2010-01-21

النظام الاقتصادي الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة (3)







سلام الربضي

مجلة صوت العروبة, واشنطن,20 \ 1 \ 2010.
www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=18369&mode

 
ب- أزمة النفط والفوائض المالية:
 
وهي التي ترتبت على أزمة النفط 1973 ما عرف بالصدمة النفطية الأولى حيث وصل سعر برميل النفط الى أكثر من 20 دولار مما أدى الى التأثير في الاقتصاد الدولي ومن أهم مظاهر هذا التأثير, ارتفاع أسعار النفط أدى إلى ارتفاع تكلفة الطاقة وفاتورة واردات الدول الصناعية من ناحية, وزيادة الفوائض المالية لدى الدول المصدرة للنفط من ناحية أخرى، ولكن مع مرور الزمن استطاعت الدول الصناعية إعادة التوازن لاقتصادها في حين أن العجز الشديد المقابل للفائض في الدول المصدرة للنفط فقد انتقل الى الدول النامية مما جعلها تضطر الى الالتجاء إلى القروض الخارجية من بنوك الدول الصناعية مما أدى إلى ظهور قضية تدوير هذه الفوائض الناتجة عن الأزمة النفطية، اولاً إلى الدول الصناعية ومن ثم إلى الدول النامية وبالتالي ظهور قضية المديونية للدول النامية التي أصبحت فيما بعد إحدى أهم القضايا في العلاقات الدولية.
 
تكرر نفس المشهد مع الصدمة النفطية الثانية عام 1979 حيث استطاعت الدول الصناعية من خلال إمكانياتها الاقتصادية من تجاوز هذه الأزمة بينما ازدادت الدول النامية في التخبط بمديونيتها.كما إن ارتفاع أسعار النفط جاء ليعبر ليس عن التغيرات في الاقتصاد العيني (الموارد = البترول) وإنما فقط في نمط توزيع الدخل العالمي. حيث لم تعرف الموارد الاقتصادية أي تغيير يذكر ولم يتغير شيء على التكنولوجيا أو في الأذواق بل كل ما حدث يعبر عن إعادة توزيع الدخل العالمي  لمصلحة الدول المصدرة للنفط. ومن الطبيعي أن ينتج عن هذا التوزيع ارتفاع في الادخار.

وفقاً لنظرية كينز فيجب أن يتساوى حسابياً ما بين زيادة الادخار وبالتالي زيادة الاستثمار وهذا ما لم يحدث خلال الصدمات النفطية مما انعكس سلباً على الوضع الاقتصادي العالمي وبالأخص على اقتصاديات الدول النامية. وبعد الصدمة النفطية الثانية وفي عام 1983 حدثت صدمة نفطية عكسية نتيجة زيادة مخزون الدول الصناعية والمغامرات السياسية لبعض الدول المنتجة للنفط (العراق وإيران).
في كل تلك الظروف يحق التساؤل حول عدم قيام الدول المصدرة للنفط من تقديم أسعار تفضيلية وتشجيعية للدول النامية؟ وهذا السؤال يطرح دائماً مع ازدياد أسعار النفط وما تأثير هذا الفائض في ميزانيات الدول العربية النفطية ؟

ج- أزمة التنمية:

على الرغم من أن الدول النامية استطاعت خلال الفترة القصيرة ما بعد حصولها على استقلالها السياسي، من أن تحقق بدايات مشجعة، ولكن منذ السبعينات وخاصة في الثمانينات بدأت هذه الدول تواجه المشاكل الأكثر حدة ومن هذه المشاكل أو الأزمات ما عرف بأزمة الغذاء في بداية السبعينيات نتيجة تحول معظم الدول النامية الى دول مستوردة للغذاء، وقد تم إعادة الاذهان الى "نظرية مالتسي" حول عدم التوازن ما بين النمو السكاني وتوافر الموارد الغذائية. وإذا كانت الدول النامية قد واجهت أزمات الغذاء والطاقة ثم المديونية منذ بداية السبعينات. 

مفاهيم التنمية نفسها قد عرفت اجتهادات متعددة واختلافات جوهرية، فمن سياسة التدخل الاقتصادي الحكومي واتباع سياسات إحلال الواردات والانكفاء على الداخل وتقليل الاعتماد على الخارج (نظريات التبعية) ولقد اعتمدت الدول في جنوب شرق آسيا إلى الآخذ بسياسات اقتصادية مختلفة تماماً تعتمد على اقتصاد السوق واسواق التصدير مع الاستمرار في إعطاء دور كبير للدولة في توجيه الاستثمارات، حيث استطاعت تحقيق معدلات نمو عالية وأصبحت تعرف بالدول الصناعية الجديدة، والنمور الآسيوية وعلى الرغم من ما حققته هذه الدول إلا أنها تعرضت في عام 1997 لأزمات مالية.
 
ونتيجة ما واجهته الدول النامية من مشاكل متعددة بدأت سياسات جديدة تظهر يتبناها صندوق النقد الدولي والى حد كبير البنك الدولي. وكان إطار هذا الاصلاح الاقتصادي يدور حول ضرورة ضبط التوازن النقدي والمالي للدول النامية عن طريق تخفيض العجز في الموازنات العامة ومحاولات السيطرة على التضخم واستخدام أسعار الفائدة المناسبة وتحديد أسعار الصرف على نحو أكثر واقعية.

وفي هذه الأثناء طرح دور الدولة الاقتصادي وظهرت التيارات المحافظة التي تنادي بحصر دور الدولة وقد ازداد هذا الاتجاه مع وصول تاتشر وريغان للسلطة في بريطانيا وأمريكا وما لبثت أن انعكست هذه الافكار على صندوق النقد الدولي وعلى الدول النامية, وأصبحت هذه الدول مطالبة بالتخصيص، وخلق المناخ الاستثماري المناسب، والتحول الى اقتصاد السوق وبالتالي معاملة الدول النامية بنفس الطريقة المتبعة في الدول الاقتصادية الصناعية مما يطرح التساؤل عن موضوعية هذا الاسلوب؟

د- أزمة الأيديولوجية الاشتراكية:

لا بد من طرح تساؤل حول أزمات الاشتراكية وفشلها فهل هو راجع إلى القصر في النظرية أم عيب في التطبيق ، فالماركسية وإن تضمنت تحليلاً لتناقضات النظام الرأسمالي وأيماناً بحتمية زوال هذا النظام فإنها لم تقل الكثير عن كيفية إقامة النظام الجديد بعد القضاء على الرأسمالية باستثناء الاتفاق على إلغاء الملكية الخاصة لعناصر الإنتاج.

من الغرابة في هذا الإطار القول أن الماركسية التي خسرت المنافسة الاقتصادية قد بنيت نظرياً على أساس أهمية العامل الاقتصادي في تطور المجتمعات؟
 
عند محاولة تقييم تجربة الاتحاد السوفيتي يبقى التساؤل دائماً حول ما يرجع إلى طبيعة النظام الماركسي وما يعتبر من ظروف النشأة الروسية الأولى وهو واحد من تلك الاسئلة التي يمكن أن تظل مطروحة دون أن تجد إجابة قاطعة ونهائية؟

ثانياً : الثورة التكنولوجية الحديثة.

من أهم مظاهر الثورة التكنولوجية الجديدة أنه لا توجد هناك لحظة فاصلة نستطيع القول عندها أن ثورة جديدة قد بدأت فالتطور بطبيعته تدريجي ومستمر ومتراكم ومن الضرورة التنبيه إلى إن التاريخ مستمر لا انقطاع فيه. ويمكن في هذا الإطار طرح التساؤلات التالية:

1- هل هناك علاقة بين التكنولوجيا والثورات الاقتصادية الكبرى؟

2- ما هو تأثير ثورة المعلومات والاتصالات؟

3- ما هو الفرق بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي؟

4- هل الثورة المالية ناتجة عن هذا التقدم التكنولوجي؟

5- كيف يمكن مقاربة العلاقات الدولية في ظل الاقتصاد العالمي؟

6- هل هي نهاية الجغرافيا؟

أن الحضارة الإنسانية لا ترجع إلى أكثر من 1% من تاريخ الإنسان على الارض، وإذا كانت عملية اكتشاف الزراعة ثورة اقتصادية كبرى غيرت في طبيعة الحضارة فإن التغيرات اللاحقة وحتى قيام الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر ظلت طفيفة وهامشية. ولقد كانت الثورة الصناعية بمثابة أخطر انقلاب اقتصادي بعد الثورة الزراعية الأولى. وإذا كان الاقتصاد الصناعي يقوم على اقتصاد السوق والقدرة على القيام بالحساب الاقتصادي فإن توفير الشروط والأوضاع المناسبة لإجراء هذا الحساب الاقتصادي يعتبر أمر ضروري وهناك عدد من الشروط الواجب توافرها سواء على صعيد استقرار النظام القانوني أو النقدي. كذلك فإن الحقوق الشخصية من التزامات مالية أوراق تجارية وأصول مالية،أضحت هي أساس الثروة في عصر الصناعة.

من هذا المنطلق فإن ظهور الدولة المعاصرة كان ضروري لتوفير هذه الشروط. ولقد لعبت الدولة دوراً رئيسياً في التطور الرأسمالي بحيث لا يمكن أن يقوم نظام رأسمالي بدون وجود الدولة، وهذا يعتبر بمثابة رد على كثير من النظريات الحديثة التي ترى بأن الرأسمالية والعولمة أو ما يسمى بالنيوليبرالية الحديثة قد قضت وسلبت الدولة كل إمكانياتها وأسباب وجودها.

ونحن الآن نعاصر مرحلة جديدة هي مرحلة الانتقال من العلاقات الاقتصادية الدولية الى الاقتصاد العالمي. وإذا لم يكن بعد الاقتصاد العالمي أصبح حقيقة كاملة فهو على الأقل حقيقة كامنة تمثل مستقبل العلاقات الدولية. والعالمية لا تسري فقط على النواحي التكنولوجية بل تفرض نفسها أيضا على مختلف النشاطات الصناعية وأصبحنا يوم بعد يوم نزيد من توحيد المواصفات والمقاييس العالمية الفنية وتنميطها وكذلك أن الأذواق تسير في نفس الاتجاه حيث أننا نلمح مولد المواطن العالمي. ولقد بتنا نعيش في عالم أكثر تداخلا في علاقاته الاقتصادية بحيث لم يعد من الممكن لدولة ما أن تنعزل عما يجري فيه مهما علت مكانتها.
 
وإذا كانت الإشكالية الأهم في العولمة قائمة على نظرية صاموئيل هنتجتون حول الصدام الحضاري أو أطروحة فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ, فقد يكون التساؤل الأقرب إلى طبيعة ظاهرة العولمة هو التساؤل:

عما إذا كنا بصدد نهاية الجغرافيا وليس نهاية التاريخ؟
 
أن خطورة الجغرافيا تكمن ليس فقط في أنها حدوداً سياسية بل هي مواقع مكانية وموارد طبيعية. وفي ظل الابتكارات التكنولوجية والاكتشافات العلمية يطرح التساؤل حول اهمية الجغرافيا بالنسبة للموارد الطبيعية في ظل زيادة انخفاض القيمة النسبية لإسهامات هذه الموارد في تحديد قيمة الإنتاج بالمقارنة مع الجهود الإنسانية في مجالات البحث والتسويق والابتكار؟
 
النظام الاقتصادي العالمي الجديد يوفر سيطرة على الموارد من دون الحاجة الى الاستيلاء المادي المباشر. سواء كان ذلك عن طريق براءات الاختراع، أو التأثير في الأسواق المالية او شبكات التسويق، أسعار الصرف، الاسهم ... إلخ.

ثالثاً : تطور المؤسسات والسياسات.

أن السياسات الاقتصادية لم تلبث أن خضعت لتغيرات وتوجهات جديدة وقد أدى ذلك  إلى تعديلات في شكل المؤسسات القائمة وأسلوب عملها فضلاً عما استدعاه من إنشاء مؤسسات جديدة, كما أن التطور الاقتصادي والترابط المتزايد بين الاقتصادات المختلفة قد ساعدا على ظهور قضايا جديدة مثل ما أطلق عليه العولمة  GLOBALIZATION  وبداية الاهتمام بعدد من القضايا التي وجدت لأول مرة اهتماماً عالمياً لم يتوافر لها سابقاً, كقضايا البيئة كما أن قضايا التنمية الاقتصادية أخذت طابعا جديدا عرف بالتنمية البشرية .
 
1- المؤسسات:

 
حدث تطور ملحوظ بالجانب المؤسسي  للنظام الاقتصادي

أ- تطور صندوق النقد :
 
سرعان ما ظهرت في التطبيق مشاكل عدة فرضت نفسها على طبيعة عمل الصندوق كمشكلة مدى توافر السيولة الدولية , كما أن بقاء أسعار الصرف ثابتة معناه من الناحية العملية أن تتخلى الدول عن استقلال سياستها النقدية في الداخل وتخضعها لاعتبارات التوازن الخارجي. ومع وضوح أزمة التنمية وخاصة مع ازدياد أعباء المديونية الخارجية على الدول النامية اتجه صندوق النقد الدولي مع البنك الدولي ليصبح المؤسسة الاقتصادية الدولية الأكثر اهتماما بقضايا التنمية والإصلاح الاقتصادي, خاصة مع تحول عدد من دول الكتلة الاشتراكية سابقاً إلى نظام السوق.   
 
أهم تطور أصاب الصندوق الدولي هو ما عرف بإنشاء حقوق السحب الخاصة وهي أقرب الى النقود منها الى الديون العادية وهي تقوم بجمع وظائف النقود في المدفوعات الدولية وتحدد قيمة حقوق السحب الخاصة وفقا لعدد من العملات الأساسية في المعاملات الدولية، كما هناك تطور في عمل الصندوق على صعيد قضايا الإصلاح الاقتصادي حيث اتجه الصندوق إلى قضايا دول العالم الثالث خاصة مع بروز أزمة المديونية.والصندوق يقدم قروض مقابل الالتزام بعدد من السياسات عرفت باسم المشروطية المرتبطة بما يسمى سياسات التثبيت المالي أو النقدي ليتم فيما بعد نقد عمل الصندوق القائم على وصفة وحيدة دون مراعاة الاوضاع الخاصة لكل دولة.

ب – تطور البنك الدولي:

تم الانتقال من سياسة الاهتمام بالنمو الاقتصادي باعتباره المؤشر الرئيسي للنجاح فقط إلى الاهتمام بقضايا التوزيع وبذلك أصبح النمو مع التوزيع هو أحد محددات مشروعات تمويل البنك الدولي وفي الثمانينات اتجهت مشروعات البنك نحو برامج التكيف الهيكلي القائمة على تمويل البنك لسياسات الدول المتجهة نحو إعادة هيكلة الاقتصاد والانتقال إلى القطاع الخاص وتخصيص المشروعات.
 
سبب فشل سياسات التنمية في كثير من الدول يعود إلى فساد النظم السياسية السائدة وأنه لا يوجد أمل حقيقي في أية تنمية متواصلة ما لم يحدث تغيرات جذرية في أساليب الحكم لينتشر فيما بعد مصطلح وتعبير الحكم الصالح ويقصد به كل أساليب استخدام السلطة سواء من الحكومات أو من إدارات محلية أو في إدارة المشروعات. ولقد تم إدراك إن الدولة ليست هي اللاعب الوحيد في الساحة وهناك مجالاً أمام القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني لتلعب دوراً رئيسياً . والمؤسسات الاقتصادية بقيت تعبر عن الإيديولوجيات السائدة في الدول الصناعية .

ج – الجات في جولة أوروجواي:
 
د – إنشاء منظمة التجارة الدولية:
 
من خلال استعراض الفترات الزمنية والاحداث المتواصلة الى أن تم إنشاء منظمة التجارة الدولية، من القول أنه يجب دائما التركيز على المشاركة لأنها تعطي مردودية أكثر من الانعزال والنقد على الرغم من ضعف الامكانيات وهذا الواقع تعبر عنه تجربة الدول النامية في منظمة التجارة العالمية.
 
مع ذلك هناك الكثير من السياسات داخل المنظمة لا تخدم مصالح الدول النامية ومع ذلك فيجب علينا النظر للنظام الاقتصادي أو للمنظمات كمنظمة التجارة العالمية بنظرة كاملة من خلال ما تفرضه من التزامات وما تعطيه من فرص، فيجب أن نرى الصورة أو ننظر للنظام بمجموعة.

و – مؤسسات غير شكلية:

هناك ترتيبات غير مقننة تلعب دوراً رئيسياً في تنظيم العلاقات الاقتصادية الدولية سواء كانت هذه القوى غير الوطنية تأخذ شكلاً تنظيمياً قانونياً أم كان لها وجود واقعي – مثل الشركات المتعددة الجنسيات أو ظهور إلى جانب المؤسسات الدولية الاقتصادية بعض التجمعات مثل مجموعة الدول العشر ومجموعة الخمس ومؤتمرات القمة الاقتصادية للدول الصناعية G8 . ومثل هذه التنظيمات الفوقية تلعب دوراً رئيسياً في تحديد العديد من المؤشرات في الحياة الاقتصادية الدولية وإذا أردنا أخذ نموذج لهذا الواقع فإن نظام "اليورو دولار" أو "اليورو ماركت" يعبر عن ذلك الواقع .

2- القضايا والسياسات:

 
من القضايا المطروحة حالياً على الساحة الدولية والسياسات المطبقة :
 
 أ – الليبرالية الجديدة.
 
 ب – التنمية البشرية المتواصلة.
 
 ج – حماية البيئة.
 
 د – الحكم الصالح.
 
 و – انكماش المعونات الدولية للتنمية.
 
 ن- العولمة.
 
 ز – الترتيبات الاقليمية .

الدولة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما عليه هي الآن فيما تتمتع به من أدوات للتأثير في الحياة الاقتصادية سواء عن طريق وسائل التأثير عبر السياسات الاقتصادية أو من خلال دورها التنظيمي وتوفير الخدمات الرئيسية وإن الانحسار الذي أصاب الدولة هو في صعيد الانتاج في القطاع العام. فطرح بعض الجوانب المتعلقة بالدولة والاقتصاد أمراً مهماً مثل القطاع الخاص (الأفراد) والمجتمع المدني وإلى جانب الاقتصاد هناك السياسة والأخلاق, وأن أداة السياسة الرئيسية هي الدولة التي يتركز فيها استخدام السلطة في حين أن المجال الطبيعي للاقتصاد هو السوق حيث تعبر المصالح أو المنافع عن نفسها فيما تظهره هذه السوق من خلال مؤشرات وخاصة الاسعار .
 
ما بين السياسة والاخلاق والاقتصاد فإن نقطة التقاطع تكون قائمة على ما يعرف بالحكم الصالح القائم على ترابط مفهوم اقتصاد السوق وحقوق الإنسان والديمقراطية, وعلى صعيد التنمية أن الإشكالية تكمن بكيفية تشجيع الدول الرأسمالية أو بالآحرى تشجيع رأس المال إلى الانتقال إلى الدول النامية الأقل نمواً وليس للدول الأكثر نمواً.
 
على صعيد العولمة يجب النظر إلى تاريخ الاقتصاد العام لفهم الاقتصاد المعاصر بشكل أوضح باعتباره تاريخاً للمبادلة وقيام الأسواق وتوسيعها. والعولمة ليست وصفة أو حزمة معرفة بقدر ما هي لحظة من لحظات التطور، ارتفع فيها معدل توسيع الأسواق والترابط في الاقتصادات على مستوى رقعة متزايدة من العالم، وإذا كان لكل عصر أبطاله فعصر العولمة أبطالها ونجومها الشركات المتعددة الجنسية، ورجال الاعلام ومراكز المال، ومراكز البحوث، وشركات التسويق، والمخابرات وربما المافيا، ولكن يجب علينا عدم نسيان أهمية وتزايد دور المنظمات غير الحكومية.
 
الفرد أصبح هو الحكم والفيصل، حيث الجميع يحاول استمالته سواء بالإقناع أو الخداع فالفرد هو من جهة ناخب وهو من جهة أخرى مستهلك، فعلى الصعيد الاقتصادي وعلى الرغم من عدم عدالة التوزيع فإن المواطن العادي ما زال يمسك بزمام القوة الاقتصادية كما أن هذا الفرد هو أساس السلطة السياسية، فرأيه في صناديق الاقتراع أو من خلال استطلاعات الرأي ما تزال تحكم التوجهات السياسية والاقتصادية وهنا أيضا المطلوب صوته الشكلي.
 
المشكلة تكمن بأن هذا الفرد الذي يمثل الحكم والفيصل يواجه قوى المال والاعلام والمخابرات وبالتالي القدرة على إخضاعه لمختلف أنواع التأثير. ومن المعضلات الحالية هو التناقض بين تطور الاقتصاد وتطور السياسة، فالاقتصاد يتجه نحو العالمية ولا يأبه بحدود السياسة والجغرافيا، أما السياسة فالتنظيم السياسي ما زال وطنياً وقومياً, وتكمن المشكلة الاساسية في تلاقي عالمية الاقتصاد من ناحية وقومية السياسة من ناحية أخرى وهو التناقض الأساسي لظاهرة العولمة، ومن هنا تنفصل العلاقة بين السلطة والمسؤولية حيث هناك سلطة اقتصادية عالمية لا يكاد يفلت منها مكان على المعمورة، ومسؤولية سياسية وطنية أو حتى محلية، فالقرارات التي تؤثر بالاقتصاد العالمي تصدر من الكونغرس ومؤسسات الاتحاد الاوروبي والتي تحاسب من قبل الناخبين في الولايات المتحدة أو في أروقة السياسة في ألمانيا وفرنسا، على الرغم من تأثير هذه القرارات في اقتصاد العالم في مجموعة.
 
الترتيبات الإقليمية المختلفة من ترتيبات واعية للتنسيق والتكامل فيما بينها. والتي قد تأخذ هذه الترتيبات شكلاً مؤسسياً وشكلياً في شكل معاهدات أو في شكل ترتيبات خاصة أكثر مرونة وقد تكون أنجح هذه الترتيبات هي  السوق الأوروبية المشتركة التي تحولت الى الاتحاد الأوروبي وهناك الكثير من الترتيبات الإقليمية مثل منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (النافتا)، مجموعة الآسيان، المجموعة العربية، ويمكن اعتبار تجربة الاتحاد الأوروبي أنجح تجربة على هذا الصعيد ولا بد من الدول العربية على الرغم من التجربة العربية المريره في هذا الإطار ات تأخذ تجربة الاتحاد الأوروبي نموذجاً يمكن الاستفاده منه وفقاً لما يتلائم مع الأمكانيات وطبيعة أنظمتنا ومجتمعاتنا السياسية . 

*هذه الدراسة مستوحاه من كتاب د. حازم البيلاوي,"النظام الاقتصادي الدولي المعاصر",عالم المعرفة,الكويت,2001.
 ومؤلف هذا الكتاب شغل منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، والأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ,وحاز على جائزة أحسن الرسائل الجامعية من جامعة باريس 1964 وعلى جائزة الكويت في العلوم الاقتصادية على مستوى الوطن العربي 1983,له مؤلفات عدة في الاقتصاد بالعربية والفرنسية والانجليزية,اضطلع بالتدريس في جامعات: القاهرة، عين شمس، الاسكندرية، والكويت، الجامعة الامريكية بالقاهرة، وجامعة كاليفورنيا, وعمل بالصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي, وتولى مسؤولية إنشاء البنك المصري لتنمية الصادرات والشركة المصرية لضمان الصادرات, وأستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق، جامعة الاسكندرية.


النظام الاقتصادي الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة (2)





سلام الربضي 

مجلة صوت العروبة\ واشنطن\18\1\2010.

arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=18327&mode=thread&rder


ثانياً: المؤسسات الدولية الاقتصادية.
 
هنالك أوجه اختلاف بين النظام المؤسسي الدولي السياسي من ناحية الأمم المتحدة، والنظام المؤسسي الدولي الاقتصادي من ناحية أخرى فالأول بدأ واستمر على اساس عالمي بينما النظام الدولي الاقتصادي الممثل بصندوق النقد والبنك الدولي قد تأثر بالانقسام الأيديولوجي بين الكتلتين، وبالتالي فإن الحرب الباردة كان تأثيرها في النظامين السياسي والاقتصادي مختلفاً، حيث الدول الاشتراكية استمرت في عضويتها في الأمم المتحدة بالمقابل قاطعت النظام الدولي الاقتصادي. كما ان النظام الدولي السياسي قائم على المساواة على الاقل نظرياً وبالمقابل فالنظام الاقتصادي الدولي بدأ منذ إنشائه وفقا للمبدأ الرأسمالي الذي يحدد أصوات الدول الاعضاء على أساس حصصها أو مساهماتها في المنظمة. مما فتح المجال أمام الدول الرأسمالية الكبرى لفرض سيطرتها لدرجة ما على النظام الاقتصادي الدولي. 

ومؤسسات النظام الاقتصادي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية هي :


أ- البنك الدولي للإنشاء والتعمير:
 
تم إنشاء هذا البنك بعد المشاورات البريطانية الأمريكية ولقد كان هذا النظام الاقتصادي وليد حصيلة التفاعل بين أراء كينز ووايت حيث كينز مسلح بخيال واسع وقدرة نظرية هائلة ووايت يستند إلى القوة الاقتصادية التي تمثلت ببلادة أمريكا, ولقد ظهر أن النظام الاقتصادي قد تأثر بآراء وايت أكثر من كينز مما يؤكد قوة السلطة في مواجهة الفكر في كثير من الاحيان. وقد كان تركيز هذا البنك على تمويل الجهود الرامية إلى إعادة بناء الاقتصادات المهدمة في أثناء الحرب ثم التركيز على جهود التنمية. ومنذ نهاية الخمسينيات بدأ البنك يركز عملياته على قضايا التنمية في دول العالم الثالث.

ومن خلال تتبع حقوق الدول الأعضاء فالمساواة غير موجودة حيث تستمد الحقوق بمدى مساهمتها في رأس المال مما يجعل الدول الصناعية أقوى، وإذا كانت الدول الأوروبية هي المستفيدة من نشاط البنك في 16 سنة الأولى ثم أصبحت دول العالم الثالث هي الأكثر استفادة بعدما تحولت عمليات البنك إلى التنيمة، وفي أثناء رئاسة روبرت ماكنمارا تحول الاهتمام الى قضايا التوزيع والعدالة ولم يعد النمو وحده كافياً وساد وقتها شعار النمو.

ومع إعادة التوزيع ومع ظهور أزمة المديونيات في الثمانينيات اتجه الاهتمام الأكبر إلى تمويل برامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي. ومن الملفت للانتباه أن قروض البنك الدولي تتم مع شروط للسياسة الاقتصادية حيث قروض البنك خاصة على صعيد الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي هي قروض لضمان تنفيذ سياسات اقتصادية محددة بأكثر مما هي قروض لتنفيذ مشروعات معينة.
 
وفي نفس الاطار تمخض عن هذا البنك مؤسسات شقيقة تعمل معه في إطار ما يسمى بمجموعة البنك الدولي وهي تشمل مؤسسة التمويل الدولي (IFC) وهيئة التنمية الدولية (IDA) والوكالة متعددة الأطراف لضمان الاستثمار (MIGA) .


ب- صندوق النقد الدولي :
 
عهد للصندوق الدولي أخطر مهمة في فترة ما بعد الحرب وهي العمل على استقرار أسعار الصرف وحرية التحويل العملات. كما أن الصندوق كان معني بأمور الدول الغنية بينما البنك الدولي كان منهمكا في أمور الدول النامية.ولقد تجاذب إنشاء هذا الصندوق تباين النفوذ الامريكي والبريطاني وما بين آراء كينز ووايت, أيضاً تم  الآخذ بمقترحات وايت وأصبحت هي أساس النظام الجديد الذي تم الاتفاق عليه في بريتون وودز 1944 حيث تم اعتماد مشروع وايت القائم على أساس مبدأ الإيداع في حين كان مشروع كينز قائم على مبدأ فتح الاعتماد.
 
تم اعتماد ثبات أسعار الصرف ولكن هذا الثبات لم يكن مطلقا حيث أجيز تعديل هذه الأسعار إذا توافرت ظروف خاصة. ومع مرور الوقت تم تغيير هذا المبدأ, وإذا كانت أحكام الصندوق قد جاءت نتيجة للأوضاع الاقتصادية السائدة عند نهاية الحرب، فقد عرفت هذه الاوضاع تغيرات كبيرة لم تلبث أن انعكست على نظام الصندوق الذي أخذ بنظام مختلف منذ منتصف السبعينيات نظام أسعار الصرف المتغير.


ج- الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات)
 
تم إنشاؤها كحل مؤقت لحين إنشاء منظمة التجارة الدولية وقد تم توقيع اتفاقيتها عام 1947 ومن الجدير ذكره أن الجات لم تكن منظمة دولية بل مجرد اتفاق بين الدول الموقعة وقد كان الهدف المعلن من الجات زيادة حجم التجارة عن طريق تخفيف العقبات أمام التجارة الدولية ومع ذلك لجأ العديد من الدول وخاصة الصناعية إلى الاحتماء بنصوص "الوقاية" لوضع قيود على واردات الدول الاخرى وقد قدر عدد المرات التي تم استخدام فيها سلاح الوقاية 151 مرة حتى عام 1993 منها 136 مرة من الدول الصناعية المتقدمة ناهيك عن استخدام إجراءات مقاومة سياسات الاغراق مما أعادنا إلى الآخذ بالسياسات الحمائية.

على الرغم من الترتيبات الخاصة للدول النامية القائمة على توفير معاملة تفضيلية إلا أن الدول النامية قد عانت بشكل كبير جراء القيود الكمية التي فرضتها الدول الصناعية على الواردات الزراعية ، والمنسوجات وهما يمثلان أهم صادرات الدول النامية. 

من الملاحظ أن الجات كتدبير مؤقت قد حكمت معظم العلاقات التجارية في النظام الاقتصادي الدولي خلال النصف الأخير من القرن العشرين، ومع نهاية الحرب الباردة تم إنهاء هذا التدبير المؤقت والانتقال إلى استكمال هذا النظام بمؤسسة منظمة التجارة العالمية.


د- مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الاونكتاد 1964)
 
بعد تحول الجات عملياً الى أداة في أيدي الدول الصناعية كما يرى المؤلف فقد جاء إنشاء مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عام 1964 كجهاز يضم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ويتبع الجمعية العامة وكان إنشاء هذا الجهاز كمسار جذب وإغراء بين الدول النامية. والصناعية ويلعب راوول بربيش R. Prebisch صاحب نظرية تدهور معدلات التبادل في غير مصلحة الدول النامية دوراً مهماً في بلورة أفكار هذا المؤتمر وأصبح أول سكرتير عام للجهاز.

ساهم جهاز الانكتاد في دعم جهود الدول النامية في الدفاع عن مصالحها التجارة مثل نظام التفضيلات المعمم 1971، والنظام العالمي للتفضيلات المعممة للتجارة 1989، وشبكة نقط التجارة 1994، وعلى الرغم من عدم وجود سلطات تنفيذية للمؤتمر إلا أنه ساعد على رفع صوت الدول النامية في أهمية ربط قضايا التجارة باحتياجات التنمية.


                                         المبحث الثاني
                  
                  تطور الاقتصاد العالمي في الربع الأخير من القرن العشرين
 

منذ بداية السبعينات تغيرت الأوضاع العالمية وبدأت الأزمات العالمية تتوالى منها ازمة الغذاء في 1970, وأزمة الطاقة في 1973, وأزمة الميونية في 1982, فضلا عن أزمة التنمية وأزمة الاشتراكية منذ السبعينات, واذا كان العالم قد عرف في معظم أجزائه مشاكل عدة منذ السبعينات فقد عمدت الدول الصناعية الغربية إلى إعادة النظر في هياكلها الاقتصادية والمؤسسية لاستعادة حيويتها منذ نهاية السبعينات, أما الكتلة الاشتراكية فقد أغفلت مواجهة مشاكلها حتى تفاقمت بشكل كبير. 

تفاعلت تطورات اقتصادية وتكنولوجية بالغة الاهمية , ساعدت على إفراز العديد من مظاهر الخلل وعدم الاتساق بين مؤسسات ونظم بالية وبين حقائق جديدة, ومن أهم هذه التطورات الثورة التكنولوجية وما أدت إلية من تغير في المعطيات الاقتصادية للعالم المعاصر, وقد واكبت هذه التطورات التكنولوجية تغيرات أخرى لا تقل عنها أهمية في الؤسسات والسياسات العامة كان لها بدورها أثار بعيدة المدى.


أولاً : أزمات الاقتصاد الدولي 1970 – 1999
 
هناك دائماً سياسات في كل وقت لمواجهة المشكلات , والفارق بين ربع القرن الأول بعد نهاية الحرب الثانية وربع القرن التالي هو أن السياسات الاقتصادية السائدة كانت أكثر نجاحا في مواجهة هذه المشكلات خلال الفترة الأولى ومن هنا النجاح, في حين أنها كانت أكثر عجزاً وقصوراً في الفترة التالية ومن هنا تكون الأزمات فعندما نتكلم عن الأزمات فإننا نعني بشكل عام عجز الحلول والسياسات الاقتصادية وقصورها عن مواجهة تلك المشكلات، 

أن وجود المشاكل والتحديات الاقتصادية هو قدر الإنسانية وحياتها ولا مفر منه، حيث لا يعرف الإنسان ولن يعرف حياة اجتماعية من دون مشاكل. والجديد منذ نهاية الستينيات هو أن المشاكل الاقتصادية بدت مستعصية على السياسات القائمة وظهرت بوادر فشل هذه السياسات وتفاقم المشاكل وعجز السياسات، ومن هنا الحديث عن عصر الأزمات.

من أهم مظاهرهذه الأزمات والتي توالت الواحدة بعد الأخرى حيناً أو تداخلت فيما بينها أحياناً وهذه الأزمات هي :


أ-  أزمة نظام النقد الدولي:
 
مع نهاية الحرب العالمية الثانية انشغل العالم بوضع قواعد جديدة لنظام النقد الدولي في ضوء التجارب الماضية وفي الوقت نفسه كان الحنين لنظام ما قبل الحرب العالمية الأولى كبيراً وبالتالي لم يكن من الغريب أن يتجه واضعوا اتفاقية بريتون إلى الأخذ بنظام ثبات أسعار الصرف وأن السبب في أزمة النقد الدولي ترجع إلى أن النظام الذي تم اتباعه في ثبات أسعار الصرف كان قائم على عدم إخضاع الدول توازنها الداخلي للظروف الخارجية وبالتالي لقاعدة الذهب بعكس ما كانت عليه الحال قبل الحرب العالمية الأولى وبالتالي واجه النظام النقدي عقبات لم تعرفها قاعدة الذهب، ناهيك عن جمود أسعار الصرف الناتج عن النمو الكبير في حركات رؤوس الأموال مما جعل القيمون على النقد يؤكدوا على التشدد في تغيرات أسعار الصرف تجنبا للمضاربة.

ونتيجة زيادة المعاملات الدولية كان لا بد من توفير كميات كبيرة من السيولة الدولية وكان هناك عدة طرق للوصول لذلك:

1– عن طريق الذهب: ولكن إنتاج الذهب لم يكن كافياً لمواجهة احتياجات العالم من السيولة الدولية، كما إن فكرة رفع ثمن الذهب ومن ثم جمع السيولة الدولية لن تلقى القبول فلأسباب سياسية ترفض بعض الدول منح الدول المنتجة للذهب مكاسب مجانية (جنوب أفريقيا ، الاتحاد السوفياتي) كما أن منطق النظام القائم على ثبات أسعار الصرف بالنسبة للذهب كان يتعارض مع ترك ثمن الذهب يرتفع.

2 – الاتفاق على قيام سلطة دولية بإصدار نقود دولية.

3 – استخدام إحدى العملات الوطنية كنقود دولية.

ونتيجة للظروف التي لم تكن مواتية لإصدار نقود دولية على الرغم من أن كينز قد طرح هذا الموضوع في مشروعه فلم يكن هناك مناص من استخدام إحدى العملات الوطنية كنقود دولية الى جانب الذهب في تسوية المدفوعات الدولية ولقد كان الدولار أكثر العملات تهيئاً للقيام بهذا الدور. ولقد نتج عن ذلك الوضع أن حققت الولايات المتحدة وتمتعت بمكاسب احتكارية باعتبارها السلطة التي تصدر الدولار. حيث أن الدول لكي تحصل على الدولار يجب أن تتنازل عن أصول مختلفة في حين أن الولايات المتحدة لا تتكلف شيئاً في سبيل إصدار هذه الدولارات (الطبع والادارة فقط).

مع مرور الوقت أصبح هناك تعارض ما بين الدولار كعملة نقدية دولية وبالتالي هناك اعتبارات المسؤولية الدولية وبين احتياجات السياسة الداخلية الأمريكية مما يؤدي إلى الارتباك وخاصة مع تغليب المصالح الوطنية الأمريكية الذي يؤثر بالتالي على الاستقرار الدولي وكان أهمها قرارات الولايات المتحدة ما بين 1968 و1971 إلى منع تحويل الدولار الى ذهب. 

أن تطور الاقتصاد العالمي وظهور ألمانيا واليابان على الساحة الدولية الاقتصادية طرح تساؤلات حول قيمة الدولار التي لم تعد معبرة عن حقيقة الاوضاع، مما ادى في عام 1972 إلى تشكيل اللجنة الوزارية لإصلاح النظام النقدي في جنيف.

ولكن مع الاستقرار النسبي نتيجة اتفاقية سميثونيان 1972 ما لبثت الأزمة أن تعود من جديد (المضاربات) مما جعل الولايات المتحدة أن تقوم بتخفيض الدولار في عام 1973 مما أدى إلى العودة الى تقويم العملات ومع بروز أزمة البترول ونتيجة الضغوطات تم في عام 1976 (جامايكا) تعديل اتفاقية صندوق النقد الدولي لتصبح الدول الحرة في اختيار نظام الصرف وهو الحل الوسط ما بين الطروحات الأمريكية والفرنسية. 

أصبح النظام النقدي (هجين) غير معروف الهوية فهو نظام قائم على الدولار وهو نظام يعتمد أساساً على تعويم العملات، وهو نظام لا يضع ضوابط على الدولار الورقي بعد تحرره من القابلية للتحويل الى ذهب .
 
يتبع .....

2010-01-17

النظام الاقتصادي الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب البارده (1)





سلام الربضي *

مجلة صوت العروبة \ واشنطن
/www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=1829


تتعرض هذه الدراسة لأهم التطورات الاقتصادية على الساحة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وهي بمثابة إلقاء نظرة على الخطوط الرئيسية لأهم التطورات الاقتصادية العالمية, غداة الحرب العالمية الثانية, وإعطاء صورة عن أوضاع العالم عند نهاية الحرب الثانية وأهم المشاكل التي كانت مطروحة آنذاك والحلول والسياسات المتبعة لمواجهة هذه المشاكل والظروف. كذلك متابعة التطور الاقتصادي العالمي في الربع الاخير من القرن العشرين توضيح كيفية عمل وتطور النظام الاقتصادي من خلال الزمن وكيفية التأقلم مع الاحداث المستجدة سواء كانت سياسية أو اقتصادية.


                                   المبحث الأول

     النظام الاقتصادي الدولي غداة الحرب العالمية الثانية:


الاوضاع الاقتصادية عند نهاية الحرب العالمية الثانية والمؤسسات الاقتصادية الدولية. فرضت نفسها وكان لها تأثير كبير في التطورات اللاحقة للنظام الاقتصادي العالمي ولقد ظهرت هذه الاحداث عندما وضعت الحرب أوزارها ولم تكن مطروحة في السابق ولهذه الاحداث أثر كبير في اتجاهات السياسات الاقتصادية اللاحقة وهي تمثل مع المؤسسات الدولية المنشأة نقطة بداية للنظام الاقتصادي الدولي المعاصر.

أولاً : الأوضاع الاقتصادية.

هناك عدد من الأمور التي فرضت نفسها وكان لها تأثير كبير في التطورات الاحقة للنظام الاقتصادي العالمي .

أ- إعادة التعمير، وقضايا النمو الاقتصادي:

حلفاء الحرب استفادا من الدروس السابقة وخاصة على مستوى كيفية التعاطي مع الخصم المهزوم وعدم إعادة تجربة فرض عقوبات على الدول المنهزمة كما حدث مع ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى. بالإضافة الى الخراب وحجم التدمير الكبير الذي حل بروسيا وألمانيا واليابان الذي يتطلب استثمارات هائلة لاستعادة النشاط الاقتصادي. كما أن الحرب جاءت بعد ذلك بخطر جديد كان لا بد من مواجهته وهو خطر الشيوعية الذي بات يهدد أوروبا المنهكة من الحروب. 

هذه الظروف الصعبة واستمرار الاوضاع الاقتصادية المنهارة لأوروبا هي بمثابة تدعيم للحركات الشيوعية التي وجدت في تلك الظروف المناخ الملائم لدعوتها، ومن هنا كان التحرك الأمريكي وأخذ زمام المبادرة من خلال ما يعرف بمشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا اقتصادياً بما فيها الدعوة أيضا الى الاتحاد السوفيتي للمشاركة، ولكن قد لا تكون هذه هي الاسباب الوحيدة وراء مشروع مارشال, ذلك أن الاقتصاد الأمريكي كان بحاجة لهذا المشروع خاصة أن الاقتصاد الأمريكي منذ 1929 يعاني ركود وجاءت الحرب لتنعش الاقتصاد الأمريكي حيث أضافت طاقة إنتاجية كبيرة .

على عكس معظم الدول المحاربة التي اضطرت الى تحويل جزء من اقتصادها المدني إلى المجهود الحربي، فقد نجحت الولايات المتحدة في أن تضيف إلى طاقاتها الإنتاجية طاقات جديدة لأغراض الحرب دونما أي تأثير ملموس في إنتاجها المدني القائم. وبعد نهاية الحرب، بدأت تصفية اقتصاد الحرب، ظهرت مخاوف الانكماش من جديد حيث كان لا بد من تحويل الموارد المستخدمة للأغراض العسكرية إلى الاغراض المدنية بالاضافة ألى أن خروج أوروبا محطمة من الحرب أضعفت كثيراً من قدرتها على الاستيراد من الولايات المتحدة .

أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب باقتصاد قوي جداً مقابل عالم بالغ الضعف من حيث القدرة على الإنتاج والتبادل، ومن هذا المنطلق كانت الدعوة الى تعمير أوروبا خدمة للاقتصاد الامريكي.

بغض النظر من التجاذب ما بين البعض الذي يرى أن هذا المشروع قد حقق نجاحا لا مراء فيه والبعض الاخر الذي يرى أن سبب نجاح هذا المشروع يعود بالدرجة الاولى إلى القدرات الأوروبية, فهذا المشروع كان بمثابة النواة التي ساعدت على توجيه التطورات الاقتصادية اللاحقة لأوروبا في اتجاهات حرية التجارة والتعاون الاقليمي والاخذ باستراتيجية النمو الاقتصادية,

أهمية مشروع مارشال تكمن بما ترتب على تنفيذه من توجهات في السياسة والمؤسسات الاقتصادية، حيث كان من الممكن للدول الأوروبية أن تتجه نحو الاّخذ بسياسات التقييد والرقابة التي عرفوها أثناء الحرب ولكن جاء المشروع قائما على أساس النظام الاقتصادي العالمي القائم على حرية التجارة وحرية انتقال رؤوس الاموال .

ب- المواجهة الأيديولوجية والاستقطاب بين نظم التخطيط المركزي ونظم السوق:

أن نهاية الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة خاتمة لمرحلة تاريخية انتهى معها النظام القديم القائم على الدولتين الصناعيتين الاستعماريتين في بريطانيا وفرنسا، وإحالتهما الى دولتين من الدرجة الثانية في حين قفز الى المقدمة كل من الولايات المتحدة الأمريكية وتدعو إلى النظام الحر من ناحية والاتحاد السوفيتي ويدعو إلى الاشتراكية من ناحية أخرى.

من الظريف ذكر، أن قبل مائة عام من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعلى وجه التحديد في عام 1835 كتب المفكر الفرنسي (Alexis de Tocqueville) في كتابه "الديمقراطية في أمريكا" يقول: " إن الشعبان الروسي والأمريكي ومع بدايتهما المجهولة يحتلان فجأة مقدمة الصفوف وهما مع ذلك مختلفان فالأمريكيون في صراع مع الطبيعة وقيودها، والروس في صراع مع البشر. إحداهما يحارب الصحراء والبربرية والاخر يحارب بالسلاح، وهما على رغم اختلافهما مدعوان بدور حاسم في مستقبل العالم".

بغض النظر عن تفضيلات توكفيل فقد كانت كلماته وقبل أن يسمع العالم بماركس، أشبه بالنبؤة، التي تحققت بعد الحرب العالمية الثانية وبدأت المواجهة بين النظامين عند نهاية الحرب وكانت المواجهة الأولى بينهما حول أزمة ألمانيا وأزمة برلين ولم تلبث أن قامت مواجهة أخرى في الشرق الكوريتان. وأصبح على كل كتلة أن تمتد وتنتشر وتزيد من نفوذها، مما أدى الى قيام الحرب الباردة وانقسام العالم إلى كتلتين غربية رأسمالية وشرقية اشتراكية. ولقد كانت هذه الاحداث من أهم العوامل المؤثرة في التطورات الاقتصادية العالمية اللاحقة وساعد الاستقطاب بين المعسكرين على حركات التحرير السياسية، واستقلال العديد من المستعمرات القديمة وطرح قضايا التنمية الاقتصادية.

ج- الانقسام بين الشمال والجنوب وظهور قضية التنمية:

أن تاريخ الانسان قائم على الانقسام ما بين الأفراد والجماعات إلى أغنياء وفقراء. وهذا الانقسام هو قديم قدم المال، ففي كل عصر وفي كل مكان يوجد فقراء لا يملكون وعادة لا يعرفون وأغنياء يملكون وبعضهم يعرف أيضا. فتعايش الفقر والثراء والتقدم والتخلف والجهل والمعرفة هو تاريخ الإنسانية ولم يكن ذلك نقمة أو عذاباً دائما، بل كثيراً ما كان حافزاً للتغيير وأحياناً للتقدم كما كان في أحوال أخرى سبباً للحروب والدمار. 

في المجتمعات السابقة هذا التمايز والاختلاف ما بين المجتمعات كان محدوداً من ناحية القوة والثراء. وهذه المجتمعات كانت محدودة الاتصال فيما بينها وكانت متقاربة على مستوى أدوات الإنتاج، وجاء العصر الحديث فإذا بالفوارق بين الأغنياء والفقراء تصبح بالغة الخطورة حتى يمكن القول أنها تكاد تكون فروقا في الطبيعة وليس في الدرجة.

ازداد الوعي بهذه الفروق مع نهاية الحرب العالمية الثانية مما أدى الى البروز على السطح قضية الانقسام بين الدول المتقدمة والدول النامية أو المتخلفة ولقد طرحت القضية التنموية الاقتصادية نفسها على المجتمع الدولي وأصبحت أحد هموم الاقتصاد العالمي وقد تأثرت معالجة هذه القضية بالاوضاع السائدة لاسيما بالصراع الايديولوجي السائد بين الغرب والشرق وأصبحت جزءا من لعبة التوازن الدولي.

باحث في العلاقات الدولية*



يتبع (2)

For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com