2011-01-28

الدول النامية والاستثمار المباشر وإشكالية الأولوية في التغيير ج3







سلام الربضي | باحث في العلاقات الدولية.
منبر الحرية بالتعاون مع معهد كيتو | الولايات المتحدة الأمريكية
27 | 1 | 2011.

من الخطأ أن يصبح جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة هدف بحد ذاته، بل من الحكمة أن تسخّر الدول النامية إمكانياتها للاستفادة من تلك الاستثمارات في إطار سياسات التنمية الشامل. ولكن لا يمكن تحديد السياسات العامة الأكثر فعالية لتحقيق تلك الاستفادة بشكل مطلق، بل من الضروري استخلاص العبر من تجارب بعض الدول في هذا الصدد مع الأخذ بعين الاعتبار توخي الحذر عند التطبيق، من منطلق أن لكل بلد إطاراً اقتصادياً وتاريخياً وجغرافياً وثقافياً وسياسياً يختلف عن الآخر.

إن عملية جذب الدول للشركات للاستثمار المباشر، تختلف من الدول الغنية إلى الدول النامية، حيث تعمل الدول المتقدمة على تقديم ما يعرف بالهبات المباشرة في كثير من الأحيان. بينما تلجأ الدول الفقيرة إلى حوافز تخفيض الضرائب. كما أن هنالك ترتيبات تفضيلية، مثل اتفاقيات الاتحاد الأوروبي مع كثير من الدول والتي تعرف بأسم اتفاقيات الشراكة، وكذلك مبادرة الولايات المتحدة الأمريكية لحوض البحر الكاريبي. وأيضاً قانون النمو والفرص في افريقيا الصادر عن الولايات المتحدة. ولكن يجب النظر دائماً إلى مثل تلك الترتيبات على أساس أنها منفذاً مؤقتاً وليس دائماً.

التحدي الأكبر يكمن في إمكانية تحقيق تلك الحوافز الفوائد المرجوة؟ وهل يؤدي ذلك إلى خطر إنفاق الأموال العامة؟ وهل هناك خطر من مدى القدرة على ضمان بقاء تلك الشركات في البلد المضيف؟ومن يضمن بقاءها في حال انتهاء الحوافز أو توقفها؟ أو في حال لم يعد بإمكان الشركات الاستفادة من الترتيبات أو التفضيلات الممنوحه للدول من أجل تشجيعها؟

ومن الممكن استغلال منافع الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تضطلع به الشركات عبر الوطنية استغلالاً أكبر، فلقد بدأت التكنولوجيا تتغير، والعمليات والوظائف قابلة للتجزئة بصورة متزايدة، والحدود الفاصلة بين ما هو داخلي وما هو خارجي للمؤسسات تتبدل. والتحدي الذي تواجهة البلدان التي ترغب بالتطور والتقدم هو كيفية الاستفادة من تلك الشركات استفادة أكبر، وهنا تظهر أهمية السياسات العامة المعتمده من قبل تلك الدول.

ومقدار النجاح الذي يحققه البلد المضيف للاستثمارات أصبح يعتمد على قدرة البلد على تطوير القدرات المحلية، والدول الأكثر نجاحاً في مجال استقطاب الشركات عبر الوطنية هي التي لجأت إلى اتباع نهج ثنائي يستند إلى تنمية القدرات المحلية مع استهداف الموارد والأصول للشركات . والصين تعتبر من أكثر الدول المعتمدة على هذا النهج في استراتيجيتها لجذب استثمارات الشركات عبر الوطنية. 

ومن عناصر هذا النهج :

·        توافق ما هو مستهدف في تشجيع الاستثمار مع الاستراتيجات الإنمائية والصناعية الأوسع نطاقاً للبلد المعني.
·        توفير رزمة من الحوافز بطريقة مركزة لتشجيع الشركات عبر الوطنية على الاستثمار في الأنشطة الرئيسية.
·        إشراك الشركات المنتسبة في تطوير ورفع المستوى المهني والتكنولوجي للموارد البشرية.
·        بنية رفيعة المستوى من قبيل مناطق التجهيز والمجمعات العلمية والمدن الصناعية بالإضافة إلى المناطق الحرة.
·        توفير الدعم الهادف للشركات المحلية للانخراط في العملية الإنتاجية من خلال إدماجها مع الشركات وإعطاءها زمام المبادرة في التصدير.

إن قدرة الدول النامية على الاستفادة من الفرص الجديدة الناشئة عن التنافس بين الشركات يعتمد إلى حد كبير على ما تتخذه بنفسها من إجراءات بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى ما تقدمه الدول المتقدمة من مساعدات سواء على صعيد تطوير القدرات المؤسسية، أو إزالة الحواجز أمام صادرات البلدان النامية خاصة في ظل بيئة تنافسية عالمية تزداد حدة. كذلك من الضروري طرح دور منظمة التجارة العالمية، الذي من الممكن أن تلعبه لتشجيع الدول النامية على التصدير والحد من سياسات الحماية المتبعة من قبل الدول الصناعية، كسياسات الدعم والإعانات المتخصصة، والتدابير الوقائية التي تقوّض فعلاً الفرص المتاحة أمام البلدان النامية لاستغلال ميزتها النسبية على أتم وجه.

ولكن الخوف لا يزال مشروعاً فيما يتعلق بالمنافسة المحتدمة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية بين الدول التي قد تؤدي إلى سباق نحو الحضيض من حيث المعايير الاجتماعية والبيئية، وسباق نحو القمة من حيث الحوافز. فالتفاوت في الموارد المتاحة بين الدول الغنية والدول الفقيرة يضع الآخيرة في موضع ضعف.

الكثير من الأفكار والنظريات تعتبر أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتمثلة بالشركات هي من سلبت خيرات وإمكانيات الدول النامية وأنها تبحث فقط عن مصالحها الخاصة، وجعلت الدولة النامية أكثر تبعية لها. لكن في هذا السياق لا بد من التساؤل عن بعض التطورات الحاصلة في هذا الإطار :


هل كان بإمكان الصين الدولة العملاقة ودول أخرى كالهند وكوريا الجنوبية وإيرلندا تحقيق ما حققته في المجال الاقتصادي دون هذه الاستثمارات ؟
إذا كانت الدول النامية تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية فما هي طرق العلاج؟ وإذا كانت محصلة الأوضاع في كثير من الدول سيئة للغاية، فالحصول على شيء أفضل من لا شيء. فمصر لا تملك أية قدرة على مستوى صناعة السيارات، والآن تمتلك مصانع لتجميع سيارات "BMW" وما نتج عن ذلك من انعكاسات على المستوى التصدير، وخلق فرص عمل واكتساب خبرات ومهارات في مجال صناعة السيارات.

فهل كانت مصر قادرة على فعل شيء من ذلك دون الاستثمار المباشر الأجنبي لشركة "BMW" ؟؟؟

بغضّ النظر عن مصالح الشركات عبر الوطنية، وفي حال تمت مقاربة أبعاد الاستثمار المباشر من زاوية البعد السياسي وما يتركه من آثار هيمنة وسيطرة على اقتصاد الدول النامية، وما يرافقه من تأثير على القرار السياسي لتلك الدول، لا بد من تحديد أولويات التغيير إذا كانت نسبة الاستثمارات الأجنبية والصافية أي مجموع هذه التدفقات إلى البلدان النامية لا تتعدى حوالى 5% من التاتج المحلي الإجمالي لها.

وبالمقابل إذا علمنا أن نسبة الفساد الإداري تبلغ من إجمالي الناتج المحلي للدول النامية ما نسبته 5% وفقاً لتقارير الأمم المتحدة ؟ ألا تطرح هذه المقاربة إشكالية الأولوية في التغيير والإصلاح ؟



2011-01-16

العلاقات الدولية من الواقعية إلى ما بعد الإنسانية.






سلام الربضي باحث ومؤلف أردني في العلاقات الدولية.

مجلة مدارات استراتيجية العدد  السادس 2011 \ اليمن



الواقع العالمي يعبر عن مرحلة إنتقالية، تتميز بها معظم الملفات الدولية، إن لم نقل السياسة العالمية، والقضايا المطروحة عالمياً من الإرهاب، الأسلحة النووية، البيئة، الفقر، إصلاح الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، العولمة ...الخ كل تلك القضايا تجعلنا نتساءل عن الواقع النظري المفسر لقضايا العالم؟

لقد بتنا نشهد تحولات عميقة في بنية المجتمع العالمي، حيث انتقلنا من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة، بالترافق مع صعود ما يسمى باقتصاد المعرفة، بالإضافة لإنتقالنا من الثنائية القطبية إلى الأحادية النسبية، والإنتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ولقد انتقلنا أيضاً من مفهوم مجتمع الأمن النسبي إلى مفهوم مجتمع الخطر، خطرالتلوث البيئي،الإرهاب، جنون البقر،البذور المسرطنة،الاستنساخ، التقنيات الحيوية..الخ

من الواضح إن كل تلك المتغيرات والمعطيات على الصعيد العالمي تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية القائمة على نسق وتوازن دوليين. ويقصد بالنسق الدولي بإنه إنتظام آلي يعبر عن طبيعة العلاقة بين الدول، وهذه العلاقة خاضعة لنوع من التوازن تعبر عن واقع القوة. وما يميز تلك الطروحات النظرية إرتكازها على مبدأين :

1- مبدأ الدولة اللاعب الوحيد على الصعيد الدولي.

2- مبدأ القوة أي توازن دولي قائم على القوة المادية.

ولكن من خلال محاكاة الواقع العالمي المعاصر، نجد أنه أصبح زاخراً بكثير من التطورات وعلى كافة الأصعدة، الذي يلزمنا التوقف عند بعض المعطيات التي يمكن التعبير عنها بالسؤالين التاليين :

هل ما زالت الدولة وحدها القادرة على تحديد العلاقات الدولية؟

هل يمكن تحليل هذا الواقع المستجد من خلال الإرتكاز على معيار القوة المادية فقط؟

أولاً، على صعيد الدولة :

إن أكبر إشكالية مطروحة في عصر العولمة هي جدلية العلاقة بين الدولة والعولمة، لدرجة أن كثيراً من النظريات تبشر بزوال الدولة أو تآكل وأفول مكانتها. وكثير من القضايا التي تجعل من مقولة ' الدولة اللاعب الوحيد في العلاقات الدولية' هي موضع تساؤل؟ سواء على صعيد الفاعلين، أم من باب طبيعة القضايا العالقة، فهناك تزايد لنفوذ فاعلين غير دوليين أصبحوا محددين رئيسيين للعلاقات الدولية كالمنظمات غير الحكومية، الأفراد ، الشركات عبر الوطنية، المؤسسات الإعلامية.

تأكيداً على هذا الوضع يمكن مراجعة ومتابعة الكثير من الأحداث منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين كمفاوضات جولة الدوحة لـ ' منظمة التجارة العالمية' لنرى تأثير المجتمع المدني، والاتفاقيات الدولية كـ ' حظر الألغام' 1997، التنوع البيولوجي ' 2000'، ' كيوتو' للبيئة 1998.وحملات الغاء ديون الدول الفقيرة. وكذلك تأثير الشركات عبر الوطنية في الاقتصاد العالمي، يعكس واقع طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة. كما إن القضايا العالقة او المشكلات الدولية تهم العالم كله، ولم تعد وقفاً على الدول بذاتها. وطبيعة تلك القضايا أو الظواهر، خرجت عما هو مألوف في العلاقات الدولية، فمثلاً مشاكل البيئة هي مشكلة بين الإنسان والطبيعة. وليست مشكلة بين الدول، وذلك من خلال التشخيص الدقيق لتلك الظاهرة.

وفيما يتعلق بظاهرة الإرهاب، فنحن أمام وقائع تتم ليست على أيدي دول، إنما على أيدي منظمات أو شبكات أو أفراد غير معروفة العنوان أو الهوية. أو حتى ليس لها مركز واحد لصنع القرار. وبالتالي فنحن أمام علاقات دولية جديدة لا تزال في طور الإكتشاف، وهذا النوع من العلاقات يتناقض مع منطق العقل التقليدي، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم الدولة التقليدي. بالإضافة إلى التغيير الذي يحصل في مواجهة تلك الظاهرة، ومن هنا تأتي إشكاليات تعريف الإرهاب والعدوان.

وبنظرة للواقع العالمي، نرى أنه حدث تحول كبير لمفهوم الأمن الجماعي أو العالمي، بحيث لم تعد النظرة الكلاسيكية المرتكزة على تحقيق أمن الدولة الأمن السياسي بالمعنى الضيق، هي التي تحكم واقعنا، بل أصبح مفهوم الأمن الإنساني بجميع أبعاده الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، هو السائد في عصرنا الحاضر. فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات بل بمدى الاستجابة للحاجيات الأساسية للإنسان.

وأصبح مفهوم التنمية المستدامة اكثر رواجاً وهو الذي يحاول التوفيق بين تلك الحاجيات الأساسية للإنسان، وبين قدرة البيئة على تلبيتها، وفقاً لمبدأ المحافظة على إمكانات أرضنا من أجل إستفادة أحفادنا منها. بنية المجتمع العالمي المعاصر تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية، فالواقعية ترى العالم على هيئة نظام تهيمن عليه الدولة، وهدف هذه الأخيرة تحقيق الأمن والقوة والسلم. لكنها اليوم لم تعد هي محور النظام وحدها، وأمام هذا الواقع نجد انفسنا أمام حالتين :

1- حال تخضع لدوافع تقليدية في البحث عن القوة والمصالح والسيادة.

2- حال تخضع لدوافع الاستقلالية وتجاوز الدول.

ثانياً، على صعيد القوة:

المشكلة لا تكمن في مدى أهمية القوة في السياسة العالمية، وإنما حول إمكانية تفسير أنماط القوة وأشكال إستمرارها بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية فقط .أم يجب أيضاً، التركيز وإدراج الجوانب الثقافية عند التحليل؟ 

 فالتفاعل على المسرح الدولي هو تفاعل ثقافي وليس تفاعلاً مادياً فقط، فإذا اخذنا أكثر القضايا سخونة على المستوى العالمي كالإرهاب، الأسحلة النووية، البيئة، لا يمكن إيجاد مقاربة نظرية لها، بعيداً من البعد الثقافي سواء في تحليلها أو حلولها. فقضية الأسلحة النووية لم تعد مطروحة من منطلق وجود الأسلحة النووية بحد ذاتها، إنما الأهم في كيفية فهم وجود هذه الأسلحة ؟؟؟ 

فالولايات المتحدة لا تقلق كثيراً من إمتلاك دول مثل بريطانيا أو فرنسا للأسلحة النووية، على عكس موقفها من إيران أو كوبا، أو ليبيا أو كوريا الشمالية. كما إن قضية الإرهاب منذ احداث 11 أيلول تعطي دلالات جديدة ليس أقلها التعبير عن إنبثاق الثقافة كعامل أساسي في تحليل وتحديد العلاقات الدولية. والعولمة بالمفهوم الواسع أصبحت مسكونة بهاجس التعايش الثقافي، لا بالاقتصاد والتكنولوجيا فحسب، فنحن أمام مفهومين نقيضين :

1- مفهوم الأمبريالية الثقافية ويقصد بها حصراً ' الأمبريالية الثقافية الأميركية'.

2- مفهوم الأصولية الثقافية، ممثلة بالأصوليات الدينية، كالأصولية الإسلامية اليوم, كما الأصولية الأرثوذكسية البارحة والكاثوليكية من قبلها.

وبالتالي فإن مسألة الإرهاب لا يمكن إيجاد مقاربة لها وفقاُ لمبدأ القوة المادية ( التوازن).

وفي ما يخص مسألة البيئة والتنمية المستدامة، فإنها تطرح وبإلحاح مسألة القيم وتحولاتها، فلم تعد القضية تقف عند حدود الدول بل أصبحت مرتكزة إلى الإنسان بذاته. فالبيئة ومخاطرها تعكس علاقة الإنسان بأرضه، وقضايا التنمية المستدامة والفقر، فلم يعد بالإمكان إيجاد حلول لها على صعيد الدول فقط. والمسألة ليست مطروحة عملياً وعلمياً بين دول غنية ودول فقيرة، بل بين إنسان فقير وآخر غني.

تقارير الأمم المتحدة زاخرة في تحليل هذا الواقع، كما إن التنمية المستدامة قائمة على هاجس السؤال الآتي :

كيف يمكننا وضع حد لانتهاك الموارد القائمة الذي قد يقضي نهائياً على إمكانيات التنمية المستدامة؟

وهل يمكن حدوث ذلك للحفاظ على حظوظ الآجيال القادمة، من دون عقد ثقافي أخلاقي؟

وما هي السبل التي نملكها لمواجهة متطلبات أخلاقية وإنسانية تتضمن إطاراً عاماً للأمن البشري؟

البعد الثقافي أصبح في صلب التحولات العالمية، وإستدعاؤه في التحليل ضروري لفهم هذه الديناميات الجديدة التي يتحول بها العالم. وإذا كانت العلاقات الدولية قائمة على المصالح وستبقى كذلك في كثير من المجالات، ولكن لا بد من دراسة المثل وهويات الدول وليس فقد المصالح، فالهوية تعبر عن الواقع الاجتماعي( من هم الفاعلون)، أما المصالح فتعبر عن الرغبة وعن ماذا نريد. بالتالي فالهوية تسبق المصالح، حيث الشخص لا يمكن أن يحدد ما هي رغباته وأهدافه ومصالحه من دون معرفته هويته من هو أولاً.

إن التحديات العالمية الجديدة، تتطلب أجوبة جديدة، أي علينا أن نعرف ما إذا كان العالم الجديد الذي ترسم ملامحه، يفترض منا إعادة تقويم جذرية للعقود الاجتماعية التي تشكل عماد مجتمعاتنا المحلية والعالمية؟ 

وتلك التحولات الشاملة تستوجب جهداً إضافياً على الصعيد النظري، فهل نحن في حاجة لنسق فكري جديد؟

من الواضح أن الإنساق الفكرية المغلقة على طراز مقولة أن ' الماركسية' هي الحل أو أن 'الرأسمالية' هي الحل، وأيضاً من يقول بأن ' الإسلام' هو الحل، هذه الإنساق المغلقة، لم تعد أبواب عالمنا المعاصر مفتوحة لها، كما إن الثنائيات الزائفة التي سادت القرن العشرين، أما الرأسمالية أو الماركسية، أما القطاع العام أو القطاع الخاص، أما العلمانية وأما الدين، أيضاً كلها سقطت إمام دينامية الواقع الحالي. لقد انتقلنا، ولا مجال للشك، إلى مرحلة الإنساق الفكرية المفتوحة، وجديدها الأهم, هو أنه سيحصل تركيب بين عناصر متضادة ما كان يمكن الظن يوماً إنه يمكن أن تتركب منها أطروحة واحدة.

هذه الأطروحة التي تجنح نحو القول بأن تفكيك الإنساق المغلقة يستبقه تشكيل'منظومات', تجتمع فيها عناصر متضادة لم يكن يحسب يوماً لها أن تجتمع. ألا تستحق التجربة الصينية التوقف عندها؟ فإن واقع الصين الراهن، وكيف تتجاوز وتتعايش الرأسمالية في أكثر أشكالها تجلياً ووضوحاً في النظام الاقتصادي مع نظام سياسي شيوعي، إذ لم يكن يدور في ذهن أحد أن يقود هذا النظام عملية تنمية رأسمالية.

وهناك نموذج آخر ليس ببعيد عن عالمنا العربي، ألا وهو تركيا، فالإسلام التركي حيث تتجاور الفكرة العلمانية مع الفكرة الإسلامية، في مشهد سياسي لا تشهد فيه إضطراباً أو تنازعاً أو تضاداً أو تجافياً ما بين الفكرين. ونحن في إنتظار عامل الزمن الذي سوف يحكم على تلك الإنساق المفتوحة التي سيكون لها التأثير الكبير، على الصعيد النظري المفسر لقضايا العالم، كما بالنسبة لتجديد موازين القوى في العلاقات الدولية.

لقد إعاد القرن العشرين النظر في ثوابتنا اليقينية في ما يتعلق بالمجتمع والتاريخ والإنسان والقيم. وإذا كانت العلمانية حاولت أن تكون البديل عن إخلاقيات الديانـات الكبرى ( العلم، التقدم، التحرر، الإنسانوية). لكن على ما يبدو فإن تطور العلم والتكنولوجيا وهو العامل الحاسم وغير المتوقع، والذي لا يمكن كبح جماحة في التغيير، يهدد مستقبلنا ويؤدي بنا إلى إنسانية لا نعرف ماهيتها .

فهناك كثير من النظريات التي تحاول ملء الفراغ الفكري لعالمنا المعاصر، منها نظرية نهاية التاريخ، نظرية صراع الحضارات، نظرية ما بعد الحداثة، ولكن قد يكون أخطرها نظرية يحلو للبعض أن يطلق عليها تسمية 'ما بعد الإنسانية'. فلقد دخلنا مرحلة تطور ثوري لعلوم الحياة خصوصاً ' البيوتكنولوجيا'، مما سينتج تحولات جذرية في حياة الإنسان, تتيح في الأساس إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية. لندخل بذلك مرحلة تاريخية يكون لها تأثيرات إجتماعية، أخلاقية، سياسية، اقتصادية جذرية.

فهل في المستقبل القريب علينا أن نواجه خيارات أخلاقية في الثورة البيوتقنية أي في مجال التقنيات الحيوية ومنها الهندسة الوراثية؟

والسؤال الذي يطرح هو: 

إلى أي حد يمكن إستعمال التكنولوجيا لتحسين الخصائص الوراثية؟

وإذا كانت تلك الأبحاث قائمة على إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية، فجدليات عديدة فلسفية وسياسية سوف تطرح حول العديد من المفاهيم الأساسية :

أ- المساواة بين البشر.


ب- القدرة على الاختيار الأخلاقي.


ج- تغيير إدراكنا وفهمنا للشخصية والهوية الإنسانية.


د- التأثير في وتيرة التطور الفكري والمادي، وفي السياسة العالمية بصفة عامة.

وقد يكون أخطر ما في جعبة تلك الثورة ' البيوتقنية' هو أنها تزيد من الهوة الموجودة بين المجتمعات والأفراد، الأغنياء والفقراء، حيث بإمكان الأغنياء توظيف ثرواتهم للتحكم في الجينات، وإعادة الهندسة الوراثية لهم ولأولادهم. وبالتالي فإن التحولات ' البيوتقنية' قد تزيد من حدة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء، بحيث تضاف إلى الهوة الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والرقمية، هوة بيولوجية، ستكرس للامساواة على مستوى تكويننا البيولوجي.

إذاً مستقبلاً نحن أمام عالم ' ما بعد الإنسانية' سيكون أكثر تراتبية ومليئاً بالصراعات الاجتماعية. ولا مكان في داخله لأي مفهوم حول ' الإنسانية المشتركة'، إذ سيتم تركيب جينات بشرية مع جينات أخرى، بشكل يجعلنا لا نعلم ما معنى وماهية الكائن الإنساني.

هذا الواقع المستجد الذي يعبر عن ملامح مجتمعنا العالمي، وتحديداً من منظور فن التساؤل حول الواقع النظري المفسر لقضايا العالم، لا يمكن أن يقتصر النقاش فيه حول ملامح هذا النسق الجديد، بل إن التحدي الجديد في زمن العولمة يكمن في :

كيف وما هي السبل لمواجهة هذا النسق الجديد؟

وهل تحمل النظريات التقليدية ومنها الواقعية في طياتها الإجابة؟

وإذا كان الطموح، هو نشوء نسق كوني من القيم, يحكم سلوك الشعوب والمؤسسات. فهل ستكون مسألة القيم وتحولاتها في صدارة الأسئلة الفكرية الراهنة والمستقبلية؟

وهل إنتقل التركيز والاهتمام في تحديد العلاقات الدولية، من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية إلى العوامل الثقافية، كقوة مؤثرة ودافعة في الشؤون الدولية؟

وإذا كانت المسافة الزمنية لملامح هذا النسق الجديد لم تتجاوز 20 عاماً، وهي مدة، وفقاً للمنهج التاريخي، لا يمكن أن تعطي دلالات ثابتة يمكن البناء عليها، فهل نكون سقطنا في فخ إشكالية الاستعجال في ملء الفراغ النظري المفسر لقضايا عالمنا المعاصر ؟؟؟؟؟

2011-01-12

مشروع مارشال دروس وعبر للتاريخ






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية

الاوضاع الاقتصادية عند نهاية الحرب العالمية الثانية فرضت نفسها وكان لها تأثير كبير في التطورات اللاحقة للنظام الاقتصادي العالمي. ولقد ظهرت هذه الاحداث عندما وضعت الحرب أوزارها ولم تكن مطروحة في السابق، ولهذه الاحداث أثر كبير في اتجاهات السياسات الاقتصادية اللاحقة وهي تمثل مع المؤسسات الدولية المنشأة نقطة بداية للنظام الاقتصادي المعاصر.

بعض المعطيات فرضت نفسها وكان لها تأثير في التطورات الاحقة للنظام الاقتصادي العالمي ومنها : إعادة التعمير، وقضايا النمو الاقتصادي. ومن الواضح أن حلفاء الحرب قد استفادا من الدروس السابقة وخاصة على مستوى كيفية التعاطي مع الخصم المهزوم وعدم إعادة تجربة فرض عقوبات على الدول المنهزمة كما حدث مع ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى. بالإضافة إلى الخراب وحجم التدمير الكبير الذي حل بروسيا وألمانيا واليابان الذي يتطلب استثمارات هائلة لاستعادة النشاط الاقتصادي. كما أن الحرب جاءت بعد ذلك بخطر جديد كان لا بد من مواجهته، وهو خطر الشيوعية الذي بات يهدد أوروبا المنهكة من الحروب.

أن هذه الظروف الصعبة واستمرار الاوضاع الاقتصادية المنهارة لأوروبا هو بمثابة تدعيم للحركات الشيوعية التي وجدت في تلك الظروف المناخ الملائم لدعوتها، ومن هنا كان التحرك الأمريكي وأخذ زمام المبادرة من خلال ما يعرف بمشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا اقتصادياً. بما فيها الدعوة أيضا الى الاتحاد السوفيتي للمشاركة، ولكن قد لا تكون هذه هي الاسباب الوحيدة وراء مشروع مارشال، ذلك أن الاقتصاد الأمريكي كان بحاجة لهذا المشروع خاصة أن الاقتصاد الأمريكي منذ 1929 يعاني ركود وجاءت الحرب لتنعش الاقتصاد الأمريكي حيث أضافت طاقة إنتاجية كبيرة .

وعلى عكس معظم الدول المحاربة التي اضطرت إلى تحويل جزء من اقتصادها المدني إلى المجهود الحربي، فقد نجحت الولايات المتحدة في أن تضيف إلى طاقاتها الإنتاجية طاقات جديدة لأغراض الحرب دونما أي تأثير ملموس في إنتاجها المدني القائم. وبعد نهاية الحرب، بدأت تصفية اقتصاد الحرب، وظهرت مخاوف الانكماش من جديد حيث كان لا بد من تحويل الموارد المستخدمة للأغراض العسكرية إلى الاغراض المدنية. بالاضافة إلى أن خروج أوروبا محطمة من الحرب أضعف كثيراً من قدرتها على الاستيراد من الولايات المتحدة. ومن الواضح، أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب باقتصاد قوي جداً، مقابل عالم بالغ الضعف، من حيث القدرة على الإنتاج والتبادل، ومن هذا المنطلق كانت الدعوة إلى تعمير أوروبا خدمة للاقتصاد الامريكي.

وعلى الرغم من التجاذب ما بين البعض الذي يرى أن هذا المشروع قد حقق نجاحاً لا مراء فيه، والبعض الاخر الذي يرى أن سبب نجاح هذا المشروع يعود بالدرجة الأولى إلى القدرات الأوروبية، فأن هذا المشروع كان بمثابة النواة التي ساعدت على توجيه التطورات الاقتصادية اللاحقة لأوروبا في اتجاهات حرية التجارة والتعاون الإقليمي، والآخذ باستراتيجية النمو الاقتصادية.

أهمية مشروع مارشال تكمن بما ترتب على تنفيذه من توجهات في السياسة والمؤسسات الاقتصادية، حيث كان من الممكن للدول الأوروبية أن تتجه نحو الاّخذ بسياسات التقييد والرقابة التي عرفوها أثناء الحرب. ولكن جاء المشروع قائماً على أساس النظام الاقتصادي العالمي القائم على حرية التجارة وحرية انتقال رؤوس الاموال .





2011-01-08

من الاقتصاد الدولي إلى الاقتصاد العالمي





سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية

من أهم مظاهر الثورة التكنولوجية الجديدة، أنه لا توجد هناك لحظة فاصلة نستطيع القول عندها أن ثورة جديدة قد بدأت. فالتطور بطبيعته تدريجي ومستمر ومتراكم، ومن الضرورة التنبيه إلى إن التاريخ مستمر لا انقطاع فيه. وفي هذا الإطار يمكن طرح التساؤلات التالية :

1- هل هناك علاقة بين التكنولوجيا والثورات الاقتصادية الكبرى؟
2- ما هو دور الدولة في ظل الاقتصاد العالمي؟
3- ما هو الفرق بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي؟
4-هل الثورة المالية ناتجة فقط عن التقدم التكنولوجي؟
5- كيف يمكن مقاربة العلاقات الدولية في ظل الاقتصاد العالمي؟
6- هل هي نهاية الجغرافيا ؟

أن الحضارة الإنسانية لا ترجع إلى أكثر من 1% من تاريخ الإنسان على الارض، وإذا كانت عملية اكتشاف الزراعة ثورة اقتصادية كبرى غيرت في طبيعة الحضارة فإن التغيرات اللاحقة وحتى قيام الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر ظلت طفيفة وهامشية. ولقد كانت الثورة الصناعية بمثابة أخطر انقلاب اقتصادي بعد الثورة الزراعية الأولى. وإذا كان الاقتصاد الصناعي يقوم على اقتصاد السوق والقدرة على القيام بالحساب الاقتصادي، فإن توفير الشروط والأوضاع المناسبة لإجراء هذا الحساب الاقتصادي يعتبر أمر ضروري.

وهناك عدد من الشروط الواجب توافرها سواء على صعيد استقرار النظام القانوني أو النقدي، كذلك فإن الحقوق الشخصية من التزامات مالية وأوراق تجارية وأصول مالية، أضحت هي أساس الثروة في عصر الصناعة. ومن هذا المنطلق، فإن ظهور الدولة المعاصرة كان ضروري لتوفير هذه الشروط. ولقد لعبت الدولة دوراً رئيسياً في التطور الرأسمالي، بحيث لا يمكن أن يقوم نظام رأسمالي بدون وجود الدولة، وهذا يعتبر بمثابة رد على كثير من النظريات الحديثة التي ترى بأن الرأسمالية والعولمة أو ما يسمى بالنيوليبرالية الحديثة قد قضت وسلبت الدولة كل إمكانياتها وأسباب وجودها.

فنحن الآن نعاصر مرحلة جديدة هي مرحلة الانتقال من العلاقات الاقتصادية الدولية إلى الاقتصاد العالمي. وإذا لم يكن بعد الاقتصاد العالمي أصبح حقيقة كاملة فهو على الأقل حقيقة كامنة تمثل مستقبل العلاقات الدولية. والعالمية لا تسري فقط على النواحي التكنولوجية بل تفرض نفسها أيضاً على مختلف النشاطات الصناعية. وأصبحنا يوم بعد يوم نزيد من توحيد المواصفات والمقاييس العالمية الفنية وتنميطها.

كذلك أن الأذواق تسير في نفس الاتجاه، حيث أننا نلمح مولد المواطن العالمي. ولقد بتنا نعيش في عالم أكثر تداخلاً في علاقاته الاقتصادية، بحيث لم يعد من الممكن لدولة ما أن تنعزل عما يجري فيه مهما علت مكانتها.

وإذا كانت الإشكالية الأهم في العولمة قائمة على نظرية صاموئيل هنتجتون حول الصدام الحضاري أو أطروحة فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ. فقد يكون التساؤل الأقرب إلى طبيعة ظاهرة العولمة هو التساؤل عما إذا كنا بصدد نهاية الجغرافيا وليس نهاية التاريخ؟

ولقد أصبح النظام الاقتصادي العالمي الجديد، يوفر سيطرة على الموارد من دون الحاجة إلى الاستيلاء المادي المباشر. سواء كان ذلك عن طريق براءات الاختراع، أو التأثير في الأسواق المالية أو شبكات التسويق، أسعار الصرف، الاسهم ... إلخ.

أن خطورة الجغرافيا تكمن ليس فقط في أنها حدوداً سياسية بل هي مواقع مكانية وموارد طبيعية.وفي ظل الابتكارات التكنولوجية والاكتشافات العلمية يطرح التساؤل حول أهمية الجغرافيا بالنسبة للموارد الطبيعية في ظل زيادة انخفاض القيمة النسبية لإسهامات هذه الموارد في تحديد قيمة الإنتاج بالمقارنة مع الجهود الإنسانية في مجالات البحث والتسويق والابتكار أي اقتصاد المعرفة ؟؟؟؟؟

2011-01-01

الدول النامية وجغرافية الاستثمار الأجنبي المباشر (ج2)





سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية

منبر الحرية \ بالتعاون مع معهد كيتو \ الولايات المتحدة



قد يكون ظهور مصادر جديدة للاستثمار الأجنبي من الدول النامية ذا أهمية خاصة بالنسبة للبلدان النامية المضيفة لتلك الاستثمارات ذات الدخل المنخفض. وشركات اقتصادات الدول النامية هي الآن مستثمرة هامة في العديد من أقل البلدان نمواً . ومن تلك البلدان التي تعتمد أشد الاعتماد على الاستثمار الأجنبي المباشر من الاقتصادات النامية: بارغواي، الصين، تايلند، قيرغيزستان، وأيضاً البلدان الأقل نمواً في العالم وهي أثيوبيا وبنغلادش، تنزانيا، ميانمار.

مجمل الاستثمارات الأجنبية بين الدول النامية تتسم بطابع الاستثمارات داخل المنطقة. فمجموع الاستثمار الأجنبي الوارد إلى عدد من أقل البلدان نمواً من قبل الدول النامية يشكل ما يزيد على 40% من مجموع الاستثمار الوارد لتلك الدول. وحتى عام 1990 لم تكن سوى 19 شركة عبر وطنية من الاقتصادات النامية والانتقالية مدرجة في تصنيف مجلة"FORTANE 500" وما لبث أن ارتفع العدد بحلول 2006 إلى47 شركة، والشركات الخمس عبر الوطنية من الدول النامية المدرجة على القائمة 100 شركة الرائدة في العالم مقراتها في آسيا وثلاث منها تملكها الدول وهذه الشركات هي :

1-هونغ كونغHutchison Whampoa  
2- ماليزياPetronas  
3- سنغافورة Singtel
4- كوريا Samsung 
5- الصين Citicgroup.

ويمكن ملاحظة درجة عالية نسبياً من ملكية الدولة في كبرى الشركات عبر الوطنية من الاقتصادات النامية. وكثير من الشركات الرئيسية التي تملكها الدول قد أخذت تتوسع في الخارج على نحو متزايد خاصة في بعض الصناعات ولا سيما المتعلقة بالموارد الطبيعية، كقيام شركة آرامكو السعودية بشراء حصة بنسبة25% من مصنع تكرير النفط في فوجيان الصين، وشراء شركة اتصالات الكويت المتنقلة لشركة سيلتيل انترناشيونل الهولندية أو قيام شركة موانئ دبي العالمية بشراء شركة  بي أند أو P&O  البريطانية .

والشركات عبر الوطنية من البلدان النامية والانتقالية الأن تتنافس نداً لند مع نظيرتها من البلدان المتقدمة في كثير من القطاعات النفط,الغاز,الصناعات التحويلية كالفلزات,والصلب,والتعدين. وأيضاً الشركات عبر الوطنية من الدول النامية أصبح لها باع كبير في مجال الصناعات المختلفة كصناعة السيارات والأدوات الكهربائية والالكترونية,وقطاع الخدمات التكنولوجية.

 كما أن نصف الشركات البترولية الخمسين الكبرى في العالم هي مملوكة لحكوماتها إما بشكل كامل أو بنسبة الأغلبية ومعظمها في الدول النامية. وتصنيف شركات النفط وفقاً لمعايير محددة يؤكد أن هناك 5 شركات من أصل10 شركات كبرى في صناعة النفط هي شركات بترول وطنية لكل من السعودية، المكسيك، فنزويلا، إيران.

تقوم بعض الدول النامية بالاستثمار في الخارج أكثر مما تفعله بعض البلدان المتقدمة إذا قيس ذلك كنسبة من تكوين رأس المال الثابت الإجمالي، سنغافورة مثال على ذلك36% ،تشيلي7%، ماليزيا 5% بالمقارنة مع الولايات المتحدة7%،وألمانيا4%، واليابان3%. فإذاًً هل نحن اليوم أمام جغرافيا جديدة لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على نحو قد يكمل الجغرافيا الجديدة للتجارة؟ وإذا كانت نسبة كبيرة من استثمارات الشركات عبر الوطنية من البلدان النامية تدخل في إطار الموارد الأولية فهل نحن أمام معادلة جديدة وهي حالة من التبعية المتبادلة، فتطلب الدول المتقدمه المواد الأولية من الدول النامية، مقابل ما تطلبه البلدان النامية من البلدان المتقدمة من السلع المصنعة والتكنولوجيا؟

ومن المتغيرات الملفتة للانتباه في الاستثمار الأجنبي المباشر، ظاهرة تدويل البحث والتطوير من جانب الشركات عبر الوطنية ، وأصبح هناك توّجه الآن يظهر عدداً من السمات الجديدة في عملية التدويل وبصورة خاصة على صعيد أنشطة البحث والتطوي. فالشركات لأول مرة تقوم بإنشاء مرافق للبحث والتطوير خارج البلدان المتقدمة، وتذهب إلى أبعد من مجرد التكيّف مع الأسواق المحلية. فالنشاط في بعض البلدان النامية وبلدان جنوب شرق أوروبا وكومنولث الدول المستقلة، يستهدف على نحو متزايد الأسواق العالمية ويجري إدماجه في الجهود الابتكارية الأساسية التي تقوم بها هذه الشركات.

وعملية تدويل أنشطة البحث والتطوير في البلدان النامية هي أمر يمكن توقعه، وفي ظل زيادة الشركات لنشاطها في الدول النامية، يمكن توقع أن يلي ذلك قدر من البحث والتطوير من منطلق التكيّف. ونشاط البحث والتطوير يعتبر شكلاً من أشكال أنشطة الخدمات، فهو يتجزأ، ويمكن إجراء أجزاء معينة منه في الأماكن التي يمكن أداؤها فيه بأعلى كفاءة، وهذا ما تقوم به على سبيل المثال شركة موتورلا للبحث والتطوير في الصين, مركز تويوتا التقني في تايلند, مركز البحوث العالمي السادس لشركة مايكروسوف في الهند.

للإفادة من اقتصاد عالمي معولم ومترابط على نحو متزايد، يتعين على البلدان أن تعزز قدراتها على عرض خدمات تنافسية، وأهم إسهام للاستثمار هو جلب رأس المال والمهارات والتكنولوجيا، التي تحتاج البلدان إليها لإقامة صناعات ذات قدرة على المنافسة. وينبغي معالجة قضايا الاستثمار المباشر حسب ما تقتضيه الخصوصية، وليس على أساس مفاهيم مستعارة من نماذج أكثر تقدماً. وإن تقديم الضمانات القانونية، وتحرير الأسواق قد تحتوي وتنطوي على مخاطر. لكن إعادة ترتيب جذرية الأولويات الوطنية للبلدان وتخصيص الموارد وفقاً لزيادة الاستثمار، والعمل على تحسين ظروف الهياكل الاجتماعية على أساس الكفاءة والجدارة، قد يشكلان ميزتين أكثر ملاءمة وفعالية.

يجب الحذر عند اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر، فالاستثمارات في بعض القطاعات كقطاع الخدمات، قد تكون احتكارات طبيعية كالمرافق العامة، وتكون عرضة لإساءة استعمال القوة السوقية، سواء كانت الشركات محلية أو أجنبية. من هذا المنطلق على البلدان ان تقيم توازناً بين الكفاءة الاقتصادية والأهداف الإنمائية الأوسع نطاقاً، ومحاولة إيجاد توازن بين المحافظة على تطوير واردات الدولة وبين تشجيع الاستثمار والاستفادة منه.


For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com