2012-06-04

إيران والتفاعل الأستراتيجي مع الأزمات







سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية

من الواضح، أن إيران تتبنى عبر التخطيط الاستراتيجي، رؤية خلاصتها، إعادة البناء في مختلف المجالات. ويمكن الاستنتاج أيضاً _ بدون تحفظ _ إن الإمكانيات البشرية والاقتصادية والجيوبوليتيكية والعسكرية، المتوفرة في إيران، تلعب دوراً هاماً وفعالاً في ذلك، بحيث تنتزع إيران دور الشريك الفعال، في تقرير مصير المنطقة. وهذا ما تحاول إيران عبر التخطيط الاستراتيجي، إيجاد الشروط الموضوعية لتحقيقه.

وكما هو معـروف، هناك أساليب عـديدة للتفاعل الأستراتيجي، مع الأزمات وإدارتها. حيث تحاول إيران عبر اتباع وتطبيق التخطيط المدروس في صراعها مع الغرب، زيادة مكاسبها وتخفيض خسائرها، إلى أقصى حد ممكن، وذلك عبر إستخدام استراتيجيات محددة، في إدارة الأزمات والمفاوضات، من خلال عدة خطوات :

أ- تحديد الإستراتيجيات المتناسبة مع ظروف وشروط الأزمة .أي إتقان كيفية الإستفادة من إدارة الأزمة والمفاوضات لتحقيق تأثيرما تريده.

ب- الدمج بين ثلاث أنواع من الخطط في إدارة المفاوضات في وقت واحد. أي الجمع في آن واحد بين كل من : التنازع – التحالف – الإعداد للتفاوض أوالصراع . وهذا ما نجده حاصل في طبيعة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في افغانستان والعراق ووفلسطين ولبنان وسوريا ومنطقة الخليج. مما اعطى إيران القدرة على إيجاد تصور شامل فى أي عملية تفاوضية أو تساومية للسيطرة على تتابع الأحداث.

والتاريخ يعلمنا أن الدول التى تستخدم مبدأ الدمج في التخطيط الاستراتيجي، هي الدول التي نجحت فى عدم الدخول فى الطريق المسدود . والأزمة بين إيران والولايات المتحدة، التي باتت تعـرف بالملف النووي الإيراني، يمكن مقاربتها على صعيد التخطيط، من زاوية الدروس المستفاده فى إدارة الصراع. وتبدو دلالات التجربة الإيرانية بالغة الأهمية فى مختلف المجالات. فهي من ناحية تجربة معاشة ليس فقط بالمعنى المباشر للتعبير، ولكن بالمعنى الاستراتيجي الذى يكشف أبعاد وملامح القوة فى الصراع الدولي الآن، كما هى تجري أمام أعيننا الآن، وفق نمط من الصراعات والمناورات بما يقدم النموذج العملي والمدرك، على إمكانية  تحقيق النجاحات عبر التخطيط الاستراتيجي المتقن .

فمن الدروس المستفادة في التخطيط الاستراتيجي على صعيد أدارة المفاوضات ومواجهة الأزمات، يمكن ذكر الآتي :

1-  التجربة الإيرانية أثبتت أن الوضع الدولي الضاغط  ليس بالامر الحتمي للتنازل. فمن خلال الرؤية الاستراتيجية والتخطيط المنطقي تمكنت إيران - حتى الآن - من البدء فى تخصيب اليورانيوم. كما حصلت على الوقت والظروف الكافية من خلال تحركاتها المرسومة بخطط متقنة.

2-  القرار الاستراتيجي لا يعرف إلا الحسابات والخطط الاستراتيجية. ووضوح الأهداف يُمكن من الإقدام على تكتيكات سياسية، قد تكون متناقضة وحادة التقلب،لكنها تظل صحيحة.

3-  التغييرات السياسية الداخلية هي جزء يجب أن يكون متناغماً مع الأمن القومي، والثوابت الاستراتيجية، المحددة للدولة. فمن الخطأ تصور أن يمكن الفصل بينهما، وهذا ما تحاول إيران فعله عبر التخطيط الاستراتيجي، للتقدم في كافة المجالات .

4-  أن التخطيط لأي مشروع وطني، إذا كان محدداً ومدروساً ويحظى بإجماع شعبي ومحددة خططه، فإن التغييرات السياسية داخل المجتمع حتى وأن تقلبت داخل أو بين النخب السياسية، فإنها تظل فى داخل نطاق الأهداف الوطنية. بمعنى آخر، إن التعددية داخل المجتمع - فى إطار وحدة الأهداف والاستراتيجية - إنما هى تصب فى المصلحة العامة، للمجتمع والدولة. فعلى سبيل المثال، فمع وجود الرئيس الأصلاحي محمد خاتمي، لفترة ثماني سنوات في الحكم، لم يغير ذلك شيئا في الاستراتيجية العليا لإيران، على صعيد برنامجها النووي أو في علاقاتها الاستراتيجية.



لقد تمكّنت إيران نتيجة الاستراتيجية المحكمة، من فرض سيطرتها ووجودها في أهمّ المحاور الإستراتيجيّة الحسّاسة على المستوى الدولي والإقليمي. فبالإضافة إلى القدرات العسكريّة الإيرانيّة، إيران أصبحت من اللاعبين الأساسيّين في المنطقة، خاصّة في الملف العراقي، وتحديداً، بعد فشل الولايات المتحدة الأميركيّة من السّيطرة على الوضع الأمني والسّياسي في العراق  _ والانسحاب الأمريكي من العراق مع بداية العام 2012  هو خير دليل على ذلك _  وغالباً ما يتمّ الحوار بين الولايات المتحدة الأميركيّة وإيران حول الملف العراقي. وكذلك، إيران على تحالف إستراتيجي مع سوريا، ومن الداعمين لحركات المقاومة، في فلسطين ولبنان. وبالتالي، من المتعذر إنكار الدور الإيراني الحيوي، في فلسطين ولبنان والعراق والخليج، عند رسم  أية تسوية أو استراتيجية مستقبلية، لمنطقة الشرق الأوسط 
.
Jordani_alrabadi@hotmail.com



2012-05-30

العلاقات الدولية من الواقعية إلى ما بعد الإنسانية



سلام الربضي \ باحث ومؤلف أردني في العلاقات الدولية





مجلة مدارات استراتيجية \ اليمن
 

http://shebacss.com/madarat/files/mad6/mad7.pdf



الواقع العالمي يعبر عن مرحلة إنتقالية، تتميز بها معظم الملفات الدولية، إن لم نقل السياسة العالمية، والقضايا المطروحة عالمياً من الإرهاب، الأسلحة النووية، البيئة، الفقر، إصلاح الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، العولمة ...الخ كل تلك القضايا تجعلنا نتساءل عن الواقع النظري المفسر لقضايا العالم؟

لقد بتنا نشهد تحولات عميقة في بنية المجتمع العالمي، حيث انتقلنا من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة، بالترافق مع صعود ما يسمى باقتصاد المعرفة، بالإضافة لإنتقالنا من الثنائية القطبية إلى الأحادية النسبية، والإنتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ولقد انتقلنا أيضاً من مفهوم مجتمع الأمن النسبي إلى مفهوم مجتمع الخطر، خطرالتلوث البيئي،الإرهاب، جنون البقر،البذور المسرطنة،الاستنساخ، التقنيات الحيوية..الخ

ومن الواضح إن كل تلك المتغيرات والمعطيات على الصعيد العالمي تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية القائمة على نسق وتوازن دوليين.
ويقصد بالنسق الدولي بإنه إنتظام آلي يعبر عن طبيعة العلاقة بين الدول، وهذه العلاقة خاضعة لنوع من التوازن تعبر عن واقع القوة. وما يميز تلك الطروحات النظرية إرتكازها على مبدأين :
1- مبدأ الدولة اللاعب الوحيد على الصعيد الدولي.
2- مبدأ القوة أي توازن دولي قائم على القوة المادية.
ولكن من خلال محاكاة الواقع العالمي المعاصر، نجد أنه أصبح زاخراً بكثير من التطورات وعلى كافة الأصعدة، الذي يلزمنا التوقف عند بعض المعطيات التي يمكن التعبير عنها بالسؤالين التاليين : 

هل ما زالت الدولة وحدها القادرة على تحديد العلاقات الدولية؟
هل يمكن تحليل هذا الواقع المستجد من خلال الإرتكاز على معيار القوة المادية فقط؟

أولاً، على صعيد الدولة:
إن أكبر إشكالية مطروحة في عصر العولمة هي جدلية العلاقة بين الدولة والعولمة، لدرجة أن كثيراً من النظريات تبشر بزوال الدولة أو تآكل وأفول مكانتها. وكثير من القضايا التي تجعل من مقولة " الدولة اللاعب الوحيد في العلاقات الدولية" هي موضع تساؤل؟ سواء على صعيد الفاعلين، أم من باب طبيعة القضايا العالقة، فهناك تزايد لنفوذ فاعلين غير دوليين أصبحوا محددين رئيسيين للعلاقات الدولية كالمنظمات غير الحكومية، الأفراد ، الشركات عبر الوطنية، المؤسسات الإعلامية.

تأكيداً على هذا الوضع يمكن مراجعة ومتابعة الكثير من الأحداث منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين كمفاوضات جولة الدوحة لـ " منظمة التجارة العالمية" لنرى تأثير المجتمع المدني، والاتفاقيات الدولية كـ " حظر الألغام" 1997، التنوع البيولوجي " 2000"، " كيوتو" للبيئة 1998.وحملات الغاء ديون الدول الفقيرة. وكذلك تأثير الشركات عبر الوطنية في الاقتصاد العالمي، يعكس واقع طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة. كما إن القضايا العالقة او المشكلات الدولية تهم العالم كله، ولم تعد وقفاً على الدول بذاتها. وطبيعة تلك القضايا أو الظواهر، خرجت عما هو مألوف في العلاقات الدولية، فمثلاً مشاكل البيئة هي مشكلة بين الإنسان والطبيعة. وليست مشكلة بين الدول، وذلك من خلال التشخيص الدقيق لتلك الظاهرة.

وفيما يتعلق بظاهرة الإرهاب، فنحن أمام وقائع تتم ليست على أيدي دول، إنما على أيدي منظمات أو شبكات أو أفراد غير معروفة العنوان أو الهوية. أو حتى ليس لها مركز واحد لصنع القرار. وبالتالي فنحن أمام علاقات دولية جديدة لا تزال في طور الإكتشاف، وهذا النوع من العلاقات يتناقض مع منطق العقل التقليدي، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم الدولة التقليدي. بالإضافة إلى التغيير الذي يحصل في مواجهة تلك الظاهرة، ومن هنا تأتي إشكاليات تعريف الإرهاب والعدوان.

وبنظرة للواقع العالمي، نرى أنه حدث تحول كبير لمفهوم الأمن الجماعي أو العالمي، بحيث لم تعد النظرة الكلاسيكية المرتكزة على تحقيق أمن الدولة الأمن السياسي بالمعنى الضيق، هي التي تحكم واقعنا، بل أصبح مفهوم الأمن الإنساني بجميع أبعاده الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، هو السائد في عصرنا الحاضر. فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات بل بمدى الاستجابة للحاجيات الأساسية للإنسان.

وأصبح مفهوم التنمية المستدامة اكثر رواجاً وهو الذي يحاول التوفيق بين تلك الحاجيات الأساسية للإنسان، وبين قدرة البيئة على تلبيتها، وفقاً لمبدأ المحافظة على إمكانات أرضنا من أجل إستفادة أحفادنا منها.

بنية المجتمع العالمي المعاصر تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية، فالواقعية ترى العالم على هيئة نظام تهيمن عليه الدولة، وهدف هذه الأخيرة تحقيق الأمن والقوة والسلم. لكنها اليوم لم تعد هي محور النظام وحدها، وأمام هذا الواقع نجد انفسنا أمام حالتين :
1- حال تخضع لدوافع تقليدية في البحث عن القوة والمصالح والسيادة.
2- حال تخضع لدوافع الاستقلالية وتجاوز الدول.

ثانياً، على صعيد القوة:
المشكلة لا تكمن في مدى أهمية القوة في السياسة العالمية، وإنما حول إمكانية تفسير أنماط القوة وأشكال إستمرارها بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية فقط .أم يجب أيضاً، التركيز وإدراج الجوانب الثقافية عند التحليل؟ فالتفاعل على المسرح الدولي هو تفاعل ثقافي وليس تفاعلاً مادياً فقط، فإذا اخذنا أكثر القضايا سخونة على المستوى العالمي  كالإرهاب، الأسحلة النووية، البيئة، لا يمكن إيجاد مقاربة نظرية لها، بعيداً من البعد الثقافي سواء في تحليلها أو حلولها.

فقضية الأسلحة النووية لم تعد مطروحة من منطلق وجود الأسلحة النووية بحد ذاتها، إنما الأهم في كيفية فهم وجود هذه الأسلحة ؟؟؟ فالولايات المتحدة لا تقلق كثيراً من إمتلاك دول مثل بريطانيا أو فرنسا للأسلحة النووية، على عكس موقفها من إيران أو كوبا، أو ليبيا أو كوريا الشمالية. كما إن قضية الإرهاب منذ احداث 11 أيلول تعطي دلالات جديدة ليس أقلها التعبير عن إنبثاق الثقافة كعامل أساسي في تحليل وتحديد العلاقات الدولية. والعولمة بالمفهوم الواسع أصبحت مسكونة بهاجس التعايش الثقافي، لا بالاقتصاد والتكنولوجيا فحسب، فنحن أمام مفهومين نقيضين :
1- مفهوم الأمبريالية الثقافية ويقصد بها حصراً " الأمبريالية الثقافية الأميركية".
2- مفهوم الأصولية الثقافية، ممثلة بالأصوليات الدينية، كالأصولية الإسلامية اليوم, كما الأصولية الأرثوذكسية البارحة والكاثوليكية من قبلها.
وبالتالي فإن مسألة الإرهاب لا يمكن إيجاد مقاربة لها وفقاُ لمبدأ القوة المادية ( التوازن).



وفي ما يخص مسألة البيئة والتنمية المستدامة، فإنها تطرح وبإلحاح مسألة القيم وتحولاتها، فلم تعد القضية تقف عند حدود الدول بل أصبحت مرتكزة إلى الإنسان بذاته. فالبيئة ومخاطرها تعكس علاقة الإنسان بأرضه، وقضايا التنمية المستدامة والفقر، فلم يعد بالإمكان إيجاد حلول لها على صعيد الدول فقط. والمسألة ليست مطروحة عملياً وعلمياً بين دول غنية ودول فقيرة، بل بين إنسان فقير وآخر غني، وتقارير الأمم المتحدة زاخرة في تحليل هذا الواقع، كما إن التنمية المستدامة قائمة على هاجس السؤال الآتي :

كيف يمكننا وضع حد لانتهاك الموارد القائمة الذي قد يقضي نهائياً على إمكانيات التنمية المستدامة؟
وهل يمكن حدوث ذلك للحفاظ على حظوظ الآجيال القادمة، من دون عقد ثقافي أخلاقي؟
وما هي السبل التي نملكها لمواجهة متطلبات أخلاقية وإنسانية تتضمن إطاراً عاماً للأمن البشري؟

البعد الثقافي أصبح في صلب التحولات العالمية، وإستدعاؤه في التحليل ضروري لفهم هذه الديناميات الجديدة التي يتحول بها العالم. وإذا كانت العلاقات الدولية قائمة على المصالح وستبقى كذلك في كثير من المجالات، ولكن لا بد من دراسة المثل وهويات الدول وليس فقد المصالح، فالهوية تعبر عن الواقع الاجتماعي( من هم الفاعلون)، أما المصالح فتعبر عن الرغبة وعن ماذا نريد، وبالتالي فالهوية تسبق المصالح، حيث الشخص لا يمكن أن يحدد ما هي رغباته وأهدافه ومصالحه من دون معرفته هويته ( من هو) أولاً.

إن التحديات العالمية الجديدة، تتطلب أجوبة جديدة، أي علينا أن نعرف ما إذا كان العالم الجديد الذي ترسم ملامحه، يفترض منا إعادة تقويم جذرية للعقود الاجتماعية التي تشكل عماد مجتمعاتنا المحلية والعالمية؟ وتلك التحولات الشاملة تستوجب جهداً إضافياً على الصعيد النظري، فهل نحن في حاجة لنسق فكري جديد؟

من الواضح أن الإنساق الفكرية المغلقة على طراز مقولة أن " الماركسية" هي الحل أو أن "الرأسمالية" هي الحل، وأيضاً من يقول بأن " الإسلام" هو الحل، هذه الإنساق المغلقة، لم تعد أبواب عالمنا المعاصر مفتوحة لها، كما إن الثنائيات الزائفة التي سادت القرن العشرين، أما الرأسمالية أو الماركسية، أما القطاع العام أو القطاع الخاص، أما العلمانية وأما الدين، أيضاً كلها سقطت إمام دينامية الواقع الحالي. لقد انتقلنا، ولا مجال للشك، إلى مرحلة الإنساق الفكرية المفتوحة، وجديدها الأهم, هو أنه سيحصل تركيب بين عناصر متضادة ما كان يمكن الظن يوماً إنه يمكن أن تتركب منها أطروحة واحدة.

هذه الأطروحة التي تجنح نحو القول بأن تفكيك الإنساق المغلقة يستبقه تشكيل"منظومات", تجتمع فيها عناصر متضادة لم يكن يحسب يوماً لها أن تجتمع.  ألا تستحق التجربة الصينية التوقف عندها؟ فإن واقع الصين الراهن، وكيف تتجاوز وتتعايش الرأسمالية في أكثر أشكالها تجلياً ووضوحاً في النظام الاقتصادي مع نظام سياسي شيوعي، إذ لم يكن يدور في ذهن أحد أن يقود هذا النظام عملية تنمية رأسمالية.

وهناك نموذج آخر ليس ببعيد عن عالمنا العربي، ألا وهو تركيا، فالإسلام التركي حيث تتجاور الفكرة العلمانية مع الفكرة الإسلامية، في مشهد سياسي لا تشهد فيه إضطراباً أو تنازعاً أو تضاداً أو تجافياً ما بين الفكرين. ونحن في إنتظار عامل الزمن الذي سوف يحكم على تلك الإنساق المفتوحة التي سيكون لها التأثير الكبير، على الصعيد النظري المفسر لقضايا العالم، كما بالنسبة لتجديد موازين القوى في العلاقات الدولية.

لقد إعاد القرن العشرين النظر في ثوابتنا اليقينية في ما يتعلق بالمجتمع والتاريخ والإنسان والقيم. وإذا كانت العلمانية حاولت أن تكون البديل عن إخلاقيات الديانـات الكبرى ( العلم، التقدم، التحرر، الإنسانوية). لكن على ما يبدو فإن تطور العلم والتكنولوجيا وهو العامل الحاسم وغير المتوقع، والذي لا يمكن كبح جماحة في التغيير، يهدد مستقبلنا ويؤدي بنا إلى إنسانية لا نعرف ماهيتها .



فهناك كثير من النظريات التي تحاول ملء الفراغ الفكري لعالمنا المعاصر، منها نظرية نهاية التاريخ، نظرية صراع الحضارات، نظرية ما بعد الحداثة، ولكن قد يكون أخطرها نظرية يحلو للبعض أن يطلق عليها تسمية "ما بعد الإنسانية". فلقد دخلنا مرحلة تطور ثوري لعلوم الحياة خصوصاً " البيوتكنولوجيا"، مما سينتج تحولات جذرية في حياة الإنسان, تتيح في الأساس إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية. لندخل بذلك مرحلة تاريخية يكون لها تأثيرات إجتماعية، أخلاقية، سياسية، اقتصادية جذرية.

فهل في المستقبل القريب علينا أن نواجه خيارات أخلاقية في الثورة البيوتقنية أي في مجال التقنيات الحيوية ومنها الهندسة الوراثية. والسؤال الذي يطرح هو: إلى أي حد يمكن إستعمال التكنولوجيا لتحسين الخصائص الوراثية؟

وإذا كانت تلك الأبحاث قائمة على إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية، فجدليات عديدة  فلسفية وسياسية سوف تطرح حول العديد من المفاهيم الأساسية :
أ- المساواة بين البشر.
ب- القدرة على الاختيار الأخلاقي.
ج- تغيير إدراكنا وفهمنا للشخصية والهوية الإنسانية.
د-  التأثير في وتيرة التطور الفكري والمادي، وفي السياسة العالمية بصفة عامة.

وقد يكون أخطر ما في جعبة تلك الثورة " البيوتقنية" هو أنها تزيد من الهوة الموجودة بين المجتمعات والأفراد، الأغنياء والفقراء، حيث بإمكان الأغنياء توظيف ثرواتهم للتحكم في الجينات، وإعادة الهندسة الوراثية لهم ولأولادهم. وبالتالي فإن التحولات " البيوتقنية" قد تزيد من حدة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء، بحيث تضاف إلى الهوة الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والرقمية، هوة بيولوجية، ستكرس للامساواة على مستوى تكويننا البيولوجي.

إذاً مستقبلاً نحن أمام عالم " ما بعد الإنسانية" سيكون أكثر تراتبية ومليئاً بالصراعات الاجتماعية. ولا مكان في داخله لأي مفهوم حول " الإنسانية المشتركة"، إذ سيتم تركيب جينات بشرية مع جينات أخرى، بشكل يجعلنا لا نعلم ما معنى وماهية الكائن الإنساني.

هذا الواقع المستجد الذي يعبر عن ملامح مجتمعنا  العالمي، وتحديداً من منظور فن التساؤل حول الواقع النظري المفسر لقضايا العالم، لا يمكن أن يقتصر النقاش فيه حول ملامح هذا النسق الجديد، بل إن التحدي الجديد في زمن العولمة يكمن في :
كيف وما هي السبل لمواجهة هذا النسق الجديد؟
وهل تحمل النظريات التقليدية ومنها الواقعية في طياتها الإجابة؟
وإذا كان الطموح، هو نشوء نسق كوني من القيم, يحكم سلوك الشعوب والمؤسسات. فهل ستكون مسألة القيم وتحولاتها في صدارة الأسئلة الفكرية الراهنة والمستقبلية؟
وهل إنتقل التركيز والاهتمام في تحديد العلاقات الدولية، من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية إلى العوامل الثقافية، كقوة مؤثرة ودافعة في الشؤون الدولية؟

وإذا كانت المسافة الزمنية لملامح هذا النسق الجديد لم تتجاوز 20 عاماً، وهي مدة، وفقاً للمنهج التاريخي، لا يمكن أن تعطي دلالات ثابتة يمكن البناء عليها، فهل نكون سقطنا في فخ إشكالية الاستعجال في ملء الفراغ النظري المفسر لقضايا عالمنا المعاصر ؟؟؟؟؟








2012-05-12

في رثاء والدي







أنا منْ مات، ومنْ مات أنا
لقي الموتَ كلانا مرتين


نحن كنا مهجة ً في بدنٍ

ثم صِرْنا مُهجة ً في بَدَنَيْن


ثم عدنا مهجة في بدنٍ

ثم نُلقى جُثَّة ً في كَفَنَيْن

 
وهما العذرُ إذا ما أُغضِبَا

وهما الصّفحُ لنا مُسْتَرْضَيَيْن


 



ليتَ شعري أيُّ حيٍّ لم يدن
بالذي دَانا به مُبتدِئَيْن؟


وقف الله بنا حيث هما

وأمات الرسلَ إلا الوالدين


ما أَبِي إلاَّ أَخٌ فارَقْتُه

ودّه الصدقُ، وودّ الناس مين


طالما قمنا إلى مائدة ٍ

كانت الكسرة ُ فيها كسرتين


وشربنا من إناءٍ واحدٍ

وغسلنا بعدَ ذا فيه اليدين


يا أبي والموتُ كأسٌ مرة ٌ
 
لا تذوقُ النفسُ منها مرتين

كيف كانت ساعة ٌ قضيتها

كلُّ شيءٍ قبلَها أَو بعدُ هَيْن؟


أَشرِبْتَ الموت فيها جُرعة ً

أَم شرِبْتَ الموتَ فيها جُرعتين؟


لا تَخَفْ بعدَكَ حُزناً أَو بُكاً

جمدتْ منِّي ومنكَ اليومَ عين 





أنت قد علمتني تركَ الأسى

كلُّ زَيْنٍ مُنتهاه الموتُ شَيْن


ليت شعري: هل لنا أن نلتقي

مَرّة ً، أَم ذا افتراقُ المَلَوَين؟


وإذا متُّ وأُودعتُ الثرى

أَنلقَى حُفرة ً أَم حُفْرتين؟


سلام الربضي


 

2012-05-04

رجائي إذ ضاق عنى الرجاء







الحمد لله 


الذي في كل نفس من الانفاس 
وخطرة من الخطرات 

منا  منن لا تحصى 

وفى كل لحظة من اللحظات نعم لا تنسى
وفى كل حال من الحالات عائدة لا تخفى


سبحان الله 


الذي يقهر القوي وينصر الضعيف 
ويجبر الكسير  ويغنى الفقير 
ويقبل اليسير ويعطى الكثير
وهو على كل شئ قدير


الله 


السابغ النعمة البالغ الحكمة 
الدامغ الحجة الواسع الرحمة 
المانع العصمة

ذو السلطان المنيع والبنيان الرفيع 
والانشاء البديع والحساب السريع


اللهم إني أسئلك سؤال 


الخائف من وقفة الموقف
المأخوذ على الغرة، النادم على خطيئته
المسؤل المحاسب الذي لم يكنه عنك مكان

ولا وجد مفرا إليك سواك 
مقر قد أحاطت به الهموم
وضاقت عليه رحائب التخوم
موقن بالموت مبادر بالتوبة
أنت مننت بها عليه وعفوت عنه




أنت إلهى

رجائي إذ ضاق عنى الرجاء، وملجأي إذ لم أجد فناء للالتجاء 
توحدت سيدي بالعز والعلاء وتفردت بالوحدانية والبقاء
وأنت المتعزز الفرد المتعال، ذو المجد فلك رب الحمد
 لا يواري منك مكان، ولا يغيرك زمان


أنت إله 


كل شئ وخالقه، وجبار كل مخلوق ورازقه
فالعزيز من أعززت والذليل من أذللت
والسعيد من أسعدت، والشقى من أشقيت
والغنى من أغنيت، والفقير من أفقرت
أنت وليى ومولاي وعليك رزقي


انك 


أرحم الراحمين
وأجود الاجودين 
وأكرم الاكرمين
أهل التقوى وأهل المغفرة
أكرمنى برأفتك ورحمتك 
وفردانبتك وربوبيتك


قصدت 


راجبا فلا تردني ، إنك جواد مفضال.
يا رؤفا بالعباد ومن هو لهم بالمرصاد 


اخصصني 

منك بمغفرة لا يقارنها شقاء
وسعادة لا يدانيها أذى 
وألهمنى تقاك ومحبتك


إنك 

على كل شئ قدير 
وبكل شئ محيط


آمين





salam al- rabadi



2012-04-27

اجعلنى يا رب جسرا لسلامك



اجعلنى يا رب جسرا لسلامك



  حيث تكون هناك كراهية أجلب المحبة
وحيثما يكون هناك خطأ أجلب روح التسامح 

وحين يكون هناك شقاق أجلب روح التناغم 

وحيثما يكون هناك خطأ أجلب الحق 

وحيث يكون هناك شك أجلب الإيمان

وحيثما تكون هناك ظلال قاتمة أجلب النور 

وحين يكون هناك حزن أجلب الفرح

أعطنى يا رب أن أسعى لا من أجل راحة نفسى 
بل من أجل راحة الآخرين 

وأن أفهم الآخرين لا أن أكون مفهوما 

وأن أحب الآخرين لا أن أكون محبوبا 

لأن بنسيان المرء نفسه يجدها 

وبالموت يقوم المرء إلى حياة أبدية


2012-03-12

من التراب وإلى التراب تعود


انتقل إلى رحمة الله

الياس عيسى ثلجي الربضي 

والد الباحث والمؤلف في العلاقات الدولية

سلام الربضي

بتاريخ 12-3-2012

عجلون \ الأردن

 

 

 

 

 

2012-03-03

المستقبل والعقل والحضارة






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية 

عن مجلة الثقافة العالمية \ الكويت

أنه لمن الصعب أن تتشرف المستقبل في عالم سريع التغير، فمعظم التنبؤات هي مجرد اسقاطات خطية لواقع هذه الأيام. فالتاريخ يؤكد بشكل تقريبي, أن التغيير ليس خطيا أبدا , فلم يكن من الممكن تخيل أكثر الاختراقات المعرفية أهمية, قبل جيل واحد من حدوثها. ومع ذلك, وعندما يتم فحصها بعدياً من منظور تاريخي, يمكن القول أن هذه التغيرات كانت عقلانية بشكل واضح,  وكانت هناك حاجة لها, وكانت اللحظة مواتية.

والتغيير الحقيقي هو التيار التحتي غير المرئي الذي يحدد اتجاه الموجة. فمن الممكن قراءة المؤشرات في كل ما يحيط بنا، فبعض الأشياء الصغير هذه الأيام ستكبر وتصبح مؤثرة في المستقبل. فالقدرة المبدعة، عوضاً من الاسقاطات الخطية للخبراء, ستقوم بصناعة المستقبل. حيث أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي أن تساعد في إبداعه. وانطلاقاً من ذلك, هنالك تطورات جديدة في طريقها إلى التحقيق بالفعل, والتي يمكن أن تعيد تشكيل العالم.

1- قم بعملها ... بنفسك:

أوشك سلطان الخبراء والمسؤولين على الانتهاء تقريبا، أي شخص يمكن أن يقوم بعمل أي شيء. ما عليك سوى الحصول على المعلومات من الانترنت. هل ترغب أن تصبح مزارع؟ هل ترغب في أن تصبح مؤلفا موسيقيا؟؟ فقط قم بشراء البرامج الاكترونية. فكل شخص فنان، وكل شخص رجل أعمال. إنه مجتمع "قم بذلك بنفسك" الذي يمكن كل فرد, من تطوير مواهبه الفريدة. فالشبكة العنكبوتية المترابطة هي أرض الأحلام لكل صاحب موهبة, ولكل من يحب الاستطلاع. لقد ولى عهد الخبراء. سيكون بالإمكان فعل أي شيء. فلا حاجة لأن تنتظر حكومة أو شركة أو شخصاً آخر ليقوم بما هو حاجة للإنجاز، يمكنك التوقف عن الشكوى والبدء بالتنفيذ. يمكنك تقديم أي مساهمة شخصية من أجل عالم أفضل وأكثر عدلاً, حتى لو لم تتصرف حكومتك على النحو الذي تريدها أن تتصرف به.

2- أهلاً ومرحباً، بالجميع:

التنوع مفتاح للحياة الاقتصادية وللثقافية، أهلا بكم في عالم التعددية الإثنية، والتعددية العرقية، عالم الحدود المفتوحة، حيث لا يحتاج أحد، إلى جواز سفر، خليط من الأعراف والأديان والقوميات تحدد ثروة الأمم. وإن صعود العولمة الاقتصادية, قد حعل من العالم قرية عالمية، وإنه لمن المستحيل رسم حدوداً في عالم التمويل الدولي. كما أن هذه القوة التوحيدية نفسها, تعمل بفعالية في عالم الثقافة, مثل الموسيقى، الأفلام، والأفكار. فنسيج الحياة اليومية للناس, أصبح أكثر تشابهاً حول العالم .


3- تحرير التعليم:

تحرر التعليم يعني أن لكل طفل الحق وليس الواجب في التعليم. التعليم نشاط شخصي ويجب أن يكون كذلك. لأننا جميعاً مختلفون. ولهذا, أصبح التعليم الاجباري بمناهجه الثابتة الموحدة للجميع, عتيق الطراز. وتعود تلك المنظومة للثورة الصناعية, عندما كان مطلوب من المدارس أن تدرب قوة عاملة متماثلة مطيعة لتقوم بالأعمال في خطوط الانتاج في المصانع. وكما شهدنا نهاية الثورة الصناعية, فنحن نشاهد الآن, نهاية الأساس المنطقي للمدارس التقليدية. لا حاجة بنا لتعليم موحد وامتحانات موحدة، وليس على الأطفال واجب دراسة ما يريد لهم الكبار أن يعرفوه فقط. إذ إن متابعة الطلاب لاهتماماتهم وتطوير مواهبهم هو أفضل شيء يمكن أن يفعلوه من أجل خدمة مجتمعهم. فالتعليم عندما يكون حراً يكون لا نهاية به ولا حدود. لأن جوهر التعليم, ليس اكتساب المعرفة، بل إيجاد معنى في الحياة.

4-  الشفاء الطبيعي:

الشفاء ليس محاربة الأمراض بمقدار ما هو التعاون مع أجسامنا نفسها.فإذا ما أتيحت الفرص الحقيقية, يستطيع الناس شفاء أنفسهم. فالاسترخاء وتغيير البيئة يولد الشفاء. والصلوات تشفي ,والحب يشفي. والمرض من ناحية أساسية, ليس شيئا من الخارج يقوم بغزونا أو اجتياحنا,  بل هناك شيئا ما داخل منظومتنا, قد فقد توازنه. ففي نهاية الأمر، إن جسم الإنسان عبارة عن منظومة معقدة من الترددات على نحو لا يصدق، ولكل عضو ولكل خلية، ولكل ذرة تردد مختلف. والصحة تعني أن جميع هذه الوظائف الطبيعية تعمل في تناغم منسق. وفي حالة المرض سيكون التحدي هو إعادة الذبذات الصحية بمساعدة آليات التغذية الحيوية مع طرق المعالجة البازغة الأخرى.

5-  من أنت ؟

ثورة في الأصالة ستجلب معها تغيرات اجتماعية مذهلة. نحن نأتي إلى هذا العالم لنكون أنفسنا. لا يوجد شخصان متماثلان تماماً, وتلك هي أكبر نعمة حلت بنا. التحدي الذي يواجهنا هو أن نتشارك في مجتمع كما نحن في حقيقتنا, بدلاً من كوننا خدماً لا صوت لهم, سوى تنفيذ أفكار أناس آخرين. فنحن نعيش في عالم غريب يتخذ فيه الأشخاص قرارات في المؤسسات العامة والخاصة سواء كانت سياسية أو تجارية أو اجتماعية, لن يتخذونها أبداً في بيوتهم. فالبيروقراطيين والموظفون يطبقون بشكل صارم قوانين لا يعتقدون بصحتها. وهذا العمل يؤدي إلى نشر صفات التشاؤم والشك في نوايا الآخرين على نحو واسع في كل جوانب المجتمع. فالبحث في الأصالة يغير العالم. فالمجتمع الذي يتبع أفراده ندائهم الباطني, يقدمون مساهمة فعالة للإنسانية. فهم يلهمون الآخرين ويعطون معنى لحياتهم نفسها.

6- فوز الجميع:

نحن ندخل في عصر تم فيه, تحقيق توازن جديد بين المادة والروح. والعناصر المتكاملة في كوننا التي تتمثل بالعلم والروحانية, قد عادت إلى التوحد. إذ تظهر لنا علوم الفيزياء والأحياء والكيمياء، أن عالمنا مترابط بينياً على أعمق المستويات الممكنة. ويقوم العلم بالبرهنة على صحة ما كان قد قاله حكماء المشرق على مدى آلاف السنين: لا يوجد هناك "نحن". وليس هناك "هم". فالتعلق بالقيم الروحية ليس مجرد تجربة فردية فقط لكنها أيضا تفاعلا مع الآخر. والمجتمع ليس مجرد هيكل مادي في المنظمات، والطرق والضرائب والمباني. إنه أولاً وقبل كل شبكة من الناس، مترابطين روحياً في رحلة  الحياة.ويقوم هذا الوعي المتنامي بتغيير السياسة. والاقتصاد والعلم والفنون. فالاكتشافات العلمية والتطور الروحي يؤديان إلى نموذج فكري جديد. من الممكن أن يساعد على ترك الحروب والتنافس السلبي وراء ظهورنا. إذ أنه لا يمكن الربح من دون أي خسارة, فقط  سنربح عندما نربح جميعاً.

7- نحن أسرة واحدة:

كانت الأسر دائماً هي حجر الرحى للمجتمعات الإنسانية. لكنها تيغرت بدرجة كبيرة على مدى القرون. على الرغم من أن العائلات الكبيرة الممتدة لا تزال هي القاعدة العامة في الدول النامية. إلا أن معظمنا قد انسحب إلى وحدات نووية أصغر. العائلات ستصبح مختلفة عندما نصبح جميعاً بشكل تدريجي أناسا متعددي الأبعاد على نحو أكبر. نبحث عن ما يمكننا من الدخول في عضوية عوالم ثقافية ومعرفية جديدة, تمكننا من التعامل مع تعقيدات الحياة. ففكرة الإنسانية في جوهرها، تدور حول العلاقات والعائلات في أوسع معانيها الممكنة.

8- الوفرة:

نهاية الندرة, قد يكون ذلك هو أصعب شيء يمكن لعقولنا الانسانية أن تتصوره. نحن نعيش في عالم لا نهاية له، ومع ذلك نميل لأن ننظر إلى مستقبلنا ضمن سياق محددات الحاضر. فبالنسبة لنا، تعتبر نهاية النفط نهاية الطاقة. فقد ينفذ النفط في وقت ما، لكن الذرات التي يتكون منها النفط ستبقى حولنا. ففي الواقع دقيقتان من ضياء الشمس توفر ما يكفي من الطاقة للاستهلاك السنوي الحالي للعالم أجمع. فالطبيعة تؤكد لنا باستمرار الوفرة في الكون. والقضية تكمن في إشكالية الأولويات. فلو استطعنا التوقف عن استثمار الأموال  في الحروب، لكان لدينا أكثر مما يكفي لخلق مصادر طاقة مستدامة؟؟؟؟ فوفرة الطاقة تأتي مع مسؤولية استعمالها بعقلانية بأفضل الطرقأجل مصلحة الإنسانية.

9- لنصبح متحضرين:

لقد وجدت الانسانية منذ ما يقارب 50 ألف سنة، ولكن دعونا نواجه الحقيقة، إن الحضارة هدف لا يزال علينا الوصول إليه بعد. ونحن اليوم نعيش وسط إنجازات علمية وثقافية مدهشة. وفي المجتمع المتحضر، لا يقتل الناس بعضهم بعضاً لأسباب مادية وتعصبية. وبذلك المعنى، الحيوانات أكثر تحضرا من بني البشر. فهي تقتل من أجل الحصول على الغزاء والدفاع عن النفس. وبعض الثقافات الأصلية عاشت بطريقة تقدس الحياة. وهذه هي الحضارات الحقيقية الوحيدة التي عرفها الإنسان.

لقد قالها غاندي ذات مرة على نحو جميل وبطريقة ساخرة عندما سأله أحد الصحافيين: 
ما رأيك في الحضارة الغربية؟ 
أجاب قائلا: أعتقد أن ذلك سيكون فكرة رائعة ؟؟؟ 

مع كل ذلك التفاؤل من أجل أن يكون هناك نهاية للحروب التي  لا معنى لها. وعندما نكتشف القدرة على إبداع واقع بشروطنا الخاصة، سيكون من الممكن أن نتصور عالماً مسالماً بشكل حقيقي. 

الأمر كله يبدأ في عقولنا. عقلك أنت، وفي عقلنا نحن. وهذه هي الدعوة لكل الإنسانية من أجل أن نكون حضاريين.



For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com