‏إظهار الرسائل ذات التسميات التنمية المستدامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التنمية المستدامة. إظهار كافة الرسائل

2025-05-17

Homoploutia: ما بين الفكر السياسي والفكر والاقتصادي

 


د. سلام الربضي

تثير التغيّرات العالمية السياسية والاقتصادية والتكنولوجية العديد من علامات الاستفهام حول إشكالية العلاقة بين عالم العمل والتنمية المستدامة ورأس المال. على سبيل المثال، واقع الاقتصاد الزراعي بات مرهون للاستثمارات في الأراضي الشاسعة واﻻﺑﺘﻜﺎرات اﻟﺘﻜنولوجية اﻟﺘﻲ ﺗﺴﻴﻄﺮ ﻋﻠﻴﻬﺎ الشركات عبر الوطنية، أي أنها عملية الإلغاء التدريجي لنسق الإنتاج الزراعي التقليدي، حيث يخسر المزارع هويته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كمنتج وكعامل، ليتحول لمجرد مستهلك. وهذا الواقع يستوجب طرح التساؤل التالي: 

هل سيؤدي تطور الاقتصاد والتكنولوجيا إلى تحقيق التنمية المستدامة المجتمعية الجوهرية؟

من حيث المبدأ، المفهوم الواسع للعمل لا يقتصر على الوظيفة، بل يتجاوزها إلى تعميق الصلة بمفهوم العمل المستدام القائم على توسّع سياسات فرص العمل وصون حقوق العمال ورفاهيتهم ، والتي تكون قادرة على مواجهة التحديات المرتبطة بجدلية الفجوة بين رأس المال وفقر العمال أو بإشكالية العلاقة بين الرأسمالية والبروليتاريا، حيث باتت الشكوك تزداد فيما يتعلق بإمكانية تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية. وانطلاقاً من ذلك، لم يعد مقبولا ً التعاطي مع الواقع المتأزم لأسواق العمل، من منطلق الرفض القائم على اعتبارات أيديولوجية  فقط، دون وجود رؤية عملية. فأكثر ما يقلق قوى السوق هو اضطرارها إلى تحديد موقف من مشروع عالمي مستدام اجتماعياً.

 في هذا الإطار، هنالك تحركات عمالية واجتماعية ذات تأثير وتعمل على مواجهة المنظومة الرأسمالية وخلق حالة من الاستقلال النسبي عن قوى رأس المال. على سبيل المثال، يمكن اعتبار المفاوضات المستمرة داخل منظمة التجارة العالمية المتعلقة بمنح عمال الدول النامية حرية تنقل أكبر في أسواق الدول المتقدمة، خطوة إيجابية على صعيد :

  1. ترسيخ حقوق العمال وزيادة مكاسبهم.
  2. إعادة التوازن بين رأس المال وعالم العمل.

 على الرغم من أنه لم يتبلور حتى هذه اللحظة أي بديل استراتيجي يمكن أن يقارع النمط الرأسمالي السياسي والاقتصادي السائد، لكن يمكننا القول أن هامش الحركة المتاح للمجتمع هو دائماً أوسع بكثير من ذلك المتاح للاقتصاد. فالتأثير الاقتصادي في تكوين وتكييف المجتمع منطقي وفاعل بشكل كبير، ولكنه حتماً لا يستطيع أن يحدّده. وبالتالي يمكن إعادة بناء المجتمعات وفقاً لرؤية سياسية واقتصادية مستدامة، تكون بالحد الأدنى قادرة على الإجابة عن التساؤلات التي تدور حول جدلية: 

 لماذا هنالك الكثير من الأفكار عن كيفية توزيع الدخل وليس عن كيفية توليد الدخل؟

 في هذا السياق، حتى إذا قررنا تجاوز جدلية كيفية توليد الدخل وحاولنا تبني اطروحة توزيع الدخل، فأننا لا نستطيع تجاهل إشكاليات عدم المساواة الحديثة القائمة على:

1-        توسع حجم رأس المال الخاص وزيادة دخل الأغنياء بشكل غير متناسب. فالفجوة بين هؤلاء وبين طبقة العمال عميقة للغاية وهنالك صعوبة في ردمها.

2-       عدم المساواة النظامية : "Homoploutia"  حيث بتنا نلحظ اتساع نطاق شريحة الرأسماليين الأثرياء والعاملين بأجور مرتفعة(مثل الرؤساء التنفيذيين، محللين ماليين، أطباء، رياضيين، مشاهير، أشخاص ورثوا الكثير من الأصول...الخ). إنها نخبة رأسمالية جديدة وهي من بين أغنى الرأسماليين وأغنى العمال كذلك.

 منطقياً، من غير المحتمل أن يتم تقليص تلك الفجوات بسهولة نتيجة التطورات الحاصلة على صعيد الذكاء الاصطناعي التي تؤدي إلى تقليص العمالة وزيادة الحصة المتراكمة في رأس المال. وإذا كان الحل الوحيد لتلك المعضلات يكمن في توزيع أكثر عدالة لرأس المال الخاص عن طريق زيادة نسب الضرائب المرتفعة أو الالتزام برفع معدل تشغبل الأيدي العاملة. ولكن عملياً على المستوى السياسي لا يوجد أي تحرك ملموس في هذا الاتجاه سواء في الاقتصاديات المتقدمة أو حتى الناشئة. وهذا الواقع، يستوجب يطرح علامات استفهام حول:  

 كيف يمكن سياسياً الاستفادة القصوى من الفرص الاقتصادية والتقدم والتكنولوجي بطريقة تلفت الانتباه إلى مصلحة المجتمعات والفئات المحرومة؟

 إذ إن التحديات الساسية تكمن في كيفية غربلة الأغنياء ومواجهة الفجوات التي تمتاز بها الاقتصادات، وهنا يستوجب الاعتراف بأنه لن يتم القضاء على الفقر دون وجود فكر سياسي، إذ أن طبيعة المنظومة الاقتصادية تتأثر بشدة بالاستراتيجيات السياسية القادرة على تغيير هيكلية الأسواق بشكل جذري، والذي يمكن أن يسمح بالحد من تلك الفجوات وتحقيق المساواة، وبالتالي تمكين جميع الطبقات والمجتمعات الاستفادة من النمو الاقتصادي المستدام.

 على نور ما تقدم، يتضح أن التعامل مع قضايا التنمية المستدامة من قبل الاقتصاديين والتكنوقراط على أساس أن لا علاقة لها بالأفكار السياسية وفلسفة الحكم، وكأنها ليست أكثر من تمارين في الاقتصاد التطبيقي، أمر في غاية الخطورة. فقد حان الوقت كي يتم الجمع بين الفلسفة السياسية والاقتصادية، وذلك من أجل أن تصبح الدول أكثر إنتاجاً لجودة المجتمعات المستدامة بشرياً بدلاً من تنمية الأشياء. وفي المحصلة، وانطلاقاً من مبدأ التفاعل النقدي مع الليبرالية الاقتصادية والتطور التكنولوجي لا بد لنا من طرح الإشكالية السياسية الجوهرية والقائمة على التساؤل التالي:

 كيف يمكن مكافحة الوجود الفعلي والارتجاعي للفقر واللامساواة بدلاً من التلطي وراء بيانات واحصاءات مالية جافة تشير إلى الفوائد المزعومة للنمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي؟

 


2025-02-03

رأس المال المعرفي العربي وإشكاليات الكتلة الحرجة

 



د.سلام الربضي

تواجه جميع الدول في عالمنا العربي على مستوى تكوين رأس المال المعرفي معضلات معرفية معقدة ومركبة. فعلى الرغم مما حصل من تقدم ملحوظ على صعيد مؤشرات نشر المعرفة في المجتمعات العربية، ولكن يجب عدم تجاهل كثير من الحقائق التي تستدعي قراءة دلالاتها بتأني وتروي. فوفقاً للتقرير الاقتصادي العربي (الصادر عن صندوق النقد العربي 2022)  تبلع  نسبة الأمية في العالم العربي بنحو 25% والتي تعتبر الأعلى في العالم( باستثناء أفريقيا جنوب الصحراء بنحو 34%)  حيث هنالك ما يقرب من 70 مليون أمي عربي، وهنالك ما يقرب من 15 مليون طفل خارج أي نظم تربوية.

وإذا أردنا تأطير واقع رأس المال المعرفي العربي بشكل أكثر دقة وعدم الاكتفاء بالمؤشرات الكمية فقط، هنا يجب علينا لفت الانتباه إلى المعضلات المرتبطة بكل من :

·         تخمة امتلاك تخصصات مقابل الشح في تخصصات أخرى(تحديداً العلمية منها).

·         الجدوى الفعلية لظاهرة انتشار وجود جامعات كفروع لمؤسسات تعليمية أجنبية.

     وبناء على ذلك، يمكننا طرح الإشكاليات المتعلقة باستراتيجيات التعليم القادرة على مواكبة متطلبات اقتصاد ومجتمع المعرفة، وذلك وفقاً للتساؤل التالي:

هل السياسات والمنهجية التعليمية في العالم العربي تستطيع تكوين الكتلة الحرجة من راس المال المعرفي القادر على تلبية الاحتياجات الفكرية والثقافية للمجتمع أو  الاحتياجات الاقتصادية لأسواق العمل؟

على الرغم من جميع الجهود المبذولة للنهوض على هذا المسار، وعوضأ عن الاكتفاء بتحسين المؤشرات الكمية فحسب، يبدو أننا لا نزال بعيدين بأشواط عن الاستجابة للمعايير العالمية لتكوين الكتلة الحرجة من رأس المال المعرفي النوعي. إذ هنالك شكوك عميقة حالياً حول القدرة على خلق فضاءات ديناميكية وابتكارية ونقدية نستطيع من خلالها تكوين تلك الكتلة الحرجة من أجل مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة أو الأزمات السياسية والفكرية المستعصية في العالم العربي.

     وعليه، من حيث المبدأ يجب الاعتراف بحقيقية أنه لا يمكن تكوين رأس مال معرفي رصين وراسخ، دون وجود رؤية واضحة لهوية ذلك المواطن العربي المراد تكوينه معرفياً. وهنا تبرز أهمية الدور القاطع للقيادات السياسية والنخب الفكرية الذي تستطيع القيام به لإعادة هيكلة جميع المفاهيم والاستراتيجيات والممارسات، المرتبطة بصيرورة إنتاج وتكوين الكتلة الحرجى من رأس المال المعرفي.

     وفي هذا السياق، للتدليل على مدى هشاشة استراتيجيات المعرفة العربية وغياب الرؤية على المستوى السياسي المرتبط بالأداء المعرفي، ما علينا سوى طرح المعضلات التالية:

-         ضآلة حجم الإنفاق العربي الحكومي على الأبحاث العلمية، والتي باتت جزء أساسي من قوة الدول الناعمة: فوفقاً لتقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ((UNESCO لا يتجاوز إجمالي الإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي نسبة 0.59% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع المتوسط العالمي الذي يبلغ 2.3% تقريباً.

-         الشح في دعم إنتاج الكتب أو قرائتها: حيث يُنتج العالم العربي أقل من 1% من الإنتاج العالمي للكتب(على الرغم من أن نسبة السكان العرب تبلغ حوالي 5.5% من سكان العالم).

-         ضعف نوعية الكتب المنشورة ومحدودية قاعدة القراء الفعليين باللغة العربية: حيث للأسف الشديد يقرأ المواطن العربي فقط ما معدله 6 دقائق سنوياً، مقارنةً بـ200 ساعة سنوياً للفرد الأوروبي.

وبالإضافة إلى ذلك، ونتيجية البيئة السياسية والفكرية الغير قادرة على الحفاظ على المواهب والمبتكرين او استقطابهم، يوجد في العالم العربي أعلى النسب العالمية على مستوى هجرة العقول والمهارات، كما أن معظم الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى أوطانهم (خاصة أصحاب شهادات الدكتوراه).

وفي المحصلة، هذه المعضلات والإشكاليات تؤكد حتماً الحاجة الماسة لزيادة الاستثمار في الرأس المال المعرفي المرتبط بالبحث العلمي. وهنا علينا أيضاً أدراك خطورة الاقتناع بجدوى السياسات العامة المتعلقة باستيراد المعرفة والتكنولوجيا بالمال، دون وجود بيئة سياسية تمكينية مرتكزة في الأساس على:

1.       توطين الفكر العقلاني والنقدي.

2.       عوامل خلق الأبداع والابتكار.

     وبناء على ذلك، ستبقى الرؤى السياسية هي بالدرجة الأولى القادرة على خلق بيئة داعمة لتكوين وترسيخ الكتلة الحرجة النوعية من رأس المال المعرفي الحقيقي، والتي من حيث المبدأ يجب أن تستند على:

-         فلسفة العلم والعقد الاجتماعي الداعم لدولة القانون واحترام التنوع.

-         التحديث السياسي والثقافي والاقتصادي.

على نور ما تقدم، وبعيداً عن ولع المغلوب بتقليد الغالب، من الضروري التأكيد على أنه لا يمكننا تحقيق أي اختراق نوعي واستراتيجي على مستوى كيفية تكوين تلك الكتلة الحرجة دون وجود استراتيجية سياسية جادة تخولنا الانخراط والاستثمار في هذا النسق من رأس المال المعرفي الذي يكون قادر على استيعاب حاضرنا ومستقبلنا استيعاب عقلي ونقدي، والذي نستطيع من خلاله تجاوز تبعيتنا المعرفية، سواء كانت تكنولوجية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، وحتى ترفيهية ورياضية.

 


2023-05-03

الفلسفة السياسية ورأس المال ومفهوم العمل المستدام


د. سلام الربضي: مؤلف وباحث في العلاقات الدولية

 تثير التغيّرات العالمية السياسية والاقتصادية والتكنولوجية العديد من علامات الاستفهام حول إشكالية العلاقة بين عالم العمل والتنمية المستدامة ورأس المال. على سبيل المثال، واقع الاقتصاد الزراعي بات مرهون للاستثمارات في الأراضي الشاسعة واﻻﺑﺘﻜﺎرات اﻟﺘﻜنولوجية اﻟﺘﻲ ﺗﺴﻴﻄﺮ ﻋﻠﻴﻬﺎ الشركات عبر الوطنية، أي أنها عملية الإلغاء التدريجي لنسق الإنتاج الزراعي التقليدي، حيث يخسر المزارع هويته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كمنتج وكعامل، ليتحول لمجرد مستهلك. وهذا الواقع يستوجب طرح التساؤل التالي:

 هل سيؤدي تطور الاقتصاد والتكنولوجيا إلى تحقيق التنمية المستدامة المجتمعية الجوهرية؟

 من حيث المبدأ، المفهوم الواسع للعمل لا يقتصر على الوظيفة، بل يتجاوزها إلى تعميق الصلة بمفهوم العمل المستدام القائم على توسّع سياسات فرص العمل وصون حقوق العمال ورفاهيتهم ، والتي تكون قادرة على مواجهة التحديات المرتبطة بجدلية الفجوة بين رأس المال وفقر العمال، حيث باتت الشكوك تزداد فيما يتعلق بإمكانية تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية. وانطلاقاً من ذلك، لم يعد مقبولا ً التعاطي مع الواقع المتأزم لأسواق العمل، من منطلق الرفض القائم على اعتبارات أيديولوجية  فقط، دون وجود رؤية عملية. فأكثر ما يقلق قوى السوق هو اضطرارها إلى تحديد موقف من مشروع عالمي مستدام اجتماعياً. 

في هذا الإطار، هنالك تحركات عمالية واجتماعية ذات تأثير وتعمل على مواجهة المنظومة الرأسمالية وخلق حالة من الاستقلال النسبي عن قوى رأس المال. على سبيل المثال، يمكن اعتبار المفاوضات المستمرة داخل منظمة التجارة العالمية المتعلقة بمنح عمال الدول النامية حرية تنقل أكبر في أسواق الدول المتقدمة، خطوة إيجابية على صعيد :

  1. ترسيخ حقوق العمال وزيادة مكاسبهم.
  2. إعادة التوازن بين رأس المال وعالم العمل.

 على الرغم من أنه لم يتبلور حتى هذه اللحظة أي بديل استراتيجي يمكن أن يقارع النمط الرأسمالي السياسي والاقتصادي السائد، لكن يمكننا القول أن هامش الحركة المتاح للمجتمع هو دائماً أوسع بكثير من ذلك المتاح للاقتصاد. فالتأثير الاقتصادي في تكوين وتكييف المجتمع منطقي وفاعل بشكل كبير، ولكنه حتماً لا يستطيع أن يحدّده. وبالتالي يمكن إعادة بناء المجتمعات وفقاً لرؤية سياسية واقتصادية مستدامة، تكون بالحد الأدنى قادرة على الإجابة عن التساؤلات التي تدور حول جدلية: 

 لماذا هنالك الكثير من الأفكار عن كيفية توزيع الدخل وليس عن كيفية توليد الدخل؟

 في هذا السياق، حتى إذا قررنا تجاوز جدلية كيفية توليد الدخل وحاولنا تبني اطروحة توزيع الدخل، فأننا لا نستطيع تجاهل إشكاليات عدم المساواة الحديثة القائمة على:

1-        توسع حجم رأس المال الخاص وزيادة دخل الأغنياء بشكل غير متناسب. فالفجوة بين هؤلاء وبين طبقة العمال عميقة للغاية وهنالك صعوبة في ردمها.

2-       عدم المساواة النظامية Homoploutia. حيث بتنا نلحظ اتساع نطاق شريحة الرأسماليين الأثرياء والعاملين بأجور مرتفعة(مثل الرؤساء التنفيذيين، محللين ماليين، أطباء، رياضيين، مشاهير، أشخاص ورثوا الكثير من الأصول...الخ). إنها نخبة رأسمالية جديدة وهي من بين أغنى الرأسماليين وأغنى العمال كذلك.

 منطقياً، من غير المحتمل أن يتم تقليص تلك الفجوات بسهولة نتيجة التطورات الحاصلة على صعيد الذكاء الاصطناعي التي تؤدي إلى تقليص العمالة وزيادة الحصة المتراكمة في رأس المال. وإذا كان الحل الوحيد لتلك المعضلات يكمن في توزيع أكثر عدالة لرأس المال الخاص عن طريق زيادة نسب الضرائب المرتفعة أو الالتزام برفع معدل تشغبل الأيدي العاملة، ولكن عملياً لا يوجد أي تحرك ملموس في هذا الاتجاه سواء في الاقتصادية المتقدمة أو الناشئة. وهذا الواقع، يستوجب يطرح علامات استفهام حول: 

 كيف يمكن سياسياً الاستفادة القصوى من الفرص الاقتصادية والتقدم والتكنولوجي بطريقة تلفت الانتباه إلى مصلحة المجتمعات والفئات المحرومة؟

إن التحديات الساسية تكمن في كيفية غربلة الأغنياء ومواجهة الفجوات التي تمتاز بها الاقتصادات، وهنا يستوجب الاعتراف بأنه لن يتم القضاء على الفقر دون وجود فكر سياسي، إذ أن طبيعة السوق تتأثر بشدة بالاستراتيجيات السياسية، التي تستطيع تغيير وبشكل جذري هيكلية الأسواق بما يمكن أن يسمح بالحد من تلك الفجوات وتحقيق المساواة وتمكين جميع الطبقات الاستفادة من النمو الاقتصادي المستدام.

 على نور ما تقدم، يتضح أن التعامل مع قضايا التنمية المستدامة من قبل الاقتصاديين والتكنوقراط على أساس أن لا علاقة لها بالأفكار السياسية وفلسفة الحكم، وكأنها ليست أكثر من تمارين في الاقتصاد التطبيقي، أمر في غاية الخطورة. فقد حان الوقت كي يتم الجمع بين الفلسفة السياسية والاقتصادية، وذلك من أجل أن تصبح الدول أكثر إنتاجاً لجودة المجتمعات المستدامة بشرياً بدلاً من تنمية الأشياء. وفي المحصلة، وانطلاقاً من مبدأ التفاعل النقدي مع الليبرالية الاقتصادية والتطور التكنولوجي لا بد لنا من طرح الإشكالية السياسية الجوهرية والقائمة على التساؤل التالي:

  كيف يمكن مكافحة الوجود الفعلي والارتجاعي للفقر واللامساواة بدلاً من التلطي وراء بيانات واحصاءات مالية جافة تشير إلى الفوائد المزعومة للنمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي؟

 

 


2021-09-28

الحوكمة المستدامة ومكانة الدولة: إشكالية التناقض في تطوّر الاقتصاد والسياسة

 



د. سلام الربضي

من الواضح أنَّ الكثير من التطورات المتعلقة بجائحة "كوفيد - 19" أدى إلى تغيير المعطيات والحقائق الاقتصادية والسياسية المرتبطة بجدليات مكانة الدولة والحوكمة المستدامة ودور الأفراد، وهي القضايا التي تتمحور في مجملها حول جدلية التناقض الأساسي بين عالمية الاقتصاد من ناحية، وقومية السياسة من ناحية أخرى، والتي يمكن التعبير عنها بالتساؤل الإشكالي التالي: 

ما مدى إمكانية الحفاظ على مكانة الدولة ووظائفها؟ وما مدى إمكانية تحقيق الحوكمة المستدامة؟

من حيث المبدأ، يمكن القول إنَّ من أكثر المعضلات التي تحول دون الوصول إلى الحوكمة المستدامة، ما زالت مرتبطة بدرجة كبيرة بإشكالية التناقض في تطور الاقتصاد والسياسة، فالاقتصاد تقنياً (إلى حد ما) يتجه دائماً نحو العالمية. أما السياسة، فهي لا تزال تمارس (في الدرجة الأولى) محلياً أو قومياً. 

وهنا، منطقياً، تنفصل العلاقة بين السلطة والمسؤولية والمساءلة، بحيث نجد أنَّ هناك سلطة اقتصادية عالمية مقابل مسؤولية سياسية وطنية محلية يتركَّز فيها استخدام السلطة. هذا التناقض حتماً يعوق بدوره إمكانية الدولة وفعاليتها في القيام بوظائفها، ويحول دون ترسيخ مبادئ الحوكمة المستدامة على كل المستويات. 

وبالتالي، من أجل التوفيق بين تناقضات السياسة والاقتصاد، فإنَّ نقطة التوازن بينهما يجب أن تكون قائمة على ما يُعرف بالحوكمة المستدامة، والتي ترتكز على مبدأ الترابط بين المفاهيم السياسة والاقتصادية من جهة، ومبادئ الشفافية والمساءلة من جهة أخرى.

وانطلاقاً من ذلك، يستطيع الفرد (كمواطن ومستهلك) أن يرجّح كفة الميزان لمصلحة تحقيق التوازن المفقود على صعيد الحوكمة المستدامة، إذ إنَّ كلاً من القوى السياسية والاقتصادية تحاول استمالة الأفراد إلى جانبها، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، فالفرد هو من جهة ناخب سياسي، ومن جهة أخرى مستهلك اقتصادي. 

في المجال الاقتصادي، وعلى الرغم من غياب المساواة وعدم عدالة التوزيع، فإنَّ الفرد المستهلك لا يزال يمسك بزمام المبادرة على المستوى الاقتصادي، انطلاقاً من كونه أساس القوى التجارية وهدفها ومرجعها. إضافةً إلى ذلك، الفرد المواطن هو أساس السلطة السياسية، وفقاً لمبادئ العملية الديمقراطية والتصويت الانتخابي، إذ ما زال له تأثير كبير على صعيد تحديد التوجهات السياسية. 

وبناءً على ذلك، على الأفراد (الذين ترتكز عليهم النظم السياسية والاقتصادية) تحمّل المسؤولية والانخراط في عملية خلق ذلك التأثير والضغط لمواجهة احتكارات وسيطرة النخب الرأسمالية والأمنية والسياسية والإعلامية، وحتى الأكاديمية، لكي يكونوا الدعامة الأساسية في تحقيق سياسات المساءلة والشفافية، والتي تركز عليها الحوكمة المستدامة. 

لا يجب أن تقتصر سياسات الحوكمة على الإصلاحات الهيكلية أو الاحتجاج في الشوارع أو الاعتراض في صناديق الاقتراع، بل لا بدَّ من دعم ديمومتها وصيرورتها عن طريق مساءلة قوى الاحتكار مباشرة، من خلال ثقافة الاستهلاك، إذ إنَّ إنفاق المال أو توفيره قد يؤدي إلى الغايات المرجوّة. وقد يكون هذا المنطق أو الاتجاه من العمل المباشر أفضل وأنجع من الأشكال التقليدية في التعبير السياسي والاقتصادي. 

في ظلِّ محاولة الأسواق العالمية التملّص من قواعد المحاسبة وقيودها، يظهر دور الفرد (المستهلك) كقوةٍ لا يستهان بها. منطقياً، لم يعد بالإمكان تجاهل أنَّ الأفراد في جميع أنحاء العالم يتّجهون حالياً نحو التسوّق السياسي أكثر من الاتجاه نحو التصويت الانتخابي، فالمشاركة في عملية المقاطعة الاستهلاكية والاتجاه نحو التسوّق السياسي هما مؤشر إيجابي يدلّ على أنَّ نشاط الفرد (كمواطن ومستهلك) بدأ يصبّ في الاتجاه الصحيح، إذ بات واضحاً أنَّ النفوذ المتزايد للقوى الاقتصادية وما يقابلها من إرادة سياسية غير حاسمة ينتج إدراكاً متزايداً بأنَّ التسوّق السياسي صيغة أكثر فعالية على صعيد إيجاد حوكمة فعلية وعملية. 

يبدو أنَّ ثقافة التسوق السياسي للأفراد بدأت تحلّ مكان المواطنة التقليدية، على اعتبار أنها الأداة التي تمكّن الأفراد من فرض المساءلة وتصحيح السياسات العامة بشكل أكثر جدية؛ ففي ظلِّ الجشع المالي وعدم الاكتراث السياسي وغياب المسؤولية عند الكثير من النخب التكنوقراطية وقوى السوق، يستطيع الأفراد تحمّل المسؤولية والمبادرة عن طريق اعتماد سياسات التسوّق السياسي كاستراتيجية أو صيغة جديدة للحوكمة. 

عملياً، وفي حين أنَّ العقد الاجتماعي الذي يربط بين الشعوب والحكومات يزداد هشاشة، يبدو أنَّ ضغط الأفراد ونفوذهم بات يحدث أثراً في مواجهة قوى الاحتكار والفساد، والتي لا تستطيع الحكومات أو بعض المؤسَّسات العالميّة أن تأتي بمثله، والتي ربما تكون من الأساس غير راغبة فيه.

2021-05-02

"كوفيد-19" وإشكالية العلاقة بين الاقتصاد العالمي وسوق العمل

 


د. سلام الربضي


وفقاً لتقارير منظمة العمل الدولية،  تسبب وباء "كوفيد-19" في أضرار بالغة على قطاع العمل، حيث هنالك خسارة ما يزيد عن 250 مليون وظيفة، ناهيك عن تأثير الجائحة السلبي على صعيد إبطاء أو عكس اتجاه ارتفاع الأجور في جميع أنحاء العالم، مما أثّر على أصحاب الأجور المنخفضة،  بالإضافة إلى تفاقم عدم المساواة بين الأغنياء والفقراء وازدياد معدل الفقر[1]. وبالتالي، يجب الاعتراف بحقيقة أن التطورات الاقتصادية الراهنة وسيرورة نمو التجارة الحرة، ما زالت تنمو بعيداً عن سوق العمل، وتترك تأثيراً سلبيياً على مستوى المساواة والعدالة الاجتماعية. وفي هذا الإطار، علينا أدراك حقيقة أن الإشكالية الأساسية في عالمنا المعاصر على مستوى العلاقة بين التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي، هي إشكالية  الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وهذا يستوجب طرح التساؤل:


هل نحن نعيش في عصر الاقتصاد من أجل الاقتصاد وليس من أجل المجتمع؟


تبقى الحقائق المبنية على المصلحة العامة هي المعيار الأساسي لتقييم السياسة الاقتصادية الناجحة. وعليه، بعيدًا عن التنظير ووفقًا للإحصاءات والبيانات الخاصة بالفجوة الاقتصادية وإذا أخذنا في الاعتبار أن النسبة الأكبر من المواطنين هم عمال أو موظفون يعملون بأجر، يمكننا القول أن الاقتصاد لم يعد يعمل لصالح المجتمعات. حيث بات من الواضح، أن الفجوة بين أصحاب الثروات من ناحية ورواتب العمال من ناحية أخرى، تزيد الشكوك حول سلامة المجتمع. لذلك، إذا كانت حرية التجارة ورأس المال وتحقيق أهداف منظمة التجارة العالمية القائمة على إلغاء القيود الكمية وجعل العالم منطقة تجارة حرة، هي التي تؤمن النمو والرفاهية، هنا يجب الاستفسار:


هل ستؤدي هذه السياسات والأهداف إلى تعميق أزمة سوق العمل؟ أم أنها ستكون نقطة تغيير وتحول إيجابي؟

 

لقد بات من المنطقي القول، أن هذه الأهداف بالدرجة الأولى زادت من حدة المنافسة بين الدول (سواء الصناعية أو النامية) والتي أدت إلى نتائج كارثية على مستوى ارتفاع معدلات خفض الأجور وتآكل قيمتها الشرائية، حيث أن كل الجهود المبذولة للعثور على بدائل لفرص العمل الضائعة، لم تحقق النتائج المرجوة. فكلما ازدادت وتيرة النمو التجاري، تزداد المصاعب على مستوى سوق العمل، حيث هناك تقليص وترشيد يؤديان إلى فقدان العمل البشري قيمته. وفي هذا السياق، لا بد من ملاحظة إنه لم يكن هنالك عولمة حقيقية فيما يتعلق بسوق العمل.


وانطلاقاً من ذلك، لم تؤدي كثير من السياسات المتبعة إلى زيادة الرفاهية، بل فاقمت من وتيرة جمود الوضع الاجتماعي والفجوة بين الأغنياء والفقراء. فعلى سبيل المثال، ينعكس الانخفاض في الأجور في أسعار السلع أيجابياً بالدرجة الأولى وبشكل مباشر على المستهلك الغني الذي لم يفقد شيئاً من دخله نتيجة خفض تكلفة الإنتاج. في المقابل، فإن الطبقات الدنيا هي التي تفقد جزء كبير من دخلها وتتأثر سلباً أكثر. وعليه، ووفقاً لتداعيات"كوفيد- 19" الاقتصادية، لا يمكن تجاهل البحث في معضلة:


من يتحمل الأعباء الاقتصادية أكثر: رأس المال أم العمال؟


بناءً على بديهيات السياسات الاقتصادية الحالية، يتضح أن الحكومات تزيد من الأعباء الضريبية على قطاع العمل، كما أن الإعفاءات والتسهيلات الضريبية التي تقدمها الحكومات للشركات عبر الوطنية، يؤدي إلى انخفاض إيرادات الدولة المالية التي سوف تعوضها عن طريق زيادة الضرائب على الطبقات الاجتماعية الأخرى، أو عن طريق تقليص الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية. وبالتالي يتضح أنه، إذا كانت المعادلة الاقتصادية والمالية السابقة، تعكس بشكل أكبر الفجوة الآخذة في الاتساع بين الأغنياء والفقراء، والتي تركز على مبدأ: الأغنياء يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقر، ولكن الآن في ظل الحقائق والتطورات الجديدة، لم تعد هذه المعادلة كافية لتوضيح التغيرات، فهنالك صيغة أو معادلة جديدة ترتكز على مبدأ:


الأغنياء يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقرا بوتيرة أسرع؟


حيث أنه ليس من المستغرب على الإطلاق، معرفة أن هناك سرعة عالية في توفير الأموال من أجل إيجاد حل لأي أزمة مالية أو اقتصادية عالمية، مقارنة بحقيقة أن هناك حذراً شديداً (بل وبخلاً) عندما يتعلق الأمر بالتمويل الإنساني والبرامج المتعلقة بانتشال المجتمعات الأقل حظًا (المحرومة والمهمشة) من الفقر والعوز. فعلى سبيل المثال، هنالك حاجة فقط إلى عشرات المليارات سنوياً للقضاء على الجوع وسوء التغذية في العالم بأسره( وقد أقرت الأمم المتحدة عدة برامج مختلفة لتحقيق هذا الهدف)، لكن هذه البرامج لا تزال على الورق فقط بسبب عدم توفر الأموال اللازمة.

 

إذ يجب إن ترتكز جميع الحلول الاقتصادية والسياسية  المرتبطة بتحديات بجائحة "كوفيد-19"، بالدرجة القصوى على إمكانية حماية ودعم كل السياسات المتعلقة بصون مصالح طبقة العمال والفقراء. إذ لا بد أن تكون القضية المركزية قائمة على الانتقاد المنطقي المتمثل بالوجود الفعلي والارتجاعي للفقر واللامساواة. وهذه الحقائق المأساوية وبعيداً عن الأبعاد الأيديولوجية في دراسة وتقييم الاقتصاد العالمي، تضعنا أمام التساؤل الاستراتيجي التالي:


هل المشكلة تكمن في الأولويات والخيارات الاستراتيجية للدول؟ أم تكمن في الإمكانيات الفعلية المتاحة للدول؟


خلاصة القول، إن إمكانية تحقيق نهضة فعلية تخفف من وطأة الفقر والعجز المادي تعتمد على نوع الفكر الاقتصادي الواجب اتباعه، فنحن بحاجة إلى رؤى جديدة تستجيب لاحتياجات وقدرات المجتمعات. وبالتالي، هذا يستوجب توجية النقد الفكري لكيفية التفاعل والتعامل مع مع الليبرالية الاقتصادية الحديثة، ذلك لأنه لم يعد من المنطقي والمقبول التعامل مع هذا الواقع على أسس أيديولوجية فقط (سواء كانت مع أو ضد) ، دون وجود برامج ومشاريع اقتصادية عملية، حيث بات من الضروري مواجهة جدلية أو إشكالية:


لماذا يوجد الكثير من الأفكار حول كيفية توزيع الدخل وليس حول كيفية توليد الدخل؟



[1]     See,"Covid-19" and the world of work:Updated estimates and analysis", Seventh edition, International Labour Organization Monitor(ILO), Geneva, January 2021. Look: https://www. ilo.org/wcmsp5/groups/public/@dgreports/@dcomm/documents/briefingnote/wcms_767028.pdf  Accessed on 04-25-2021.


2021-03-23

الفجوة المائيَّة في العلاقات الدّوليّة

 


د. سلام الربضي

باتت الفجوة المائيّة واحدة من أهمّ الجدليات المطروحة في العلاقات الدولية، إلى درجة الاعتقاد أنَّ الحروب القادمة ستكون في الدرجة الأولى حروباً وتنافساً على مصادر المياه، إذ إنَّ ندرتها تشكّل تهديداً خطيراً للأمن الإنساني([1])، وهناك حالياً أكثر من 80 دولة، يوجد فيها 40% من سكّان العالم، تعاني نقصاً شديداً في المياه([2]). ويعيش ما يقدّر بنحو 3.6 مليار شخص (أي حوالى نصف سكان العالم) في مناطق يحتمل أن تكون نادرة المياه([3])، ويمكن أن يزيد هذا العدد إلى ما يتراوح بين 4.8 مليارات و5.7 مليارات بحلول العام 2050([4]). 

وفي هذا الإطار، تمَّ تبني أهداف تنمية الألفية التي شملت تعهّداً بخفض عدد البشر الَّذين لا يستطيعون الحصول على ماء مأمون وميسور الكلفة إلى النصف في العام 2015. ورغم ذلك، ما يزال أكثر من مليار شخص في نهاية "عقد المياه" لا يمكنهم الحصول على ذلك الماء، إذ يبدو أنَّ هناك فجوة جديدة يمكن تسميتها بالفجوة المائية، وهي تزداد اتساعاً([5]).

انطلاقاً من ذلك، ونظراً إلى توقع المخاطر العالمية المستقبلية من حيث القدرة على التأثير، تم تصنيف أزمات المياه باعتبارها الخطر الأكبر الذي سوف يواجهه العالم في المستقبل القريب([6]). ومستقبلاً، سوف تطرح عدة إشكاليات في العلاقات الدولية حول ما ينبغي تحقيقه على صعيد كيفية مقاربة الفجوة المائية، وهي على شاكلة: 

-  هل هناك رؤى سياسيّة ودبلوماسيّة خلاقة على مستوى العلاقات الدولية بإمكانها مقاربة الفجوة المائية مقاربة علمية قابلة للتّطبيق والحوكمة والمساءلة؟ 

-  هل ستلعب الأيدي الخفية في الأسوق لعبتها في حال فشل المقاربات السياسة، لتنتقل المقاربة إلى الاقتصاد، ولتصبح القضايا المائية سلعاً خاضعة لمنطق الأسواق التجارية؟ 

بناءً على تلك الإشكاليات، منهجياً، يجب التركيز أولاً على معضلة كيفية فهم تعقيدات المنظومة المائية، إذ يتضح أنَّ الفجوة المائية عبارة عن منظومة معقّدة يجب فهمها جيداً، من أجل إيجاد مقاربة منطقية وحلول مستدامة. وعندما يتم التفكير في أزمة ندرة المياه، من الضروري ألا ينحصر التركيز بالنقص المطلق في إجمالي الحاجات والإمدادات المتوافرة، وإنما ينبغي التركيز كذلك على:

-  وجود الماء النظيف القابل للاستعمال وتكاليف جلبه إلى التجمعات السكانية.

-  البصمة المائية أو ما يُسمى المعيار العالمي للبصمة المائية([7]).

-  ضمان ما يكفي من الماء للزراعة ([8]). 

وبالتالي، من أجل فهم أزمة المياه، يجب التمييز بين مشكلتين مختلفتين تتطلبان حلولاً متنوعة؛ الأولى تكمن في كيفية الحصول على مياه الشرب الميسورة الكلفة (أي مشكلة الخدمات)، والأخرى تكمن في كيفية تأمين مصادر مائية للزراعة (أي مشكلة ندرة المياه). وبناءً على تلك المشكلات، يمكن تصنيف التحديات المائية على هذا النحو:

1-  أزمة الوصول إلى المياه([9]). 

2-  أزمة تلوث المياه.  

3-   أزمة ندرة المياه وقلّتها([10]). 

وبناءً عليه، يتعيَّن على المجتمعات العلمية والسياسية إدراك الأسباب العالمية والمحلية لأزمات المياه والاستجابة لها بفعالية. ومن خلال النظر إلى آلية العلاقة المتبادلة بين تلك التحديات أو الأزمات، يمكن تحديد الخصائص المميزة للفجوة المائية والعوامل التي يمكن أن تساعد على حلها. ونتيجة لذلك، لا بدَّ من محاولة فهم الدّوافع السياسية وعملية صنع القرار المائي على الصعيد المحلي أو العالمي، والتركيز على مجموعة واسعة من الخيارات التي لها علاقة بفهم تغيرات بنية أزمة المياه العالمية والتنبؤ بها، وهو ما يستوجب مزيجاً من:

1-   التحول نحو تبني وجهة نظر أكثر شمولية لإدارة المياه ونقلها إلى استعمالات أعلى قيمة.

2-   حلول تقنية مؤتلفة من النانوتكنولوجي والقرائن الرصينة حول إدارة خطر المناخ([11]). 

وعلى الرغم من أنَّ كثيراً من الحلول البديلة معروفة، فإن تطبيقها ليس سهلاً إذا ما أخذت بعين الاعتبار التكاليف السياسية والاقتصادية. ورغم ذلك، يمكن القول إن بالإمكان تحويل التشاؤم المائي الحالي إلى تفاؤل مستقبلي إذا ما تمت بلورة استراتيجة سياسية، ولكن، للأسف، رغم أن التداعيات العميقة للفجوة المائية باتت واضحة للعيان - إلى حد ما -  فإنه نادراً ما يتم التفكير في كونها تحدياً سياسياً، ولا توجد حالياً رؤية على مستوى كيفية إيجاد مقاربة سياسية لتلك الفجوة. 

ومن الجدير ذكره هنا، أنهُ كان هناك سابقاً (عند بدء عمل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC) إدراك أولي للأبعاد السياسية والاجتماعية لأهمية القضايا المائية، يوازي الإدراك الذي كان موجوداً لأبعاد مشكلة التغير المناخي([12])، ولكن إذا كانت مجموعة المناخ (IPCC) قد احتاجت ما يقارب 30 عاماً من العمل قبل أن يأخذ العالم أزمة المناخ على نحو جاد، فما هو الحال بالنسبة إلى المسألة المائية([13])؟ 

ومن الجانب الاستراتيجي السياسي، يمكننا الاكتفاء بمراجعة التقرير الأمني لوكالة الاستخبارات الأميركية حول التوقعات المستقبلية للاتجاهات العالمية في العام 2030، والذي يشير إلى أن حقيقة الأزمة المائية سوف تؤدي إلى تغيرات جيوسياسية في غاية الأهمية، ناهيك بعدم استبعاد حدوث صراعات ونزاعات مائية بين الدول([14]). وبالتالي، إنَّ نفي التحذيرات التي تطلق بشأن اندلاع حروب مائية أو اعتبارها مجرد ادعاءات زائفة أمرٌ يُثير الكثير من علامات الاستفهام، إذ باتت هناك تداعيات استراتيجية خطيرة للمنافسة على المياه العذبة، كما أنَّ حروب المياه موجودة بالفعل، على الرغم من عدم الاعتراف بذلك بشكل مباشر([15]). 

وفي هذا الإطار، إن استمرار منطق تغييب البعد السياسي للإشكاليات المائية غير مبرر، وخصوصاً على صعيد المنظمات الدولية([16])، إذ لا بدَّ من الاعتراف بأنَّ التغيرات العالمية المرتبطة بالفجوة المائية تبين، وبكل وضوح، أن مستوى الأمن في العلاقات الدولية تغير بشكل عميق. 

في المحصّلة، يبدو أنَّ وطأة تأثير التغير المناخي على مستوى العلاقات الدولية ستجعل الفجوة المائية قضية سياسية معقدة للغاية، وهو ما يتطلب وعياً واسع النطاق، والتسليم بأنّ تغيّر المناخ حقيقيّ وباقٍ. عندئذ، على الأرجح، قد يتم إدراك أنه إذا كان خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يدور كله حول إشكاليات الطاقة، إلا أن التكيف مع تغير المناخ سيكون حتماً مرتكزاً ومتمحوراً حول إشكاليات الفجوة المائية. 

الحواشي:

 
([1]) يبلغ حجم المياه العذبة 35 مليون/كم3، أي ما معدله 2.5% من حجم المياه الكلي الذي يبلغ حوالى 1.4 مليار/ كم3، ومعظمها مياه مالحة موجودة في البحار والمحيطات. لمتابعة الإحصائيات والمعطيات المائية الحديثة، يمكن مراجعة موقع مجلس المياه العالمي: http://www.worldwatercouncil.org/، ومنتدى المياه العالمي: http://www.worldwaterforum7.org.

([2])  بات التقنين المائي في العديد من الدول القاعدة العامة وليس الاستثناء، وذلك نتيجة عدم إمكانية توفير مياه الشرب على أساس مستدام. مثلاً، تواجه الكثير من المدن الهندية نقصاً حاداً في المياه التي لا تصل إلى المنازل سوى عدة ساعات في الأسبوع. حول الواقع المائي في الهند، يمكن مراجعة موقع البنك الدولي المختص في شؤون الهند: http://www.worldbank.org/en/country/india.([3]) على الأقل لمدة شهر واحد في السنة.

([4]) تقرير "الحلول المرتكزة على البيئة لدعم الموارد المائية"، تقرير الأمم المتحدة بشأن المياه في العالم، نيويورك، 2018.

([5]) للاطلاع على أهداف التنمية الألفية، يمكن مراجعة: https://www.un.org/ar/millenniumgoal. 
([6]) أما المخاطر الأخرى من حيث التأثير،  فهي: 1- الانتشار السريع والواسع للأمراض المعدية. 2- أسلحة الدمار الشامل. 3- الصراعات بين الدول. 4- عدم التكيف مع التغيرات المناخية، وذلك انطلاقاً من رؤية ما يقارب 900 خبير شاركوا في استبيان المنتدى الاقتصادي العالمي للعام 2015 حول أبرز المخاطر العالمية المستقبلية، من حيث احتمال حدوثها وقدرتها على التأثير على مدار السنوات العشر القادمة. التقرير موجود في هذا الرابط: http://wef.ch/grr2015.
([7]) البصمة المائية: إجمالي حجم المياه العذبة التي يتم استخدامها لإنتاج السلع والخدمات المستهلكة من قبل الفرد أو المجتمع، أو تلك التي تنتجها الشركات. يمكن للبصمة المائية المساعدة على دفع العمل الاستراتيجي نحو استخدام مستدام وفعال ومنصف للمياه، إذ توفر رؤى قوية للشركات لفهم مخاطر الأعمال المتعلقة بالمياه، وللحكومات لفهم دور المياه في اقتصادها واعتمادها على المياه، وللمستهلكين لمعرفة كمية المياه المخفية في المنتجات التي يستخدمونها. انظر: https://waterfootprint.org/en/
([8]) إنّ ندرة المياه لا تعني عدم وجود ما يكفي من المياه للشرب فقط، وإنما كذلك ما لا يكفي للزراعة. 
([9]) هناك أكثر من مليار شخص لا يستطيعون الوصول إلى مياه شرب نظيفة. ونتيجة لذلك، كان من أهداف الألفية للأمم المتحدة خفض نسبة الذين لا يستطيعون الوصول بشكل مستدام إلى مياه شرب نظيفة إلى النصف، ولكنّ المجتمع الدولي لم يتقدم كثيراً في تحقيقها حتى الآن، ما يطرح التساؤل حول الأسباب الكامنة وراء صعوبة ذلك.
([10]) يمكن اعتبار ندرة المياه المكون الأساسي لأزمة المياه الثلاثية، لأنها يمكن أن تتسبب بحدوث أزمتي عدم الوصول إلى المياه وتلوثها أو على الأقل تفاقمهما.
([11]) يبدو التطوّر العلمي الحاصل في علوم المياه والنانو تكنولوجي واعداً، وخصوصاً على مستوى إشكالية ندرة المياه، إذ تَعد بخفض تكاليف تحلية مياه البحر والتنقية المتخصصة لمياه الصرف الصحي.
([12]) تأسَّست الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (‎(IPCC في العام ‎1988‏ لتقديم تقديرات شاملة لحالة الفهم العلمي والفني والاجتماعي والاقتصادي لتغير المناخ وأسبابه وتأثيراته المحتملة واستراتيجيات التصدي لهذا التغير. يمكن مراجعة: https://www.ipcc.ch.
([13])  على سبيل المثال، إن احتمال أن تنفد المياه الجوفية في شمال الهند خلال عقود قادمة، وما ينتج من ذلك من انهيار الزراعة، لا ينظر إليه باعتباره مشكلة عالمية. كذلك الأمر بالنسبة إلى النهر الأصفر الذي لم يعد يصل إلى البحر. كما لا ينظر إلى السير يومياً ثلاث ساعات من أجل الوصول إلى ماء شرب نظيف في المناطق الريفية في أفريقيا باعتبارها مشكلة عالمية.
[14]))  Report,"Global Trends 2030: Alternative Worlds",Office of the Director of National Intelligence,National Intelligence Council,U.S.A,2012,p.2. 
[15]))  منها على سبيل المثال: 1- مسألة كشمير المستعصية لها حسابات مائية استراتيجية من قبل كل من الهند وباكستان. 2- الصراع العربي الإسرائيلي هو في جانب مهم منه صراع على الموارد المائية. 3- أزمة دارفور السودانية في جوهرها صراع حول المياه. 4- التوتر التاريخي في العلاقة بين كل من تركيا والعراق وسوريا يرتبط بتوزيع الحصص المائية لنهري دجلة والفرات. 5- الوضع المائي المتوتر بين مصر والسودان وأوغندا وإثيوبيا حول مياه نهر النيل. 6- الحرب السورية ببعدها الاجتماعي والاقتصادي ترتبط ارتباطاً شديداً بشح المياه وزيادة الجفاف. 7-حروب الإرهاب باتت تصبغ بلون مائي (يكفي هنا مجرد التفكير في محاولة "داعش" تفجير سدود المياه في سوريا والعراق). 
[16]))  فعلى الرغم من النقلة النوعية الإيجابية لتقارير الأمم المتحدة في الإضاءة على الفجوة المائية، ولكن يتم التجاهل( بشكل شبه كامل) الشق المتعلق بكيفية مواجهة الأبعاد السياسية للأزمات المائية. 

For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com