك أتالي: الحرب القادمة ستكون اشتباكاً شعبياً يومياً يصل كل حي وشارع داخل «إسرائيل» والمستوطنات في الأراضي الفلسطينية.

سلام الربضي/ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية

ممارسة التفكير المنهجي تبدو صعبة عند دراسة القضايا المتعلقة بـ»إسرائيل». فإذا كانت الحرب استكمالاً للسياسة ولكن بشكل عنيف، فإن حروب «إسرائيل» تظل هي الأصل وممارسة السياسة هي الاستثناء. وهي حقيقة تاريخية تشهد عليها الحروب السبع التي خاضتها «إسرائيل» ضد العرب.

 
ومن خلال مقاربة محاكاة «إسرائيل» لرؤية المقاومة في فلسطين ولبنان، فإن أي سؤال عن المقاومة لا يجب أن يثار بمنطق الاتهامية والانفعالية، بل بمنطق المساءلة والتفكير والتدبير. فقد أثبتت المقاومة في لبنان وفي فلسطين بعد حرب غزة، إنها قد انتقلت في طبيعة عملها المسلح في الساحة الفلسطينية، من العفوية وطريقة العمل المزاجي وعدم الارتباط باستراتيجية سياسية واضحة، إلى صاحبة رؤية ومنطق عمل إستراتيجي سواء على الصعيد العسكري أو السياسي.
 
كما أن درجة الاستعداد عند المقاومة للقتال عالية جداً، ولا بد أن يأتي يوم وتدرس فيه بجدية، وليس بالابتذال القائم حول ثقافة الموت المزعومة. تلك الروح التي حملت الناس في لبنان 2006 على الصمود في وجه أطنان القنابل ثم سجلت مأثرة رد الاجتياح الأرضي. وهي نفسها ما يحرك هؤلاء الشبان في فلسطين المؤكدين على حقهم في المقاومة على الرغم من أن الظروف ليست لصالحهم في أي حساب موضوعي. فمقارنة ما بين اجتياح «إسرائيل» مخيم جنين 2002 وبين حرب غزة 2009 ، فارق كبير في مستوى العمل السياسي والعسكري، وهذا يحسب ويسجل لصالح المقاومة. 

لقد أصبحنا نشهد مفردات سياسيّة جديدة في المنطقة، كمحور الشرّ والتطرّف والذي يضمّ دولاً عربيّة، كسوريا ومنظمات وأحزاب المقاومة. مقابل محور الاعتدال، الذي يضمّ دولاً عربيّة بالإضافة إلى «إسرائيل». فإن كان الموقف من حرب تموز2006 يضع قوى الاعتدال،في مواجهة الانقسام القائم في المنطقة ، على أساس الصراع مع الجمهورية الإيرانية ،والمعطى المذهبي الشيعي الصاعد، فماذا عن غزة؟ وماذا عن حماس، وهي ليست سوى أحد فروع حركة الإخوان المسلمين السنية؟.
 
جلد الذات، هو الذي يدفع إلى الهروب من رؤية الآخر، وربما يكون الشعور بالعجز، هو أساس ذلك. فالخوف من حماس وربما من الأصولية الإسلامية، هما اللذان يفرضان على الميل، لرفض مقاومتها وكل المقاومة. ولكن يجب أن نرى هدف الآخر، وأن نعرف ما يريده، وما يعمل على تحقيقه. فهذا الموقف من المقاومة ،يخدم ويصب في مصلحة سياسية الدولة العبرية أولاً وأخيراً.

المعركة ليست مع حماس ولا يجب أن تكون، رغم كل التناقضات المطروحة خلال ممارستها الحكم. بل المعركة ضد الاحتلال
، الذي يعمل على إفراغ فلسطين من شعبها هذا هو الأساس. ومن هنا نتلمس الأهداف، فهذا المنطق من قبل الأفراد أو الحكومات في التعامل مع أحداث غزة، هو سطحي إلى حد أنه برر وخدم الأهداف الإسرائيلية. فهناك رهان إستراتيجي على حرب قادمة، يجب على «إسرائيل» القيام بها،لإعادة الهيبة العسكريّة المفقودة، بعد حرب تموز 2006 وحرب غزة 2009، ومن أجل إعادة فرض السّيطرة ،على المنطقة بكافة الوسائل.

من الضّروري التمييز بين ما تريده «إسرائيل» وما تقدر عليه، ليس كل ما تريده «إسرائيل» تستطيع تنفيذه
، في الوقت والمكان ،والطريقة التي تريدها. ويبقى التساؤل الاستراتيجي عن أيّ حرب قادمة سيكون السؤال:
 
هل هي ضدّ لبنان؟ هل هي حرب ضدّ سوريا ؟


هل هي حرب ضدّ الفلسطينيّين في غزّة؟

أم أنها حرب على إيران؟ وهل سيملك العرب زمام المبادرة؟
 
وإلى أن يأتي أوانها فهل سوف يبقون منقسمين بين عرب الاعتدال وعرب التطرّف؟
 
المشكلة تكمن فيما أن مجتمعاتنا بما فيها المجتمع الفلسطيني ما زالت تسعى إلى القضاء على «إسرائيل»؟؟. أم أننا قد قبلنا بأن مستقبل مجتمعاتنا كافة يخدمه صلح مع المجتمع الإسرائيلي القائم كحقيقة؟؟ 

فالمسألة في ظل هذا الواقع قد تكون هي في فض الأمور العالقة والبعض منها خطير.
والمسألة قائمة على الإشكالية الآتية: هل الصراع العربي الإسرائيلي قائم على أساس حرب وجود أم حرب حدود؟
 
قد يكون المفكر اليهودي الفرنسي جاك أتالي قد ذهب أبعد من ذلك بقوله:

«إن دولة إسرائيل
، لم تكن في يوم من الأيام ،هشة وضعيفة ومهددة، مثل ما هو شأنها اليوم. وعلى الرغم، من تفوقها العسكري والتقني الكاسح، ووهن خصومها وضعفهم، فكل المشاهد المتخيلة، تؤدي إلى النتيجة نفسها. وهي نضوب وتآكل الحلم الإسرائيلي. فإذا كان الاحتمال الوارد هو خيار الحرب، فالمواجهة القادمة لن تكون حرباً تقليدية، بين جيشين عاديين، يحسمها التفوق العسكري. وإنما ستكون حرباً واشتباكاً شعبياً يومياً، سيصل كل حي وشارع داخل إسرائيل نفسها، وفي الأراضي الفلسطينية، حيث المستوطنات الإسرائيلية».
 

For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com