2012-06-25

الحاجة إلى علم ما فوق الأخلاق





الحاجة إلى علم ما فوق الأخلاق







سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية


اليوم نجد صعوبة في تخيل مستقبل أفضل، على نحو جذري مما نحن فيه. وبداخل هذا الإطار، لا يمكن بطبيعة الحال، أن نتصور لأنفسنا عالما،ً يختلف اختلافاً أساسياً عن الحاضر الذي نحن فيه، ويكون أفضل في الوقت ذاته. فأمام القضايا العالمية المعاصرة، من البيئة والإرهاب، والفقر،وموضوع الأقليات، الثورة البيوتقنية... الخ. ينقسم العالم إلى نصفين: قاتل وقتيل؟؟ ولكن، من يقرر أنه مع القاتل ضد القتيل، طالما جينات شقيق القتيل هي مع فكرة القاتل؟؟ إذاً كيف نصوب البوصلة، لنفهم أن هذه الجينة ولدت من امتداد واحد، ودرست في كتاب واحد، وتسللت إلى دماغ واحد؟ وكيف إذاً نورث عيوبنا وأخطاءنا لأولادنا، على أنها قيمة الحياة الفضلى؟؟؟





ولسنا هنا، في معرض السؤال عن التطور الزمني  والكمي، ولا عن كل الفلسفات والنظريات المنتجة، منذ نشأة التاريخ، ولا عن أصول الإنسان وجوهره. بل إن المراد والمناط بنا معرفته، هو مجموعة المعايير التي تحكم العلاقة بين فكرة الإنسان (واقعه) وفكره، وبين الغاية من وجود الإنسان أصلاً. فمعظم الدول المتقدمة حالياً، تهتم بتشكيل اللجان لتقييم اكتشافات العلوم. وذلك بشكل أخلاقي، مثل مسألة الإجهاض الطبي، وأدوات منع الحمل، والاستنساخ والتلقيح الاصطناعي للمرأة،... الخ، وهذه اللجان العليا، تصطدم مباشرة، بتشعب المعرفة العلمية النقدية وتوسعها في الزمن الحاضر. فأي نمط من أنماط العقلانية، وأي مضمون من مضامين المعرفة العلمية والوضعية، يمكن الاعتماد عليه، من أجل تحديد مبدأ أخلاقي أو قيمي، للالتزام به؟؟ وكيف يمكن تبرير رؤيا أخلاقية معينة كمثال أعلى؟؟ وكيف يمكن التوصل إليها؟؟ وهل هناك قانون أخلاقي، على هيئة قانون عقلاني أو معقلن، يمكن أن يخضع السلوك الإنساني لمعاييره؟؟ وهل هناك من وقائع أخلاقية، ترتب سلم القيم الأخلاقية؟؟ وكيف يمكن التعرف إليها؟؟؟.







وأمام هذه التساؤلات من الضروري طرح إشكالية: هل العقل قيمة، ليدور العالم حوله؟؟ أم يا ترى العالم يدور كما قال غاليليو؟؟


أن كل شيء من حولنا وفينا وبنا، صار بحاجة إلى دروس ونظريات جديدة، تبحث عن عالم نرثه، كي نفهم صراحة ماذا أصبح يدور في العالم. فالعالم يهتز، وسلم القيم صار بحاجة إلى رؤية جديدة. ونحن أمام مشكلة اتجاهات، ومعانٍ تختلف في مضمونها، ولكن معاييرها واحدة. ويتم التشبث في جوهرها، وطبيعتها وحركاتها ومعرفتها، على أنها أساس ضامن للقيمة، سواء كانت فردية أم جماعية. فهل يبدأ الصراع بأن تختلف جماعة مع جماعة أخرى، أو بعضها مع كلها، أو مع جزء من آخر، كي تلد مناخات واعتبارات مخالفة للقواعد والأصول؟؟ فما هو المعيار الذي ينتج قيماً؟ وما هو الأساس في قيمنا ومن يقرر ذلك؟؟ العُرف، العادة، النظام، القانون، البيئة، الواقع الاجتماعي أم الثقافي؟؟ أو هل يمكن اعتبار الإبداع المعرفي، هو سمة قيمة أم سمة فرق؟؟ وماذا يستهلك الجيل والعالم الذي ندور فيه من طاقات، ليبلغ محطة الأنسنة الكاملة؟؟






كل تلك الأسئلة، تدور لتشرح جوهر المعرفة، التي هي في الظاهر، انبثاق قيموي أي مجموعة القيم،التي تتحكم بصيرورة العقل الإنساني. وهنا، من يحكم في إيجاد معايير الإرادة والفهم؟؟؟ ومن يقرر إذا كان عالم القيم اهتز إلى أدنى أو أعلى؟؟ وكيف نفسر ماهية الاختلاف على ضوء المتعارف، والمتدارك، والمستأتي؟؟ ومن يقول أن السلم المعرفي للقيم قد اهتز، وأصبح العالم فكرة واحدة بعد أن كان أفكاراً مختلفة؟  إنه على ما يبدو عالم القيم الحديثة، الذي لا يشرح عن نفسه، بل يقول ما هو ماضٍ فيه. فلقد أصاب الفكر الحديث تطوران :

  1- التقليدي : وهو لمصلحة العلوم المعيارية، مثل علم المنطق، الذي يحدد صلاحية أو عدم صلاحية كل حكم علقاني. 

  2- الجديد : يتساءل عن مدى كل بناء معرفي وكل خطاب إنساني.





 وهنالك أيضاً، علم آخر يطرح مسألة الوجود والكينونة. فعلوم الإنسان والمجتمع تنمو باتجاه، إضاءة كل أنواع السلوك على قاعدة تأسيسها وضبطها على التحليلات الوضعية الشاملة. أما الحكم الأخلاقي، أخيراً، فهو يعتمد على نوعية المعارف التي نحصل عليها، بواسطة البحث العلمي لتوصيف النتائج. إذ إن استخدام مفهوم "الحس العملي"، أو الحاسة العملية العفوية والمباشرة، التي يتمتع بها كل إنسان مهما يكن مستواه الثقافي، يعني تحرير العلوم الاجتماعية الحديثة، وخطابها من عمليات التقطيع والاختزال والتجريد النظري، التي تبعدنا عن الواقع المدروس الذي نرغب في التوصل إليه وفهمه.

فالرؤى الأخلاقية، والمقاربة التاريخية والفلسفية، لا تسمح لأي موقف عقائدي دوغمائي أن يحدها. ولابد من تنشيط التفكير الأخلاقي، ذات الفعالية المعيارية القوية. ويبدو، أن التنقيب العلمي المعاصر لا يزال متأخراً جداً في هذا الإطار. فالدراسات الأكاديمية المتخصصة، التي تتناول موضوع علم الأخلاق، لا تزال نادرة ومخيبة للآمال، من الناحية العلمية. لأنها دراسات وصفية محضة، بالنظر للنصوص القديمة، والدراسات الحديثة. ولذلك يمكن التمييز بين أنماط الخطابات الأخلاقية، التي من خلالها يتبين نظام القيم :

1-  المعياري السردي لاهوتي : الذي يضم التيارات الدينية.

2-  الدنيوي الأدبي الفلسفي :  الذي يقدم مادة للتيارات التحليلية.




كما أن موقع الأخلاق في ظل القانون الحداثي، يطبق خلافاً لنظم قانونية تقليدية، مبدأ "إن كل شيء مسموح به، ما لم يكن ممنوعاً صراحة". وهكذا ينفصل القانون عن الأخلاق. فقد أضحت لغة  السوق، تتسرب وتعصر كل العلاقات الإنسانية، لتتشكل التحدي الأساسي للنظام الاجتماعي والسياسي. والتي لا تعرف الأخلاقيات والحدود.إذ سيكون من المستحيل الاستمرار من دون إيجاد مفهوم جديد للفلسفة، وطريقة جديدة للتفكير في ماهية الحقيقة.وبالتالي، نحن بحاجة ماسّة، لتأسيس علم ما فوق الأخلاق، أي علم يدرس كل الأنظمة الأخلاقية من أجل التوصل إلى قوانين اللغة الكونية. ومن الضروري تجديد الفكر أو تنشيط الفكر المستقل والنقدي، ضمن الخط الأخلاقي. ولكن عندئذ قد نسقط، من جديد، في ساحة علم المنطق والإبستومولوجيا. فهذه الأسئلة خاصة بالفكر الحديث، لأن الفكر الكلاسيكي التقليدي، مرتهن وللأسف، للتيولوجيات المختلفة: يهودية،مسيحية،إسلامية، وغيرهما،..وليس للروح العلمية الجديدة ؟؟؟؟؟؟










2012-06-20

شهادة تقدير








شهادة تقدير

تمنح كلية الحقوق والعلوم السياسية
في جامعة بيروت العربية
 
الطالب سلام الربضي

هذه الشهادة لنجاحة في امتحان برنامج

القانون الجنائي الدولي والاجراءات الجنائية

في إطار التعاون بين الجامعات والمحكمة الخاصة بلبنان

عميدة الكلية

ا.د حفيظة السيد الحداد

بيروت \ 2012







jordani_alrabadi@hotmail.com










2012-06-16

إيران نموذجاً لكيفية التخطيط الاستراتيجي









 Salam al rabadi



إيران على مستوى التخطيط المستقبلي، باتت متيقنه، أنها لا يمكنها امتلاك اقتصاداً قوياً من دون ضمان أمن وتنوع الطاقة، لتأمين معرفة وقدرة نووية سلمية لأجيالها المقبلة. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار إيران نموذجاً لكيفية التخطيط الاستراتيجي التي تقوم به الدول، سواء على صعيد التخطيط الداخلي أو في طبيعة خياراتها الاستراتيجية الخارجية، والتخطيط لأدارة الأزمات ومواجهتها.

فمن الواضح، أن إيران تتبنى عبر التخطيط الاستراتيجي، رؤية خلاصتها، إعادة البناء في مختلف المجالات. ويمكن الاستنتاج أيضاً _ بدون تحفظ _ إن الإمكانيات البشرية والاقتصادية والجيوبوليتيكية والعسكرية، المتوفرة في إيران، تلعب دوراً هاماً وفعالاً في ذلك، بحيث تنتزع إيران دور الشريك الفعال، في تقرير مصير المنطقة. وهذا ما تحاول إيران عبر التخطيط الاستراتيجي، إيجاد الشروط الموضوعية لتحقيقه. وفي هذا الإطار، يمكن مقاربة واقع التخطيط الاستراتيجي الإيراني من عدة جوانب :


1- الجانب العسكري




التخطيط الاستراتيجي العسكري الإيراني، قائم على أن يتم تصنيع احتياجات القوات المسلحة الإيرانية من التجهيزات محلياً، بالاعتماد على القدرات الذاتية. حيث تم إنتاج نوع جديد من المضادات الأرضية المصنعة محلياً، قادرة على إطلاق 1100 قذيفة خلال دقيقة. وإيران أصبحت واحدة من بين أربع دول، قادرة على صناعة هذا السلاح الجديد. وقامت إيران باختبار الجيل الثالث، من الطائرات الإيرانية الصنع بشكل تجريبي. وتوصلت إلى تقدم في مجال صناعة الطائرات المقاتلة، منها طائرات "اذرخش" و"الصاعقة" ذات التقنيات العالية. والقوة الجوية الإيرانية، تخطط وتعمل على تطوير  الطائرات المقاتلة في الداخل، من دون الاستعانة بخبرات أجنبية. كما ويتم تصنيع في الجيش الإيراني، رادارات يمكنها رصد تحليق الطائرات مهما كان نوعها، وهذه الرادارات تعمل بتقنيات متقدمة جداً، صنعتها الكوادر المتخصصة الإيرانية.





2- الجانب العلمي 




التخطيط النموذجي قائم في إيران على القدرات الذاتية الايرانية، انطلاقاً من تحقيق الهدف الاستراتيجي في أن يكون للجمهورية الإسلامية، وجود ناشط وفاعل في مجال البحث العلمي . وفي مجال البحث العلمي احتل العلماء والباحثين الإيرانيين، مكانة بارزة في إصدار ونشر المقالات العلمية. هذا الواقع عن الرؤية التخطيطية الاستراتيجية للدولة يعبر عنه، وفقاً للتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي درست مستوى نشر إيران للمواضيع والابحاث العلمية حتى العام 2010.

وهي الآن من بين البلدان ألـ45 الأولى من حيث نوعية تعليم الرياضيات والعلوم. كما أنها بين أعلى 20 دولة في حجم إجمالي النتاج العلمي. وهي رائدة أيضاً، في أبحاث الخلايا الجذعية. كما أنها واحدة من البلدان القليلة، التي أرسلت قمراً صناعياً إلى الفضاء. وفي إطار تصورها المستقبلي للحاق بركب التقدم والتطور والتخطيط نحو مستقبل أكثر تقدماً، تقدمت بخطوة كبيرة على مسار التميز في مجال الفلك والفضاء. وإيران تتقدم بشكل لافت، في مجال تكنولوجيا النانو، بحيث تخطط أن تقفز للمرتبه ‪ 15 مع حلول العام 2015 .وتخطط للوصول في حجم الصادرات النانوتكنولوجي، إلى مبلغ ‪ 20 مليار دولار في العام ‪2015،فيما لو استطاعت حيازة 1% فقط من حصة السوق العالمية .

ويبدو أن الحكومة الإيرانية،  تخطط  لتكون  إيران مركزاً إقليمياً علمياً، في مجالات الطب والفضاء والطاقة النووية. ومن الجدير ذكره، الدور الذي تلعبه المؤسسة الدينية للتشجيع على البحث العلمي، وخلق المناخات المناسبة. حيث تم اصدار فتاوي من أعلى المراجع الدينية، لأباحة إجراء أبحاث الاستنساخ على الحيوان لأغراض علمية. وإستطاع العلماء في إيران في استنساخ أول نعجة، ويخطط العلماء الإيرانيون لإجراء المزيد من أبحاث الوراثة والاستنساخ، باستخدام خلايا حيوانية.




3- الجانب الاقتصادي





 الاقتصاد الإيراني المغلق تقريباً، سمح لهذا البلد بحماية قاعدته الصناعية من المنافسة الأجنبية. واليوم، تصنّع إيران معظم احتياجاتها الصناعية والاستهلاكية، ومن أهمها صناعة السيارات. واعتمدت إيران في ردّها على العقوبات الأميركية والدولية المستمرة، سياسة ذات شقين:

أولاً : إنها تميل بشكل متزايد نحو الشرق والجنوب في محاولة لزيادة علاقاتها مع الاقتصاديات الناشئة في مختلف أنحاء العالم.

ثانياً : أنتجت الكثير من الإصلاحات الاقتصادية ذات الأولوية في الحاجة الماسة إليها. وذلك،عبر إعادة هيكلة برامج خطط المشاريع المدعومة حكومياً، واعتماد سياسة أكثر تحفظاً بشأن الاقتصاد الشمولي. وكنتيجة لذلك، فإن نظام العقوبات –المصمم لإحباط خطط البلد الاقتصادية- قد فشل في تقييد السياسة الخارجية لإيران . 

ووفقاً لتقارير البنك الدولي، فإنّ "المؤشرات الاجتماعية في إيران مرتفعة نسبياً، مقارنة بالمعايير الإقليمية. وكانت معدلات الفقر، أكثر من النصف بين عامي 1998 و2005، وانخفضت إلى 3.1% . هذا على الرغم من الاعتراف ببعض السلبيات على صعيد مقاربة واقع الفقر في ايران.كما تحسنت المستويات الصحية في البلد، إلى حد كبير على مدى السنوات العشرين الماضية. وهي الآن تحتل المرتبة المتقدمة في معدلات المستويات الصحية لدول المنطقة. بالإضافة إلى أن إيران، لديها نظام حماية اجتماعية واسعة لنحو 28 نوعاً من التأمينات. ولدى إيران واحد من أسرع معدلات النمو في مؤشر التنمية البشريةhdi . واستناداً إلى تقارير البنك الدولي، لقد تم النظر في برنامج إيران لتنظيم الأسرة في العقدين الماضيين، اعتبر من أفضل الممارسات الدولية، لأن إيران نجحت في خفض معدلات الخصوبة من 4.8 إلى 1.8 ولادة خلال السنوات 1990-2010.




4_ الجانب السياسي




لقد تمكّنت إيران نتيجة الاستراتيجية المحكمة، من فرض سيطرتها ووجودها في أهمّ المحاور الإستراتيجيّة الحسّاسة على المستوى الدولي والإقليمي. فبالإضافة إلى القدرات العسكريّة الإيرانيّة، إيران أصبحت من اللاعبين الأساسيّين في المنطقة، خاصّة في الملف العراقي، وتحديداً، بعد فشل الولايات المتحدة الأميركيّة من السّيطرة على الوضع الأمني والسّياسي في العراق  _ والانسحاب الأمريكي من العراق مع بداية العام 2012  هو خير دليل على ذلك _  وغالباً ما يتمّ الحوار بين الولايات المتحدة الأميركيّة وإيران حول الملف العراقي. وكذلك، إيران على تحالف إستراتيجي مع سوريا، ومن الداعمين لحركات المقاومة، في فلسطين ولبنان. وبالتالي، من المتعذر إنكار الدور الإيراني الحيوي، في فلسطين ولبنان والعراق والخليج، عند رسم  أية تسوية أو استراتيجية مستقبلية، لمنطقة الشرق الأوسط.

وكما هو معـروف، هناك أساليب عـديدة للتفاعل الأستراتيجي، مع الأزمات وإدارتها. حيث تحاول إيران عبر اتباع وتطبيق التخطيط المدروس في صراعها مع الغرب، زيادة مكاسبها وتخفيض خسائرها، إلى أقصى حد ممكن، وذلك عبر إستخدام استراتيجيات محددة، في إدارة الأزمات والمفاوضات، من خلال عدة خطوات :

أ- تحديد الإستراتيجيات المتناسبة مع ظروف وشروط الأزمة .أي إتقان كيفية الإستفادة من إدارة الأزمة والمفاوضات لتحقيق تأثيرما تريده.

ب- الدمج بين ثلاث أنواع من الخطط في إدارة المفاوضات في وقت واحد. أي الجمع في آن واحد بين كل من : التنازع – التحالف – الإعداد للتفاوض أوالصراع . وهذا ما نجده حاصل في طبيعة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في افغانستان والعراق ووفلسطين ولبنان وسوريا ومنطقة الخليج. مما اعطى إيران القدرة على إيجاد تصور شامل فى أي عملية تفاوضية أو تساومية للسيطرة على تتابع الأحداث. 





5- الملف النووي الإيراني






التاريخ يعلمنا أن الدول التى تستخدم مبدأ الدمج في التخطيط الاستراتيجي، هي الدول التي نجحت فى عدم الدخول فى الطريق المسدود . والأزمة بين إيران والولايات المتحدة، التي باتت تعـرف بالملف النووي الإيراني، يمكن مقاربتها على صعيد التخطيط، من زاوية الدروس المستفاده فى إدارة الصراع. وتبدو دلالات التجربة الإيرانية بالغة الأهمية فى مختلف المجالات. فهي من ناحية تجربة معاشة ليس فقط بالمعنى المباشر للتعبير، ولكن بالمعنى الاستراتيجي الذى يكشف أبعاد وملامح القوة فى الصراع الدولي الآن، كما هى تجري أمام أعيننا الآن، وفق نمط من الصراعات والمناورات بما يقدم النموذج العملي والمدرك، على إمكانية  تحقيق النجاحات عبر التخطيط الاستراتيجي المتقن .

فمن الدروس المستفادة في التخطيط الاستراتيجي على صعيد أدارة المفاوضات ومواجهة الأزمات، يمكن ذكر الآتي :

1-  التجربة الإيرانية أثبتت أن الوضع الدولي الضاغط  ليس بالامر الحتمي للتنازل. فمن خلال الرؤية الاستراتيجية والتخطيط المنطقي تمكنت إيران - حتى الآن - من البدء فى تخصيب اليورانيوم. كما حصلت على الوقت والظروف الكافية من خلال تحركاتها المرسومة بخطط متقنة.

2-  القرار الاستراتيجي لا يعرف إلا الحسابات والخطط الاستراتيجية. ووضوح الأهداف يُمكن من الإقدام على تكتيكات سياسية، قد تكون متناقضة وحادة التقلب،لكنها تظل صحيحة.

3-  التغييرات السياسية الداخلية هي جزء يجب أن يكون متناغماً مع الأمن القومي، والثوابت الاستراتيجية، المحددة للدولة. فمن الخطأ تصور أن يمكن الفصل بينهما، وهذا ما تحاول إيران فعله عبر التخطيط الاستراتيجي، للتقدم في كافة المجالات .

4-  أن التخطيط لأي مشروع وطني، إذا كان محدداً ومدروساً ويحظى بإجماع شعبي ومحددة خططه، فإن التغييرات السياسية داخل المجتمع حتى وأن تقلبت داخل أو بين النخب السياسية، فإنها تظل فى داخل نطاق الأهداف الوطنية. بمعنى آخر، إن التعددية داخل المجتمع - فى إطار وحدة الأهداف والاستراتيجية - إنما هى تصب فى المصلحة العامة، للمجتمع والدولة. فعلى سبيل المثال، فمع وجود الرئيس الأصلاحي محمد خاتمي، لفترة ثماني سنوات في الحكم، لم يغير ذلك شيئا في الاستراتيجية العليا لإيران، على صعيد برنامجها النووي أو في علاقاتها الاستراتيجية.



 jordani-alrabadi@hotmail.com




2012-06-04

إيران والتفاعل الأستراتيجي مع الأزمات







سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية

من الواضح، أن إيران تتبنى عبر التخطيط الاستراتيجي، رؤية خلاصتها، إعادة البناء في مختلف المجالات. ويمكن الاستنتاج أيضاً _ بدون تحفظ _ إن الإمكانيات البشرية والاقتصادية والجيوبوليتيكية والعسكرية، المتوفرة في إيران، تلعب دوراً هاماً وفعالاً في ذلك، بحيث تنتزع إيران دور الشريك الفعال، في تقرير مصير المنطقة. وهذا ما تحاول إيران عبر التخطيط الاستراتيجي، إيجاد الشروط الموضوعية لتحقيقه.

وكما هو معـروف، هناك أساليب عـديدة للتفاعل الأستراتيجي، مع الأزمات وإدارتها. حيث تحاول إيران عبر اتباع وتطبيق التخطيط المدروس في صراعها مع الغرب، زيادة مكاسبها وتخفيض خسائرها، إلى أقصى حد ممكن، وذلك عبر إستخدام استراتيجيات محددة، في إدارة الأزمات والمفاوضات، من خلال عدة خطوات :

أ- تحديد الإستراتيجيات المتناسبة مع ظروف وشروط الأزمة .أي إتقان كيفية الإستفادة من إدارة الأزمة والمفاوضات لتحقيق تأثيرما تريده.

ب- الدمج بين ثلاث أنواع من الخطط في إدارة المفاوضات في وقت واحد. أي الجمع في آن واحد بين كل من : التنازع – التحالف – الإعداد للتفاوض أوالصراع . وهذا ما نجده حاصل في طبيعة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في افغانستان والعراق ووفلسطين ولبنان وسوريا ومنطقة الخليج. مما اعطى إيران القدرة على إيجاد تصور شامل فى أي عملية تفاوضية أو تساومية للسيطرة على تتابع الأحداث.

والتاريخ يعلمنا أن الدول التى تستخدم مبدأ الدمج في التخطيط الاستراتيجي، هي الدول التي نجحت فى عدم الدخول فى الطريق المسدود . والأزمة بين إيران والولايات المتحدة، التي باتت تعـرف بالملف النووي الإيراني، يمكن مقاربتها على صعيد التخطيط، من زاوية الدروس المستفاده فى إدارة الصراع. وتبدو دلالات التجربة الإيرانية بالغة الأهمية فى مختلف المجالات. فهي من ناحية تجربة معاشة ليس فقط بالمعنى المباشر للتعبير، ولكن بالمعنى الاستراتيجي الذى يكشف أبعاد وملامح القوة فى الصراع الدولي الآن، كما هى تجري أمام أعيننا الآن، وفق نمط من الصراعات والمناورات بما يقدم النموذج العملي والمدرك، على إمكانية  تحقيق النجاحات عبر التخطيط الاستراتيجي المتقن .

فمن الدروس المستفادة في التخطيط الاستراتيجي على صعيد أدارة المفاوضات ومواجهة الأزمات، يمكن ذكر الآتي :

1-  التجربة الإيرانية أثبتت أن الوضع الدولي الضاغط  ليس بالامر الحتمي للتنازل. فمن خلال الرؤية الاستراتيجية والتخطيط المنطقي تمكنت إيران - حتى الآن - من البدء فى تخصيب اليورانيوم. كما حصلت على الوقت والظروف الكافية من خلال تحركاتها المرسومة بخطط متقنة.

2-  القرار الاستراتيجي لا يعرف إلا الحسابات والخطط الاستراتيجية. ووضوح الأهداف يُمكن من الإقدام على تكتيكات سياسية، قد تكون متناقضة وحادة التقلب،لكنها تظل صحيحة.

3-  التغييرات السياسية الداخلية هي جزء يجب أن يكون متناغماً مع الأمن القومي، والثوابت الاستراتيجية، المحددة للدولة. فمن الخطأ تصور أن يمكن الفصل بينهما، وهذا ما تحاول إيران فعله عبر التخطيط الاستراتيجي، للتقدم في كافة المجالات .

4-  أن التخطيط لأي مشروع وطني، إذا كان محدداً ومدروساً ويحظى بإجماع شعبي ومحددة خططه، فإن التغييرات السياسية داخل المجتمع حتى وأن تقلبت داخل أو بين النخب السياسية، فإنها تظل فى داخل نطاق الأهداف الوطنية. بمعنى آخر، إن التعددية داخل المجتمع - فى إطار وحدة الأهداف والاستراتيجية - إنما هى تصب فى المصلحة العامة، للمجتمع والدولة. فعلى سبيل المثال، فمع وجود الرئيس الأصلاحي محمد خاتمي، لفترة ثماني سنوات في الحكم، لم يغير ذلك شيئا في الاستراتيجية العليا لإيران، على صعيد برنامجها النووي أو في علاقاتها الاستراتيجية.



لقد تمكّنت إيران نتيجة الاستراتيجية المحكمة، من فرض سيطرتها ووجودها في أهمّ المحاور الإستراتيجيّة الحسّاسة على المستوى الدولي والإقليمي. فبالإضافة إلى القدرات العسكريّة الإيرانيّة، إيران أصبحت من اللاعبين الأساسيّين في المنطقة، خاصّة في الملف العراقي، وتحديداً، بعد فشل الولايات المتحدة الأميركيّة من السّيطرة على الوضع الأمني والسّياسي في العراق  _ والانسحاب الأمريكي من العراق مع بداية العام 2012  هو خير دليل على ذلك _  وغالباً ما يتمّ الحوار بين الولايات المتحدة الأميركيّة وإيران حول الملف العراقي. وكذلك، إيران على تحالف إستراتيجي مع سوريا، ومن الداعمين لحركات المقاومة، في فلسطين ولبنان. وبالتالي، من المتعذر إنكار الدور الإيراني الحيوي، في فلسطين ولبنان والعراق والخليج، عند رسم  أية تسوية أو استراتيجية مستقبلية، لمنطقة الشرق الأوسط 
.
Jordani_alrabadi@hotmail.com



2012-05-30

العلاقات الدولية من الواقعية إلى ما بعد الإنسانية



سلام الربضي \ باحث ومؤلف أردني في العلاقات الدولية





مجلة مدارات استراتيجية \ اليمن
 

http://shebacss.com/madarat/files/mad6/mad7.pdf



الواقع العالمي يعبر عن مرحلة إنتقالية، تتميز بها معظم الملفات الدولية، إن لم نقل السياسة العالمية، والقضايا المطروحة عالمياً من الإرهاب، الأسلحة النووية، البيئة، الفقر، إصلاح الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، العولمة ...الخ كل تلك القضايا تجعلنا نتساءل عن الواقع النظري المفسر لقضايا العالم؟

لقد بتنا نشهد تحولات عميقة في بنية المجتمع العالمي، حيث انتقلنا من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة، بالترافق مع صعود ما يسمى باقتصاد المعرفة، بالإضافة لإنتقالنا من الثنائية القطبية إلى الأحادية النسبية، والإنتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ولقد انتقلنا أيضاً من مفهوم مجتمع الأمن النسبي إلى مفهوم مجتمع الخطر، خطرالتلوث البيئي،الإرهاب، جنون البقر،البذور المسرطنة،الاستنساخ، التقنيات الحيوية..الخ

ومن الواضح إن كل تلك المتغيرات والمعطيات على الصعيد العالمي تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية القائمة على نسق وتوازن دوليين.
ويقصد بالنسق الدولي بإنه إنتظام آلي يعبر عن طبيعة العلاقة بين الدول، وهذه العلاقة خاضعة لنوع من التوازن تعبر عن واقع القوة. وما يميز تلك الطروحات النظرية إرتكازها على مبدأين :
1- مبدأ الدولة اللاعب الوحيد على الصعيد الدولي.
2- مبدأ القوة أي توازن دولي قائم على القوة المادية.
ولكن من خلال محاكاة الواقع العالمي المعاصر، نجد أنه أصبح زاخراً بكثير من التطورات وعلى كافة الأصعدة، الذي يلزمنا التوقف عند بعض المعطيات التي يمكن التعبير عنها بالسؤالين التاليين : 

هل ما زالت الدولة وحدها القادرة على تحديد العلاقات الدولية؟
هل يمكن تحليل هذا الواقع المستجد من خلال الإرتكاز على معيار القوة المادية فقط؟

أولاً، على صعيد الدولة:
إن أكبر إشكالية مطروحة في عصر العولمة هي جدلية العلاقة بين الدولة والعولمة، لدرجة أن كثيراً من النظريات تبشر بزوال الدولة أو تآكل وأفول مكانتها. وكثير من القضايا التي تجعل من مقولة " الدولة اللاعب الوحيد في العلاقات الدولية" هي موضع تساؤل؟ سواء على صعيد الفاعلين، أم من باب طبيعة القضايا العالقة، فهناك تزايد لنفوذ فاعلين غير دوليين أصبحوا محددين رئيسيين للعلاقات الدولية كالمنظمات غير الحكومية، الأفراد ، الشركات عبر الوطنية، المؤسسات الإعلامية.

تأكيداً على هذا الوضع يمكن مراجعة ومتابعة الكثير من الأحداث منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين كمفاوضات جولة الدوحة لـ " منظمة التجارة العالمية" لنرى تأثير المجتمع المدني، والاتفاقيات الدولية كـ " حظر الألغام" 1997، التنوع البيولوجي " 2000"، " كيوتو" للبيئة 1998.وحملات الغاء ديون الدول الفقيرة. وكذلك تأثير الشركات عبر الوطنية في الاقتصاد العالمي، يعكس واقع طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة. كما إن القضايا العالقة او المشكلات الدولية تهم العالم كله، ولم تعد وقفاً على الدول بذاتها. وطبيعة تلك القضايا أو الظواهر، خرجت عما هو مألوف في العلاقات الدولية، فمثلاً مشاكل البيئة هي مشكلة بين الإنسان والطبيعة. وليست مشكلة بين الدول، وذلك من خلال التشخيص الدقيق لتلك الظاهرة.

وفيما يتعلق بظاهرة الإرهاب، فنحن أمام وقائع تتم ليست على أيدي دول، إنما على أيدي منظمات أو شبكات أو أفراد غير معروفة العنوان أو الهوية. أو حتى ليس لها مركز واحد لصنع القرار. وبالتالي فنحن أمام علاقات دولية جديدة لا تزال في طور الإكتشاف، وهذا النوع من العلاقات يتناقض مع منطق العقل التقليدي، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم الدولة التقليدي. بالإضافة إلى التغيير الذي يحصل في مواجهة تلك الظاهرة، ومن هنا تأتي إشكاليات تعريف الإرهاب والعدوان.

وبنظرة للواقع العالمي، نرى أنه حدث تحول كبير لمفهوم الأمن الجماعي أو العالمي، بحيث لم تعد النظرة الكلاسيكية المرتكزة على تحقيق أمن الدولة الأمن السياسي بالمعنى الضيق، هي التي تحكم واقعنا، بل أصبح مفهوم الأمن الإنساني بجميع أبعاده الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، هو السائد في عصرنا الحاضر. فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات بل بمدى الاستجابة للحاجيات الأساسية للإنسان.

وأصبح مفهوم التنمية المستدامة اكثر رواجاً وهو الذي يحاول التوفيق بين تلك الحاجيات الأساسية للإنسان، وبين قدرة البيئة على تلبيتها، وفقاً لمبدأ المحافظة على إمكانات أرضنا من أجل إستفادة أحفادنا منها.

بنية المجتمع العالمي المعاصر تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية، فالواقعية ترى العالم على هيئة نظام تهيمن عليه الدولة، وهدف هذه الأخيرة تحقيق الأمن والقوة والسلم. لكنها اليوم لم تعد هي محور النظام وحدها، وأمام هذا الواقع نجد انفسنا أمام حالتين :
1- حال تخضع لدوافع تقليدية في البحث عن القوة والمصالح والسيادة.
2- حال تخضع لدوافع الاستقلالية وتجاوز الدول.

ثانياً، على صعيد القوة:
المشكلة لا تكمن في مدى أهمية القوة في السياسة العالمية، وإنما حول إمكانية تفسير أنماط القوة وأشكال إستمرارها بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية فقط .أم يجب أيضاً، التركيز وإدراج الجوانب الثقافية عند التحليل؟ فالتفاعل على المسرح الدولي هو تفاعل ثقافي وليس تفاعلاً مادياً فقط، فإذا اخذنا أكثر القضايا سخونة على المستوى العالمي  كالإرهاب، الأسحلة النووية، البيئة، لا يمكن إيجاد مقاربة نظرية لها، بعيداً من البعد الثقافي سواء في تحليلها أو حلولها.

فقضية الأسلحة النووية لم تعد مطروحة من منطلق وجود الأسلحة النووية بحد ذاتها، إنما الأهم في كيفية فهم وجود هذه الأسلحة ؟؟؟ فالولايات المتحدة لا تقلق كثيراً من إمتلاك دول مثل بريطانيا أو فرنسا للأسلحة النووية، على عكس موقفها من إيران أو كوبا، أو ليبيا أو كوريا الشمالية. كما إن قضية الإرهاب منذ احداث 11 أيلول تعطي دلالات جديدة ليس أقلها التعبير عن إنبثاق الثقافة كعامل أساسي في تحليل وتحديد العلاقات الدولية. والعولمة بالمفهوم الواسع أصبحت مسكونة بهاجس التعايش الثقافي، لا بالاقتصاد والتكنولوجيا فحسب، فنحن أمام مفهومين نقيضين :
1- مفهوم الأمبريالية الثقافية ويقصد بها حصراً " الأمبريالية الثقافية الأميركية".
2- مفهوم الأصولية الثقافية، ممثلة بالأصوليات الدينية، كالأصولية الإسلامية اليوم, كما الأصولية الأرثوذكسية البارحة والكاثوليكية من قبلها.
وبالتالي فإن مسألة الإرهاب لا يمكن إيجاد مقاربة لها وفقاُ لمبدأ القوة المادية ( التوازن).



وفي ما يخص مسألة البيئة والتنمية المستدامة، فإنها تطرح وبإلحاح مسألة القيم وتحولاتها، فلم تعد القضية تقف عند حدود الدول بل أصبحت مرتكزة إلى الإنسان بذاته. فالبيئة ومخاطرها تعكس علاقة الإنسان بأرضه، وقضايا التنمية المستدامة والفقر، فلم يعد بالإمكان إيجاد حلول لها على صعيد الدول فقط. والمسألة ليست مطروحة عملياً وعلمياً بين دول غنية ودول فقيرة، بل بين إنسان فقير وآخر غني، وتقارير الأمم المتحدة زاخرة في تحليل هذا الواقع، كما إن التنمية المستدامة قائمة على هاجس السؤال الآتي :

كيف يمكننا وضع حد لانتهاك الموارد القائمة الذي قد يقضي نهائياً على إمكانيات التنمية المستدامة؟
وهل يمكن حدوث ذلك للحفاظ على حظوظ الآجيال القادمة، من دون عقد ثقافي أخلاقي؟
وما هي السبل التي نملكها لمواجهة متطلبات أخلاقية وإنسانية تتضمن إطاراً عاماً للأمن البشري؟

البعد الثقافي أصبح في صلب التحولات العالمية، وإستدعاؤه في التحليل ضروري لفهم هذه الديناميات الجديدة التي يتحول بها العالم. وإذا كانت العلاقات الدولية قائمة على المصالح وستبقى كذلك في كثير من المجالات، ولكن لا بد من دراسة المثل وهويات الدول وليس فقد المصالح، فالهوية تعبر عن الواقع الاجتماعي( من هم الفاعلون)، أما المصالح فتعبر عن الرغبة وعن ماذا نريد، وبالتالي فالهوية تسبق المصالح، حيث الشخص لا يمكن أن يحدد ما هي رغباته وأهدافه ومصالحه من دون معرفته هويته ( من هو) أولاً.

إن التحديات العالمية الجديدة، تتطلب أجوبة جديدة، أي علينا أن نعرف ما إذا كان العالم الجديد الذي ترسم ملامحه، يفترض منا إعادة تقويم جذرية للعقود الاجتماعية التي تشكل عماد مجتمعاتنا المحلية والعالمية؟ وتلك التحولات الشاملة تستوجب جهداً إضافياً على الصعيد النظري، فهل نحن في حاجة لنسق فكري جديد؟

من الواضح أن الإنساق الفكرية المغلقة على طراز مقولة أن " الماركسية" هي الحل أو أن "الرأسمالية" هي الحل، وأيضاً من يقول بأن " الإسلام" هو الحل، هذه الإنساق المغلقة، لم تعد أبواب عالمنا المعاصر مفتوحة لها، كما إن الثنائيات الزائفة التي سادت القرن العشرين، أما الرأسمالية أو الماركسية، أما القطاع العام أو القطاع الخاص، أما العلمانية وأما الدين، أيضاً كلها سقطت إمام دينامية الواقع الحالي. لقد انتقلنا، ولا مجال للشك، إلى مرحلة الإنساق الفكرية المفتوحة، وجديدها الأهم, هو أنه سيحصل تركيب بين عناصر متضادة ما كان يمكن الظن يوماً إنه يمكن أن تتركب منها أطروحة واحدة.

هذه الأطروحة التي تجنح نحو القول بأن تفكيك الإنساق المغلقة يستبقه تشكيل"منظومات", تجتمع فيها عناصر متضادة لم يكن يحسب يوماً لها أن تجتمع.  ألا تستحق التجربة الصينية التوقف عندها؟ فإن واقع الصين الراهن، وكيف تتجاوز وتتعايش الرأسمالية في أكثر أشكالها تجلياً ووضوحاً في النظام الاقتصادي مع نظام سياسي شيوعي، إذ لم يكن يدور في ذهن أحد أن يقود هذا النظام عملية تنمية رأسمالية.

وهناك نموذج آخر ليس ببعيد عن عالمنا العربي، ألا وهو تركيا، فالإسلام التركي حيث تتجاور الفكرة العلمانية مع الفكرة الإسلامية، في مشهد سياسي لا تشهد فيه إضطراباً أو تنازعاً أو تضاداً أو تجافياً ما بين الفكرين. ونحن في إنتظار عامل الزمن الذي سوف يحكم على تلك الإنساق المفتوحة التي سيكون لها التأثير الكبير، على الصعيد النظري المفسر لقضايا العالم، كما بالنسبة لتجديد موازين القوى في العلاقات الدولية.

لقد إعاد القرن العشرين النظر في ثوابتنا اليقينية في ما يتعلق بالمجتمع والتاريخ والإنسان والقيم. وإذا كانت العلمانية حاولت أن تكون البديل عن إخلاقيات الديانـات الكبرى ( العلم، التقدم، التحرر، الإنسانوية). لكن على ما يبدو فإن تطور العلم والتكنولوجيا وهو العامل الحاسم وغير المتوقع، والذي لا يمكن كبح جماحة في التغيير، يهدد مستقبلنا ويؤدي بنا إلى إنسانية لا نعرف ماهيتها .



فهناك كثير من النظريات التي تحاول ملء الفراغ الفكري لعالمنا المعاصر، منها نظرية نهاية التاريخ، نظرية صراع الحضارات، نظرية ما بعد الحداثة، ولكن قد يكون أخطرها نظرية يحلو للبعض أن يطلق عليها تسمية "ما بعد الإنسانية". فلقد دخلنا مرحلة تطور ثوري لعلوم الحياة خصوصاً " البيوتكنولوجيا"، مما سينتج تحولات جذرية في حياة الإنسان, تتيح في الأساس إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية. لندخل بذلك مرحلة تاريخية يكون لها تأثيرات إجتماعية، أخلاقية، سياسية، اقتصادية جذرية.

فهل في المستقبل القريب علينا أن نواجه خيارات أخلاقية في الثورة البيوتقنية أي في مجال التقنيات الحيوية ومنها الهندسة الوراثية. والسؤال الذي يطرح هو: إلى أي حد يمكن إستعمال التكنولوجيا لتحسين الخصائص الوراثية؟

وإذا كانت تلك الأبحاث قائمة على إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية، فجدليات عديدة  فلسفية وسياسية سوف تطرح حول العديد من المفاهيم الأساسية :
أ- المساواة بين البشر.
ب- القدرة على الاختيار الأخلاقي.
ج- تغيير إدراكنا وفهمنا للشخصية والهوية الإنسانية.
د-  التأثير في وتيرة التطور الفكري والمادي، وفي السياسة العالمية بصفة عامة.

وقد يكون أخطر ما في جعبة تلك الثورة " البيوتقنية" هو أنها تزيد من الهوة الموجودة بين المجتمعات والأفراد، الأغنياء والفقراء، حيث بإمكان الأغنياء توظيف ثرواتهم للتحكم في الجينات، وإعادة الهندسة الوراثية لهم ولأولادهم. وبالتالي فإن التحولات " البيوتقنية" قد تزيد من حدة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء، بحيث تضاف إلى الهوة الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والرقمية، هوة بيولوجية، ستكرس للامساواة على مستوى تكويننا البيولوجي.

إذاً مستقبلاً نحن أمام عالم " ما بعد الإنسانية" سيكون أكثر تراتبية ومليئاً بالصراعات الاجتماعية. ولا مكان في داخله لأي مفهوم حول " الإنسانية المشتركة"، إذ سيتم تركيب جينات بشرية مع جينات أخرى، بشكل يجعلنا لا نعلم ما معنى وماهية الكائن الإنساني.

هذا الواقع المستجد الذي يعبر عن ملامح مجتمعنا  العالمي، وتحديداً من منظور فن التساؤل حول الواقع النظري المفسر لقضايا العالم، لا يمكن أن يقتصر النقاش فيه حول ملامح هذا النسق الجديد، بل إن التحدي الجديد في زمن العولمة يكمن في :
كيف وما هي السبل لمواجهة هذا النسق الجديد؟
وهل تحمل النظريات التقليدية ومنها الواقعية في طياتها الإجابة؟
وإذا كان الطموح، هو نشوء نسق كوني من القيم, يحكم سلوك الشعوب والمؤسسات. فهل ستكون مسألة القيم وتحولاتها في صدارة الأسئلة الفكرية الراهنة والمستقبلية؟
وهل إنتقل التركيز والاهتمام في تحديد العلاقات الدولية، من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية إلى العوامل الثقافية، كقوة مؤثرة ودافعة في الشؤون الدولية؟

وإذا كانت المسافة الزمنية لملامح هذا النسق الجديد لم تتجاوز 20 عاماً، وهي مدة، وفقاً للمنهج التاريخي، لا يمكن أن تعطي دلالات ثابتة يمكن البناء عليها، فهل نكون سقطنا في فخ إشكالية الاستعجال في ملء الفراغ النظري المفسر لقضايا عالمنا المعاصر ؟؟؟؟؟








For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com