‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأردن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأردن. إظهار كافة الرسائل

2020-06-30

الأردن والخيارات الاستراتيجية في مواجهة إسرائيل




د. سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية
https://www.academia.edu/43469653/
بادئ ذي بدء، يجب التسليم بوجود استراتيجية إسرائيلية قائمة على تأكيد هيمنتها العسكرية، ورفض أي نوع من التوازن للقوة الذي قد يجبرها على التنازل في خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بترسيخ نفسها كدولة محض يهودية ومنع قيام الدولة الفلسطينية ورفض عودة اللاجئين والمراهنة على تسفير الفلسطينيين للخارج، وذلك عن طريق بناءها للجدار العازل والاستمرار في سياسة توسيع المستوطنات وتأكيد السيطرة على غور الأردن، وهو ما يحدث حالياً. وبالتالي في حال لم يكن هناك توازن إستراتيجي مع الدولة العبرية، سيجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام خيارين: إما الخضوع الدائم للاحتلال المباشر وغير المباشر، وإما الهجرة للأردن وهو خيار إسرائيل الأكثر واقعية لتصفية القضية الفلسطينية، وجعل الأردن الوطن البديل، وحكماً هذا ما يجري تنفيذه بالفعل، وما يزيد من خطورة كل ذلك هو تماهي البعض في العالم العربي مع الخيارات الاستراتيجية الإسرائيلية.

وبناء على ذلك، سيبقى هاجس الخيار الأردني كوطن بديل هو التحدي الاستراتيجي الأخطر(حالياً ومستقبلياً)، وعليه لا بد على الأردن تنويع الخيارات الإستراتيجية التي تساعده على مواجهة التحديات القادمة، والتي يجب أن تتمحور حول:

1-     تمتين العلاقة إلى أبعد حدود مع سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني وجميع القوى الفلسطينية(بما فيها حركة حماس والجهاد الإسلامي) ودعمهم جميعاً بكافة السبل، انطلاقاً من اعتبار دولة فلسطين هي العمق الإستراتيجي الأردني بعينه، والعكس صحيح.

2-     يجب على المستوى العسكري اعتبار نهج حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية في مواجهة إسرائيل (في حرب تموز 2006 وحروب غزة 2009 وما بعدها) النموذج الذي يحتذى، وبالتالي الاستفاده منه في أي مواجهه عسكرية مع إسرائيل.

3-     استقرار الأوضاع في سوريا والعراق جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأردني. وعليه يجب عدم التدخل بشؤونهما والعمل على توطيد العلاقات معهما على كافة المستويات.

4-     تخفيف حدة التوتر العربي الإيراني والعربي التركي والتشجيع على الحوار. والأردن الهاشمي على هذا الصعيد يستطيع فعل الكثير إذا كانت لدية الإرادة بفعل ذلك. وبكل تأكيد شريطة أن لا يكون ذلك على حساب علاقات الأردن القومية والإستراتيجية مع المملكة العربية السعودية ومصر.

كل تلك الركائز في حال تم تحقيقها لا يمكن لها ضمان استقرار الأردن وحمايته من التحديات الخارجية، في حال لم تواكبها تغيرات سياسية جذرية على المستوى الداخلي، والتي تستند على توسيع رقعة الحريات السياسية ومكافحة الفساد السياسي والمالي من جذوره. والأهم من كل ذلك، لا يجب التعامل مع الشأن الداخلي الأردني وفقاً لمنطق لعبة السلطة وتصفية الحسابات السياسية التقليدية، انطلاقاً من الإيمان بأن جميع الأردنيين بمختلف أصولهم وانتمائاتهم وآرائهم السياسية هم جزء لا يتجزأ من مناعة الأردن، وبالتالي تحاشي الدخول في متاهات داخلية لن تؤدي سوى إلى تصادم مجتمعي سيضعف بكل تأكيد جميع الخيارات الاستراتيجية مهما كانت ممكنة؟
 


 

2011-01-16

العلاقات الدولية من الواقعية إلى ما بعد الإنسانية.






سلام الربضي باحث ومؤلف أردني في العلاقات الدولية.

مجلة مدارات استراتيجية العدد  السادس 2011 \ اليمن



الواقع العالمي يعبر عن مرحلة إنتقالية، تتميز بها معظم الملفات الدولية، إن لم نقل السياسة العالمية، والقضايا المطروحة عالمياً من الإرهاب، الأسلحة النووية، البيئة، الفقر، إصلاح الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، العولمة ...الخ كل تلك القضايا تجعلنا نتساءل عن الواقع النظري المفسر لقضايا العالم؟

لقد بتنا نشهد تحولات عميقة في بنية المجتمع العالمي، حيث انتقلنا من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة، بالترافق مع صعود ما يسمى باقتصاد المعرفة، بالإضافة لإنتقالنا من الثنائية القطبية إلى الأحادية النسبية، والإنتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ولقد انتقلنا أيضاً من مفهوم مجتمع الأمن النسبي إلى مفهوم مجتمع الخطر، خطرالتلوث البيئي،الإرهاب، جنون البقر،البذور المسرطنة،الاستنساخ، التقنيات الحيوية..الخ

من الواضح إن كل تلك المتغيرات والمعطيات على الصعيد العالمي تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية القائمة على نسق وتوازن دوليين. ويقصد بالنسق الدولي بإنه إنتظام آلي يعبر عن طبيعة العلاقة بين الدول، وهذه العلاقة خاضعة لنوع من التوازن تعبر عن واقع القوة. وما يميز تلك الطروحات النظرية إرتكازها على مبدأين :

1- مبدأ الدولة اللاعب الوحيد على الصعيد الدولي.

2- مبدأ القوة أي توازن دولي قائم على القوة المادية.

ولكن من خلال محاكاة الواقع العالمي المعاصر، نجد أنه أصبح زاخراً بكثير من التطورات وعلى كافة الأصعدة، الذي يلزمنا التوقف عند بعض المعطيات التي يمكن التعبير عنها بالسؤالين التاليين :

هل ما زالت الدولة وحدها القادرة على تحديد العلاقات الدولية؟

هل يمكن تحليل هذا الواقع المستجد من خلال الإرتكاز على معيار القوة المادية فقط؟

أولاً، على صعيد الدولة :

إن أكبر إشكالية مطروحة في عصر العولمة هي جدلية العلاقة بين الدولة والعولمة، لدرجة أن كثيراً من النظريات تبشر بزوال الدولة أو تآكل وأفول مكانتها. وكثير من القضايا التي تجعل من مقولة ' الدولة اللاعب الوحيد في العلاقات الدولية' هي موضع تساؤل؟ سواء على صعيد الفاعلين، أم من باب طبيعة القضايا العالقة، فهناك تزايد لنفوذ فاعلين غير دوليين أصبحوا محددين رئيسيين للعلاقات الدولية كالمنظمات غير الحكومية، الأفراد ، الشركات عبر الوطنية، المؤسسات الإعلامية.

تأكيداً على هذا الوضع يمكن مراجعة ومتابعة الكثير من الأحداث منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين كمفاوضات جولة الدوحة لـ ' منظمة التجارة العالمية' لنرى تأثير المجتمع المدني، والاتفاقيات الدولية كـ ' حظر الألغام' 1997، التنوع البيولوجي ' 2000'، ' كيوتو' للبيئة 1998.وحملات الغاء ديون الدول الفقيرة. وكذلك تأثير الشركات عبر الوطنية في الاقتصاد العالمي، يعكس واقع طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة. كما إن القضايا العالقة او المشكلات الدولية تهم العالم كله، ولم تعد وقفاً على الدول بذاتها. وطبيعة تلك القضايا أو الظواهر، خرجت عما هو مألوف في العلاقات الدولية، فمثلاً مشاكل البيئة هي مشكلة بين الإنسان والطبيعة. وليست مشكلة بين الدول، وذلك من خلال التشخيص الدقيق لتلك الظاهرة.

وفيما يتعلق بظاهرة الإرهاب، فنحن أمام وقائع تتم ليست على أيدي دول، إنما على أيدي منظمات أو شبكات أو أفراد غير معروفة العنوان أو الهوية. أو حتى ليس لها مركز واحد لصنع القرار. وبالتالي فنحن أمام علاقات دولية جديدة لا تزال في طور الإكتشاف، وهذا النوع من العلاقات يتناقض مع منطق العقل التقليدي، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم الدولة التقليدي. بالإضافة إلى التغيير الذي يحصل في مواجهة تلك الظاهرة، ومن هنا تأتي إشكاليات تعريف الإرهاب والعدوان.

وبنظرة للواقع العالمي، نرى أنه حدث تحول كبير لمفهوم الأمن الجماعي أو العالمي، بحيث لم تعد النظرة الكلاسيكية المرتكزة على تحقيق أمن الدولة الأمن السياسي بالمعنى الضيق، هي التي تحكم واقعنا، بل أصبح مفهوم الأمن الإنساني بجميع أبعاده الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، هو السائد في عصرنا الحاضر. فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات بل بمدى الاستجابة للحاجيات الأساسية للإنسان.

وأصبح مفهوم التنمية المستدامة اكثر رواجاً وهو الذي يحاول التوفيق بين تلك الحاجيات الأساسية للإنسان، وبين قدرة البيئة على تلبيتها، وفقاً لمبدأ المحافظة على إمكانات أرضنا من أجل إستفادة أحفادنا منها. بنية المجتمع العالمي المعاصر تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية، فالواقعية ترى العالم على هيئة نظام تهيمن عليه الدولة، وهدف هذه الأخيرة تحقيق الأمن والقوة والسلم. لكنها اليوم لم تعد هي محور النظام وحدها، وأمام هذا الواقع نجد انفسنا أمام حالتين :

1- حال تخضع لدوافع تقليدية في البحث عن القوة والمصالح والسيادة.

2- حال تخضع لدوافع الاستقلالية وتجاوز الدول.

ثانياً، على صعيد القوة:

المشكلة لا تكمن في مدى أهمية القوة في السياسة العالمية، وإنما حول إمكانية تفسير أنماط القوة وأشكال إستمرارها بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية فقط .أم يجب أيضاً، التركيز وإدراج الجوانب الثقافية عند التحليل؟ 

 فالتفاعل على المسرح الدولي هو تفاعل ثقافي وليس تفاعلاً مادياً فقط، فإذا اخذنا أكثر القضايا سخونة على المستوى العالمي كالإرهاب، الأسحلة النووية، البيئة، لا يمكن إيجاد مقاربة نظرية لها، بعيداً من البعد الثقافي سواء في تحليلها أو حلولها. فقضية الأسلحة النووية لم تعد مطروحة من منطلق وجود الأسلحة النووية بحد ذاتها، إنما الأهم في كيفية فهم وجود هذه الأسلحة ؟؟؟ 

فالولايات المتحدة لا تقلق كثيراً من إمتلاك دول مثل بريطانيا أو فرنسا للأسلحة النووية، على عكس موقفها من إيران أو كوبا، أو ليبيا أو كوريا الشمالية. كما إن قضية الإرهاب منذ احداث 11 أيلول تعطي دلالات جديدة ليس أقلها التعبير عن إنبثاق الثقافة كعامل أساسي في تحليل وتحديد العلاقات الدولية. والعولمة بالمفهوم الواسع أصبحت مسكونة بهاجس التعايش الثقافي، لا بالاقتصاد والتكنولوجيا فحسب، فنحن أمام مفهومين نقيضين :

1- مفهوم الأمبريالية الثقافية ويقصد بها حصراً ' الأمبريالية الثقافية الأميركية'.

2- مفهوم الأصولية الثقافية، ممثلة بالأصوليات الدينية، كالأصولية الإسلامية اليوم, كما الأصولية الأرثوذكسية البارحة والكاثوليكية من قبلها.

وبالتالي فإن مسألة الإرهاب لا يمكن إيجاد مقاربة لها وفقاُ لمبدأ القوة المادية ( التوازن).

وفي ما يخص مسألة البيئة والتنمية المستدامة، فإنها تطرح وبإلحاح مسألة القيم وتحولاتها، فلم تعد القضية تقف عند حدود الدول بل أصبحت مرتكزة إلى الإنسان بذاته. فالبيئة ومخاطرها تعكس علاقة الإنسان بأرضه، وقضايا التنمية المستدامة والفقر، فلم يعد بالإمكان إيجاد حلول لها على صعيد الدول فقط. والمسألة ليست مطروحة عملياً وعلمياً بين دول غنية ودول فقيرة، بل بين إنسان فقير وآخر غني.

تقارير الأمم المتحدة زاخرة في تحليل هذا الواقع، كما إن التنمية المستدامة قائمة على هاجس السؤال الآتي :

كيف يمكننا وضع حد لانتهاك الموارد القائمة الذي قد يقضي نهائياً على إمكانيات التنمية المستدامة؟

وهل يمكن حدوث ذلك للحفاظ على حظوظ الآجيال القادمة، من دون عقد ثقافي أخلاقي؟

وما هي السبل التي نملكها لمواجهة متطلبات أخلاقية وإنسانية تتضمن إطاراً عاماً للأمن البشري؟

البعد الثقافي أصبح في صلب التحولات العالمية، وإستدعاؤه في التحليل ضروري لفهم هذه الديناميات الجديدة التي يتحول بها العالم. وإذا كانت العلاقات الدولية قائمة على المصالح وستبقى كذلك في كثير من المجالات، ولكن لا بد من دراسة المثل وهويات الدول وليس فقد المصالح، فالهوية تعبر عن الواقع الاجتماعي( من هم الفاعلون)، أما المصالح فتعبر عن الرغبة وعن ماذا نريد. بالتالي فالهوية تسبق المصالح، حيث الشخص لا يمكن أن يحدد ما هي رغباته وأهدافه ومصالحه من دون معرفته هويته من هو أولاً.

إن التحديات العالمية الجديدة، تتطلب أجوبة جديدة، أي علينا أن نعرف ما إذا كان العالم الجديد الذي ترسم ملامحه، يفترض منا إعادة تقويم جذرية للعقود الاجتماعية التي تشكل عماد مجتمعاتنا المحلية والعالمية؟ 

وتلك التحولات الشاملة تستوجب جهداً إضافياً على الصعيد النظري، فهل نحن في حاجة لنسق فكري جديد؟

من الواضح أن الإنساق الفكرية المغلقة على طراز مقولة أن ' الماركسية' هي الحل أو أن 'الرأسمالية' هي الحل، وأيضاً من يقول بأن ' الإسلام' هو الحل، هذه الإنساق المغلقة، لم تعد أبواب عالمنا المعاصر مفتوحة لها، كما إن الثنائيات الزائفة التي سادت القرن العشرين، أما الرأسمالية أو الماركسية، أما القطاع العام أو القطاع الخاص، أما العلمانية وأما الدين، أيضاً كلها سقطت إمام دينامية الواقع الحالي. لقد انتقلنا، ولا مجال للشك، إلى مرحلة الإنساق الفكرية المفتوحة، وجديدها الأهم, هو أنه سيحصل تركيب بين عناصر متضادة ما كان يمكن الظن يوماً إنه يمكن أن تتركب منها أطروحة واحدة.

هذه الأطروحة التي تجنح نحو القول بأن تفكيك الإنساق المغلقة يستبقه تشكيل'منظومات', تجتمع فيها عناصر متضادة لم يكن يحسب يوماً لها أن تجتمع. ألا تستحق التجربة الصينية التوقف عندها؟ فإن واقع الصين الراهن، وكيف تتجاوز وتتعايش الرأسمالية في أكثر أشكالها تجلياً ووضوحاً في النظام الاقتصادي مع نظام سياسي شيوعي، إذ لم يكن يدور في ذهن أحد أن يقود هذا النظام عملية تنمية رأسمالية.

وهناك نموذج آخر ليس ببعيد عن عالمنا العربي، ألا وهو تركيا، فالإسلام التركي حيث تتجاور الفكرة العلمانية مع الفكرة الإسلامية، في مشهد سياسي لا تشهد فيه إضطراباً أو تنازعاً أو تضاداً أو تجافياً ما بين الفكرين. ونحن في إنتظار عامل الزمن الذي سوف يحكم على تلك الإنساق المفتوحة التي سيكون لها التأثير الكبير، على الصعيد النظري المفسر لقضايا العالم، كما بالنسبة لتجديد موازين القوى في العلاقات الدولية.

لقد إعاد القرن العشرين النظر في ثوابتنا اليقينية في ما يتعلق بالمجتمع والتاريخ والإنسان والقيم. وإذا كانت العلمانية حاولت أن تكون البديل عن إخلاقيات الديانـات الكبرى ( العلم، التقدم، التحرر، الإنسانوية). لكن على ما يبدو فإن تطور العلم والتكنولوجيا وهو العامل الحاسم وغير المتوقع، والذي لا يمكن كبح جماحة في التغيير، يهدد مستقبلنا ويؤدي بنا إلى إنسانية لا نعرف ماهيتها .

فهناك كثير من النظريات التي تحاول ملء الفراغ الفكري لعالمنا المعاصر، منها نظرية نهاية التاريخ، نظرية صراع الحضارات، نظرية ما بعد الحداثة، ولكن قد يكون أخطرها نظرية يحلو للبعض أن يطلق عليها تسمية 'ما بعد الإنسانية'. فلقد دخلنا مرحلة تطور ثوري لعلوم الحياة خصوصاً ' البيوتكنولوجيا'، مما سينتج تحولات جذرية في حياة الإنسان, تتيح في الأساس إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية. لندخل بذلك مرحلة تاريخية يكون لها تأثيرات إجتماعية، أخلاقية، سياسية، اقتصادية جذرية.

فهل في المستقبل القريب علينا أن نواجه خيارات أخلاقية في الثورة البيوتقنية أي في مجال التقنيات الحيوية ومنها الهندسة الوراثية؟

والسؤال الذي يطرح هو: 

إلى أي حد يمكن إستعمال التكنولوجيا لتحسين الخصائص الوراثية؟

وإذا كانت تلك الأبحاث قائمة على إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية، فجدليات عديدة فلسفية وسياسية سوف تطرح حول العديد من المفاهيم الأساسية :

أ- المساواة بين البشر.


ب- القدرة على الاختيار الأخلاقي.


ج- تغيير إدراكنا وفهمنا للشخصية والهوية الإنسانية.


د- التأثير في وتيرة التطور الفكري والمادي، وفي السياسة العالمية بصفة عامة.

وقد يكون أخطر ما في جعبة تلك الثورة ' البيوتقنية' هو أنها تزيد من الهوة الموجودة بين المجتمعات والأفراد، الأغنياء والفقراء، حيث بإمكان الأغنياء توظيف ثرواتهم للتحكم في الجينات، وإعادة الهندسة الوراثية لهم ولأولادهم. وبالتالي فإن التحولات ' البيوتقنية' قد تزيد من حدة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء، بحيث تضاف إلى الهوة الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والرقمية، هوة بيولوجية، ستكرس للامساواة على مستوى تكويننا البيولوجي.

إذاً مستقبلاً نحن أمام عالم ' ما بعد الإنسانية' سيكون أكثر تراتبية ومليئاً بالصراعات الاجتماعية. ولا مكان في داخله لأي مفهوم حول ' الإنسانية المشتركة'، إذ سيتم تركيب جينات بشرية مع جينات أخرى، بشكل يجعلنا لا نعلم ما معنى وماهية الكائن الإنساني.

هذا الواقع المستجد الذي يعبر عن ملامح مجتمعنا العالمي، وتحديداً من منظور فن التساؤل حول الواقع النظري المفسر لقضايا العالم، لا يمكن أن يقتصر النقاش فيه حول ملامح هذا النسق الجديد، بل إن التحدي الجديد في زمن العولمة يكمن في :

كيف وما هي السبل لمواجهة هذا النسق الجديد؟

وهل تحمل النظريات التقليدية ومنها الواقعية في طياتها الإجابة؟

وإذا كان الطموح، هو نشوء نسق كوني من القيم, يحكم سلوك الشعوب والمؤسسات. فهل ستكون مسألة القيم وتحولاتها في صدارة الأسئلة الفكرية الراهنة والمستقبلية؟

وهل إنتقل التركيز والاهتمام في تحديد العلاقات الدولية، من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية إلى العوامل الثقافية، كقوة مؤثرة ودافعة في الشؤون الدولية؟

وإذا كانت المسافة الزمنية لملامح هذا النسق الجديد لم تتجاوز 20 عاماً، وهي مدة، وفقاً للمنهج التاريخي، لا يمكن أن تعطي دلالات ثابتة يمكن البناء عليها، فهل نكون سقطنا في فخ إشكالية الاستعجال في ملء الفراغ النظري المفسر لقضايا عالمنا المعاصر ؟؟؟؟؟

2010-05-28

الأردن وتنويع سلة الخيارات الإستراتيجية






 زاوية أفاق استراتيجية 
للباحث في العلاقات الدولية سلام الربضي 
وكالة عجلون الأخبارية  \ 28-5-2010
http://www.ajlounnews.net/index.php?module=articles&id=105

الهدف الأساسي من حروب اسرائيل هي التأكيد على هيمنتها العسكرية على المنطقة ويكمن الردع من ناحية إسرائيل فحسب في قلب العقيدة الإسرائيلية الأمنية فهي تريد أن تحظى بالحرية الكاملة لتضرب دون أن تلقى أي رد بالمقابل وهي تعتمد على قوة متغطرسة لحماية نفسها وترفض أي نوع من أنواع الردع المتبادل وتعارض أي توازن إقليمي للقوة قد يجبرها على التنازل والاعتدال في أفعالها. والشيء الجوهري في المشروع الإسرائيلي هو أن إسرائيل لم تقبل في أي يوم من الأيام أن تكون جزءاً من هذه المنطقة، ولم تكتف بالمطالبة بأن يعترف بها دولة لليهود فقط، وإنما الإقرار بها دولة متفوقة على غيرها لشعب متفوق على غيره وهذا مشروع عنف لا ينتهي. ولقد خلقت إسرائيل كحل نهائي للمسألة اليهودية في أوروبا، لكنها خلقت مشكلة لا نهاية لها للفلسطينيين والعرب حيث تترك فكرة الحل النهائي كشبح موت في هذه المنطقة وفي العالم كله. ومعلوم أن لديها صيغتها الخاصة من الحل النهائي قائمة على تسفير الفلسطينيين خارج وطنهم أي الترانسفير وهو ما يعادل إبادة سياسية للشعب الفلسطيني.

وأن من أهم تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة ليس القضاء على المقاومة فحسب ولكن أيضاً القضاء على حلم بناء الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، لكي يصبح الخيار الأردني الخيار الأكثر واقعية من وجهة النظر الإسرائيلية حيث كان مؤكداً في حال انتصرت إسرائيل في الحرب أن يؤدي ذلك إلى إلغاء خيار حل الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية. فإصرار الحكومات الإسرائيلية المتتالية على إقامة إسرائيل الموسعة من خلال ضم التكتلات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية وإكمال بناء الجدار الأمني، والاحتفاظ بالسيطرة على غور الأردن وفيما إذا استطاعت الحكومة الإسرائيلية مستقبلاً من تحقيق هذه الأهداف بتأييد من الولايات المتحدة سوف يؤدي إلى منع تحقيق حلم إقامة الدولة الفلسطينية الحقيقية والفعلية .وإسرائيل ترفض حل الدولة الواحدة حيث الشعوب متساوية وحيث ترتكز الديمقراطية ، بدلاً من ذلك يريد الإسرائيليون من العالم أن يبارك إسرائيل كدولة محض يهودية حيث ليس لأي مواطن آخر مواطنية متساوية . وبعض القادة الإسرائيليين يؤمن أن حل الدولتين لن يعالج المشكلة الديمغرافية داخل دولة إسرائيل لذلك يرفضونه ويرغبوا بجعل الأردن الوطن البديل للفلسطينيين وأن يدفعوا فلسطيني إسرائيل إلى تلك الدولة بأية وسيلة ممكنة.

والمشروع الإسرائيلي القديم ـ الجديد لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، تحول مؤخراً، إلى خطط يجري تنفيذها بالفعل، سواء على المستوى الاستراتيجي بمنع قيام الدولة الفلسطينية وتحويل الضغط الدولي باتجاه الأردن، أو على المستوى الميداني بمواصلة سياسات الحصار والتهجير لأبناء الضفة الغربية باتجاه الأردن، أو على المستوى السياسي والإعلامي بشن حملة منظمة ضد المملكة من أجل تجنيس المزيد من المهجرين الفلسطينيين، وفرض ما يسمى المحاصصة السياسية في ظل ما يخطط له من أغلبية ديموغرافية فلسطينية. كما أن هذه الإجراءات الإسرائيلية تشكل خطراً داهماً على مستويين:

الأول : حرمان أبناء الضفة المقيمين في الأردن من حقهم في العودة والإقامة في الضفة، بحجة أنهم حاصلون على جنسية أخرى.
الثاني : تهجير المزيد بحجج مختلفة وذرائع واهية وكلها تصب في خانة مشروع الوطن البديل.

أن قرار فك الارتباط لعام 1988، والناشئ أصلاً عن طلب منظمة التحرير الفلسطينية وقرار القمة العربية لعام 1974، هو قرار مفصلي في النظام السياسي الأردني، من حيث انه أنهى وضع والتزامات الوحدة مع الضفة قانونياً وإدارياً وسياسياً.   لذلك لا بد من دراسة كيفية دسترة قرار فك الارتباط وإصدار القوانين اللازمة لتطبيقه نصاً وروحاً، بما في ذلك إنهاء تداخل المواطنة مع الضفة الغربية وتداخل النقابات والهيئات والأحزاب .  فمنذ فك الارتباط رسمياً بين الأردن والضفة الغربية أصبحت مصلحة الأردن الأساسية والحيوية تقضي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة والاستقرار.

ولقد جاء قرار فك الارتباط القانوني والإرادي مع الضفة الغربية مؤاتياً ومناسباً بعد استلام منظمة التحرير مسؤولية تمثيل الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية وإعلان المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر الذي عقد في الجزائر في عام 1988عن قيام دولة فلسطين واعترف أكثر من 100دولة في العالم بهذه الدولة وتم فتح العديد من السفارات الفلسطينية في تلك الدول وساهم هذا التطور في توطيد شرعية الكيانية الفلسطينية وإبرازها. إلى أن جاء الاعتراف "الإسرائيلي" بالمنظمة وبالوجود الفلسطيني بشكل رسمي نتيجة للاعتراف المتبادل بين المنظمة والحكومة الإسرائيلية بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو ليضع حد للتجاهل الإسرائيلي للوجود الفلسطيني وللمحاولات الإسرائيلية المتكررة في إيجاد بديل عن منظمة التحرير.

وفي حال لم تكن هناك عملية تفاوض جدية فلسطينية إسرائيلية مرتكزة على توازن إستراتيجي عسكري بين الطرفين بالإضافة إلى إشراف دولي ملائم فلن تقوم دولة فلسطينية متكاملة بل سيكون هناك "غيتوفلسطيني" وكيان فلسطيني مبعثر وسيجد الفلسطينيون أنفسهم إمام خيارين :

1- إما الخضوع ولفترة طويلة غير محددة للاحتلال الإسرائيلي المباشر وغير المباشر.

2- إما الهجرة للأردن، مما قد يمهد لقيام دولة فلسطينية بديلة في الأردن.

وفي حال أعتمد الإسرائيليون هذه الخيارات لتسهيل ضم أراضي واسعة من الضفة الغربية إلى الدولة اليهودية وإذا ما سقط خيار الدولة الفلسطينية المستقلة فسيكون هناك خطر جدي من حل المشكلة الفلسطينية على حساب الأردن مما يقلب المعطيات وموازين القوى جذرياً في الأردن والمنطقة إذ أن الحصول على نصف أو حتى أقل من أراضي الضفة الغربية مع كامل سكانها سيكون بمثابة انتحار فانضمام نحو 2.5 مليون فلسطيني من سكان الضفة إلى الأردن سوف يؤدي إلى تغيير التوازنات في المملكة والمنطقة بأسرها. 

أن هاجس الخيار الأردني هو السيناريو الأسوأ وما يعزز هذه القراءة هو صدور الكثير من المواقق الأمريكية والإسرائيلية التي تتحدث عن خيار الدول الثلاث باعتباره الأفق الوحيد الممكن لحل القضية الفلسطينية والدول الثلاث يقصد بها إسرائيل وإلحاق الضفة بالأردن وغزة بمصر. ولا بد على الأردن تنويع سلة الخيارات الإستراتيجية والخروج من حقبة الخنادق الإقليمية واستعادت الهدوء في العلاقة مع سورية والعودة إلى بناء علاقات متينة مع كل أطياف العمل السياسي في فلسطين وتخفيف حدة التوتر مع إيران أو المقاومة في لبنان فالاستدارات الهادئة في رهانات الأردن الخارجية ضرورية وملحة لكن دون أن يخرج ذلك أو يكون على حساب اصطدام الأردن بصلاته الإستراتيجية مع السعودية ومصر. 

والعدوان الإسرائيلي الأخير على غزة كان بمثابة المؤشر في السياسة الأردنية إيذاناً بالراهانات الإستراتيجية الأردنية القديمة فهي وإن لم تلبي طموح الأردن قيادتاً وشعباً نتيجة شح الإمكانيات المتاحة ووهن الواقع العربي فإنها على الأقل كانت أقل مجازفة وأكثر أماناً ومحاولة نوعية لنقل الأردن لبر الأمان على الرغم من كل الصعوبات والإشكاليات التي تحيط  بمنطقتنا العربية.

 

For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com