2009-10-28

المنظور الإستراتيجي الإسرائيلي وإيران وسوريا


سلام الربضي ..... باحث في العلاقات الدولية



مجلة صوت العروبة\ واشنطن11\10.\2009

www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=16965



اهتمام إسرائيل في المشرق العربي بتفتيت دوله ينبع من أسباب واعتبارات حيويّة, فعندما تتكلم اسرائيل عن مصالحها ومجالها الحيوي لا يمكنها التمييز بين حدود 1948 وحدود 1967 لأنّ المهم بالنسبة لها هو أن تكون حدودها آمنة بصرف النظر عن موقع هذه الحدود وطبيعتها على الخريطة,فالحدود ترتبط في إسرائيل ارتباطا عضويًا برؤيتها لطبيعة دولة اسرائيل الدولة اليهوديّة. فإسرائيل لا تكتفي وفقا لاستراتيجيّتها بتفتيت تلك المنطقة فقط بل أيضا اعادة رسم حدودها السياسيّة وإعطاء نفسها الحق في التمدّد وفقا لمقتضيات استراتيجيّتها ومجالها الحيوي، واضعة نصب عينيها القنبلة الديموغرافيّة التي سوف تواجهها وفق رؤيتها لمشروع إسرائيل الجديدة أي إسرائيل اليهوديّة.

الحدود الآمنة بالنسبة لإسرائيل هي الحدود التي تمكّن إسرائيل من السّيطرة على كل المنطقة الواقعة بين النهر والبحر، وهذا الفهم الخاص جدًا للحدود الآمنة هو الذي يحدّد المصالح الاستراتيجيّة الاسرائيليّة والموقف من قضيّة التسوية مع العرب. والسّيطرة بالمفهوم الاسرائيلي ليست السّيطرة بالمعنى العسكري بل تشمل السّيطرة السّياسيّة، الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والسّيطرة الديمغرافيّة بالدّرجة الأولى.

المبحث الأول : الشرق الأوسط الكبير.

أ- مشروع الشرق الأوسط الكبير:


لا وجود ولا مستقبل بالمنظور الاستراتيجي الاسرائيلي لإسرائيل الا بالسّيطرة الفعليّة والكليّة بالوجود السّكاني الخالص لليهود في حدودها.


وتعتمد إسرائيل في تحديد مصالحها الاستراتيجيّة وإدارة صراعها مع دول المنطقة على منهج واضح ودائم يرتكز على الدّعامات التالية:


‌أ- اعتماد إسرائيل في المقام الأوّل على قواها وقدراتها الذاتيّة وأن تعمل باستمرار على تطويرها بحيث تحقق التفوّق على كل من يعتبر أو يشكل تهديدًا لأمنها القومي الحيوي.


ب- ادراك إسرائيل حاجتها الى حلفاء أقوياء تعتمد على خدماتهم، ولكن يجب عدم ربط الأمن القومي الاسرائيلي بمصير أحد.


ج- اعتقاد حلفاء إسرائيل بأنّ كل ما يحقّق مصلحة إسرائيل هو شعور يجب زرعه لدى الحلفاء وجعلهم يؤمنون به.

د- اعتماد الحلفاء على إسرائيل منهجا يجب ترسيخه فبوسعهم الاعتماد على إسرائيل بمقدار اعتمادها عليهم وبالتالي حاجتهم لاسرائيل هي بمقدار حاجتها لهم ان لم يكن أكثر
.
و- كلّ ما هو عربي أو اسلامي وليس فلسطينيًا فحسب يشكل تهديدًا حاضرًا أم مستقبلا للأمن القومي الاسرائيلي


السّمة الايديولوجيّة لأي نظام لا تعني إسرائيل بشيء بمقدار طبيعة سلوك وممارسة تلك الأنظمة تجاه المصالح الاسرائيليّة الاستراتيجيّة القوميّة.

لا تهتم إسرائيل كثيرًا بما إذا كانت الدّولة العربيّة أو الاسلاميّة المعنيّة ديمقراطيّة أو غير ديمقراطيّة، وطنيّة أو قوميّة، رأسماليّة أو اشتراكيّة، علمانيّة أو غير علمانيّة. انّ كل دولة تقع في اطار مجالها الحيوي الاستراتيجي وتعتمد نظامًاً سياسيًا قويًا ومتماسكًًا لديه سياسة مستقلة يمكن أن تشكل خطرًا أمنيًا أو مستقبليًا على الأمن القومي الاسرائيلي. وذلك بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا النظام السّياسي مرتبطا مع إسرائيل بمعاهدة سلام أو حسن جوار. فالمصالح القوميّة العليا لاسرائيل نابعة من عقدة أمنيّة وديمغرافيّة قد تكون مستعصية على الحل.

ترى إسرائيل أنّ انخراطها في هذا المشروع سيعود عليها بفوائد سياسيّة، اقتصاديّة وأمنيّة. وهي تعتبره محطة انطلاق جديدة في مسار وجودها وتطوّرها. هذا، وكانت إسرائيل نقطة مركزيّة في البحث والحوار حول مشاركتها في أيّ نظام شرق أوسطي. وإذا أردنا الغوص في حيثيّات أقدميّة المشروع والى من تعود فكرته، نكتفي بقراءة كتاب شمعون بيريس "الشرق الأوسط الجديد" وربطه بما يطرح الآن في هذا الإطار لنرى أنّ إسرائيل هي الأساس المحوري في النظام الشرق أوسطي. فهو يطرح في كتابه أفكارًا قائمة على إقامة نظام إقليمي تكون إسرائيل جزءًا محوريًا فيه. وهذا النظام قاعدته: الأمن، الاقتصاد، وإشاعة الديمقراطيّة وهذه الأفكار هي دعائم النظام الشرق أوسطي الكبير أو الأوسع.

وبغضّ النظر عن اسم وحجم هذا المشروع، فانّ إسرائيل تحتل موقع المحور والقاعدة الاستراتيجيّة فيه. والمصالح الاستراتيجيّة لإسرائيل تكمن في كل طيّاته حيث ترى أنّ انخراطها في هذا المشروع سيعود عليها بفوائد سياسيّة جمّة، إذ سيفسح في المجال أمام قيام علاقات طبيعيّة بينها وبين جيرانها، وسيمكّنها من تدوير الزوايا الحادّة في القضيّة الفلسطينيّة، القدس، اللاجئين وحق العودة. وانّ مثل هذا المشروع سيكبح مسار التكامل العربي، وسوف يسهّل أيضًا لإسرائيل الانخراط في إطار متعدّد القوميّات على نحو متكافئ مع الهويّات الأخرى.
من الناحية الاقتصاديّة، فانّ هذا المشروع قد يؤدّي إلى تحويل إسرائيل إلى شريك اقتصادي في أسواق المنطقة ومياهها وبنيتها التحتيّة. وفي ظل اقتصادي عالمي قائم على المعرفة والتكنولوجيا، فانّ إسرائيل ستكون من منطلق تفوّقها التكنولوجي، صاحبة الموقع المتميّز في هذا النظام. وعلى الصّعيد الأمني، فانّ الأمن الإسرائيلي هو على قائمة المصالح التي يضمنها ويحققها المشروع لتصبح إسرائيل جزءًا من هذا الأمن بدلا من كونها خطرًا وعدوّا لهذا الأمن العربي. باختصار، يمكن القول إنّ هذا المشروع يريد ترسيخ إسرائيل بالمنطقة.

المصالح الاستراتيجيّة الإسرائيليّة من الحرب الأميركيّة على العراق تتجلى في الدّرجة الأولى بالعمل على تفتيت الدول العربية من قناعة لا ريب فيها لدى إسرائيل، ومفادها أنّ الأمن الحقيقي لإسرائيل لا يمكن أن يتحقق على المدى البعيد طالما أنّ لهذه المنطقة هويّتها العربيّة والإسلاميّة، وطالما وجدت دول عربيّة نسبيّاً كالعراق، سوريا ومصر. فالأمن الحقيقي لإسرائيل يقتضي تغيير هويّة المنطقة الثقافيّة، الحضاريّة والسّياسيّة إلى "شرق أوسطية". وبالتالي، لا بدّ من تغيير تركيبتها الاجتماعيّة إلى فسيفساء طائفيّة وإقليميّة.

ب- رؤية إسرائيل الشّرق أوسطيّة:




طالما بقيت المنطقة عربيّة ستبقى إسرائيل غريبة فيها, وأذا أصبحت هويّة المنطقة شرق أوسطيّة، أي أصبح وضع كل المنطقة شاذا، فإنّ وجود إسرائيل سيصبح طبيعيّاً فيها.والاحتلال الأميركي للعراق جاء ليصبّ في هذه الخانة، فإسرائيل ترى بأنّ العراق المقسّم والمفتّّت إلى مذاهب وطوائف ودويلات متعدّدة هو النموذج والبداية لما يجب أن تكون عليها المنطقة بأسرها مستقبلاً لتضمن بذلك أمنها الحقيقي في المستقبل البعيد.

الأمن الحقيقي الإسرائيلي على المدى البعيد يتطلب تنفيذ مشروع تفتيت التفتيت أو تجزئة التجزئة، من أجل خلق فراغ إقليمي يسمح لإسرائيل أن تلعب الدّور الإمبراطوري، السّياسي، الاقتصادي، الثقافي والأمني الذي تطمح له. وبالتالي خلق محيط تابع تستمدّ منه إسرائيل القوّة والحيويّة من خلال تحويل التهديد المحتمل إلى مجال حيوي يصل إلى أطراف الصين.

الوثيقة الإسرائيليّة التي وضعتها المنظمة الصهيونيّة العالميّةWorld Zionist Organizationالتي ترجمها البروفيسور إسرائيل شاحاك عن مجلة كيفييم، تعكس رؤية إسرائيل الشرق أوسطيّة للمنطقة برمّتها.ومن المقتطفات الرئيسيّة في هذه الوثيقة التاريخيّة الاستراتيجية:

1- مصــر:

إنّ تفكيك مصر إقليميّا إلى مناطق جغرافية متمايزة هو الهدف السياسي لإسرائيل في الثمانينات على جبهتها الغربية.فإذا أسقطت مصر، فإنّ دولاً مثل ليبيا والسودان، وحتى الدول الأبعد لن تتمكن من البقاء بشكلها الحالي، وسوف تلحق بسقوط وانحلال مصر,انّ الرؤيا التي تتمثل بدولة قبطية مسيحيّة في أعالي مصر، إلى جانب عدد من الدول الضعيفة ذات السلطات المحليّة التي لا ترتبط بحكومة مركزيّة، هي مفتاح التطور التاريخي الذي أجّله فقط اتفاق السّلام، والذي سوف يتبدّد حتميّاً على المدى الطويل.

2- سـوريـا:

إنّ سوريا سوف تتناثر بالتطابق مع تركيبتها الإثنيّة والدينيّة إلى عدد من الدول، بحيث يكون هناك دولة شيعيّة علويّة على السّاحل ودولة سنّّيّة في مناطق حلب، ودولة سنيّة أخرى في منطقة دمشق تعادي جارتها السّنيّة في الشمال. أمّا الدروز، فسيكون لهم الدولة الخاصة بهم أيضًاً، ربّما حتى في الجولان، وبالتأكيد في منطقة حوران وأجزاء من شمال الأردن. وهذه الحالة سوف تكون ضمانة الأمن والسّلام في المنطقة على المدى البعيد.
3_ العــراق:

إنّ العراق الغني بالنفط من جهة، والممزّق داخليًا من جهة أخرى، مضمون كمرشح لأحد أهداف إسرائيل إن انحلاله أكثر أهمية بالنسبة لنا من انحلال سوريا,فالعراق أقوى من سوريا، وعلى المدى القصير، تشكل القوّة العراقية الخطر الأكبر على إسرائيل... وكل خلاف عربي داخلي سوف يساعدنا على المدى القصير، وسوف يمهّد الطريق لتحقيق الهدف الأهم، أي تحطيم العراق إلى طوائف كما في سوريا ولبنان, فتقسيم العراقً إلى أقاليم على أساس خطوط إثنيّة دينيّة كما كان الحال في سوريا خلال الزّمن العثماني هو أمر ممكن,وهكذا ستقوم ثلاث دول أو أكثر حول المدن الأساسية الثلاث: البصرة، بغداد والموصل وستنفصل المناطق الشيعيّة في الجنوب عن السّنة والأكراد في الشمال، ومن الممكن أنّ المواجهة العراقية – الإيرانية الحالية قد تعمّق هذا التبلور.


4- السعوديـة:


أن الجزيرة العربية بأسرها مرشحة طبيعيًا للتفكك بسبب الضغوطات الداخليّة والخارجيّة، وهذا الأمر محتوم خاصّة في السعودية، وبغضّ النظر عمّا إذا بقيت قوّتها الاقتصاديّة أم تضاءلت على المدى الطويل، فإنّ الانشقاقات الداخليّة والانهيارات ستكون تطوّرًاً طبيعيًاً وماثلاً في ضوء التركيبة السّياسيّة الحاليّة.

5- الأردن:

إنّ الأردن يشكل هدفًا استراتيجيًا آنيًا على المدى القصير، ولكن ليس على المدى الطويل. فالأردن لا يمثل خطرًاً جدّيًاً على المدى الطويل بعد انحلاله ونقل السلطة إلى الفلسطينيين وليس هناك أيّة فرضيّة لاستمرار الأردن بتركيبته الحاليّة مدة طويلة وسياسة إسرائيل في الحرب والسّلام يجب أن تتوجّه نحو تصفية الأردن بنظامه الحالي، نقل الحكم للأغلبيّة الفلسطينيّة وتغيير النظام شرق النهر، فيكون الأردن لهم، والمناطق غرب النهر لليهود سيكون هناك تعايش وسلام حقيقيين فقط عندما يفهم العرب أنه بدون حكم يهودي بين النهر والبحر، لن يكون لهم أمن ولا وجود، فإذا أرادوا دولة وأمنا فإنّ ذلك سيكون لهم في الأردن فقط


المبحث الثاني : إستراتيجية إسرائيل الاحتوائية .


لقد صرّح وزير الدّفاع الإسرائيلي السّابق موفاز مشدّدًا على أنّ أهمّ هدف ستجنيه إسرائيل من الحرب على العراق وإقامة نظام موالي للغرب فيه هو عمليّة احتواء لكل من سوريا وإيران. وبالتالي سوف يؤدّي إلى الضّغط على إيران لتتخلى عن مشروعها النووي، وهو ما يحدث بالفعل الآن بالإضافة الى التّخلي عن حزب الله. كما أنّ سوريا ستجد نفسها مجبرة لتتوقف عن دعم المنظمات الفلسطينيّة. وزيادة الضّغط عليها هو للقبول بحل وسط لهضبة الجولان.


أشارت تقارير مراكز الأبحاث التابعة لجهاز الاستخبارات العسكري الإسرائيلي أنّ وضع إيران وسوريا بعد إسقاط النظام في العراق سيكون أكثر بؤسًا. وسيكون فكّا الكمّاشة أكثر ايلامًا على دمشق وطهران حيث يتمّ تطويقهما بأفغانستان وتركيا والجيش الأميركي في العراق طبعًا بالإضافة إلى إسرائيل، وبالتالي تصبح التهديدات الأميركيّة والإسرائيليّة لكلا البلدين أكثر جدّيّة.

الاحتلال الأميركي للعراق قد جعل سوريا مطوقة ومحصورة ومحاصرة بالقوات الأميركية المحتلة إلى الشرق والقوات الإسرائيلية إلى الجنوب والغرب للبحر ومن فيه وقد أضافت الأزمة السياسية المتفاقمة خطورة في لبنان والتي استدعت الكثير من الدول إليه وغالباً بذريعة حمايته من سوريا أبعاداً دولية تستفيد منه بداية وانتهاء إسرائيل.

إنّ التعاون الأمني ما بين الموساد والأكراد في شمال العراق يعبّر عن مدى الخطورة التي تتعرّض إيران وسوريا لها، خاصّة إيران وهي من حيث البعد الأمني والاستراتيجي تعتبر العدو الأوّل للأمن القومي الاسرائيلي، سواء على صعيد امتلاك إيران لبرنامج نووي ووجود صواريخ شهاب ذات المسافات البعيدة المدى والقادرة على حمل رؤوس نووية من جهة أو مواقف إيران المعادية لإسرائيل من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق، فانّ إسرائيل أصبحت تعمل على أساس أن تكون إيران الهدف الثاني بعد العراق .

من خلال متابعة المناورات العسكريّة الإسرائيليّة البحريّة وتطوير قدرات إسرائيل على شنّ عمليّة برّيّة في مناطق ودول تبعد عنها آلاف الأميال، وشرائها لغوّاصات دولفن الألمانيّة القادرة على الإبحار في المحيطات، ووجود طائرات (اف- 16 و اف-15) ، بالإضافة إلى الصّواريخ البالستيّة متوسّطة المدى طراز "اريحا 1" و "اريحا 2" التي تعتبر من أدوات الذراع الطويلة، فانّ إسرائيل قادرة على ضرب أهداف بعيدة في إيران وباكستان مثلا. كما أنّ ما يتمّ دراسته الآن من قبل رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي هو شراء وبناء سفن انزال برمائيّة كبيرة الحجم تستطيع الإبحار في المحيطات ولمسافات بعيدة وتأدية مهمّات متعدّدة. وهذه السّفن البرمائيّة المقترح شرائها أو بنائها يصل وزنها إلى 3 آلاف طن وتستطيع نقل نحو600 جندي مع معدّاتهم. ووفقا لمصادر صحيفة "ديفنس نيوز" نقلا عن القيادات العسكريّة البحريّة والبريّة الإسرائيليّة قولها أنّ حرب إسرائيل ضد الإرهاب وسعيها إلى منع انتشار أسلحة الدمار الشامل قد يقودانها إلى خوض هجمات سريعة تبعد آلاف الأميال عنها.

من المنظار المعمّق للبعد الاستراتيجي والعسكري، كثيرًا من التساؤلات تطرح من جرّاء تعزيز إسرائيل قدراتها لمهمّات بعيدة المدى. والتساؤل مطروح عن حاجة إسرائيل إلى أسطول برمائي بهذا الحجم ما لم تكن لديها خطط توسّعيّة أو لفرض هيمنتها على ما بات يعرف ب"الشرق الأوسط الأوسع" الممتد من موريتانيا حتى حدود الباكستان والهند وضمّ أفغانستان وإيران وتركيا. فبالرّغم من المكاسب الاستراتيجيّة التي حصلت عليها إيران نتيجة الحرب، فهي لا تكفي لتحقيق اطمئنانها الاستراتيجي المفترض.

وإذا كانت السّياسة الإيرانيّة تبدو سياسة ردع دفاعي، وإذا كان مضمون الموقف الإيراني من الحرب على العراق قائمًا على الحياد الايجابي، والتكّيّف مع الواقع الدّولي واعتماد مبدأ القدرة على امتطاء جوادين في وقت واحد، فانّ حدوث عدوان أميركي أو إسرائيلي سوف يبقى واردًا جدًا وبأشكال مختلفة.

على الرّغم من أنّ الأنظار متجهة حاليًا نحو العراق، الا أنّ إيران بشكل خاص لا تزال وستبقى حاضرة في مكوّنات المشهد الأميركي الإسرائيلي. وهل ستتحقق مقولة البروفيسور الإسرائيلي ارنون سوفير من مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب "اني مستعدّ للمراهنة على أنّه في غضون خمس سنوات لن تكون إيران تشكّل تهديدا لإسرائيل"، وهذا أيضا تغيير ينبغي أخذه بالحسبان في بناء القوّة العسكريّة للجيش الإسرائيلي الذي يتكيّف بسبب إيران مع مهمّات بعيدة المدى جدًا.

منطقة الشرق الأوسط تشهد صراعًاً محدودًاً اقليميًاً ودوليًاً بين أطراف مختلفة على رأسها إسرائيل وإيران للسّيطرة عليها وإعادة رسم خارطة القوّة في هذه المنطقة الحيويّة من العالم. ويعتبر النزاع القائم الآن حول الملف النووي الإيراني أحد أهم مظاهر صراع القوّة في المنطقة. فتحجيم إيران اقليميًاً هدف استراتيجي إسرائيلي بامتياز من اجل بقائها القوة الكبرى إن لم نقل الوحيدة في المنطقة.

أصبحت إيران تمثل قضيّة إسرائيل الأولى في الشرق الأوسط. فإيران دولة كبيرة ذات ثروات ماديّة ضخمة وقدرات إنسانيّة، والأهم من ذلك تؤمن بإيديولوجيّة وأفكار تتعارض تمامًاً مع المصالح الإستراتيجيّة الإسرائيليّة. فإيران لا تنطلق في إستراتيجيّتها من إطار إقليمي فقط، بل أيضًا من عمق حركة التجديد ومسيرة التكامل الفكري والايديولوجي داخلها. فالجيل الثاني من الثورة في إيران يتواصل مع قضيّة إسرائيل على الأقل من منطلق الابتعاد عنها وخارج نطاق الاتفاق الشامل.

وبالتالي ستبقى المواجهة قائمة بين إيران وإسرائيل. كما انّ الجماعات المتديّنة والمحافظة التي تؤمن بالإسلام السياسي في إيران تحتفظ بدورها ووجودها، ولن تسمح لأي شريحة قد تستلم الحكم في إيران في المستقبل بالتوصّل إلى أي اتفاق استراتيجي مع إسرائيل. ومن هذه الزاوية أيضًا، فإنّ إيران تعدّ خطرًاً حقيقيًاً على إسرائيل وأمنها. فالخطر الإيراني قد يكون أكبر من الخطر العراقي وفقاً للإستراتيجيّة الإسرائيليّة.

فاستراتيجيّة إسرائيل تتمثل الآن في الإيحاء بأنّ إيران أكبر خطر إقليمي. وإلى حدّ ما قد نجحت في ذلك سواء على صعيد الولايات المتحدة أو دول المنطقة العربيّة، تحت غطاء الخطر من امتلاك إيران للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل وغطاء مواجهة مشروع نشر مبادئ الثورة الإيرانيّة الإسلاميّة الشيعيّة. فعلى الصّعيد الإقليمي تحاول إسرائيل الإبعاد ما بين إيران والدول العربيّة. كما تعمل على القضاء على كل أرضيّة لإقامة علاقات استراتيجيّة مستقرّة، لا سيّما ما بين دول جانبي الخليج.

لو أمعنّا النّظر في العلاقات الإيرانيّة العربيّة، سنجد أنّ إيران لا تمتلك علاقات ممكن الرّكون إليها مع أي من الدول العربيّة سوى سوريا وهي العلاقات من النوع الخاص بل إنّ علاقات إيران مع الدول العربيّة خاصّة بعد الثورة الإسلاميّة في إيران تعدّ من أكثر العلاقات الخارجيّة الإيرانيّة تلاطمًاً، حيث هناك ترسّبات تاريخيّة وحالات سوء الظن العالقة بين إيران والعالم العربي.

إيران تشعر بالغربة والبعد عن العرب سواء من الناحية الطائفيّة أو السّياسيّة، وأزمة الشرعيّة والإشكاليّة والأمن القومي في العالم العربي عمّقت دومًاً الشرخ السّياسي الثقافي، علمًاً أنّ الثقافة والأمن ركيزتا هذه العلاقات؟؟فكيف الحال مع إسرائيل التي يراد لها أن تسيطر على المنطقة برمّتها وعلى كافة الصّعد العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة؟

نتيجة التطورات الحاصلة في الخليج من ازدياد النفوذ الأميركي، فانّ ارتباط أي حكومة عراقيّة مستقبليّة في علاقاتها مع إيران ستكون محكومة إلى حدٍّ ما بعلاقة العراق مع الغرب وأميركا. وقد يكون هناك تأثير لإسرائيل بطرق مباشرة أو غير مباشرة على أي حكومة عراقيّة أكثر من تأثير أي دولة عربية أخرى. ومن هذا المنطلق فإنّ إيران لا تستطيع تعليق آمالها على تحالف أو تكتل إقليمي مع الدول الواقعة إلى الجنوب منها.

لن تشهد منطقة الشرق الأوسط على مدى السّنوات العشر القادمة أو العشرين أي تحالف إقليمي شامل لمواجهة معضلات المنطقة السّياسيّة والاقتصاديّة. فالعلاقات الإيرانيّة في المنطقة ستبقى مرهونة على صعيد الواقع لما ستؤول إليه العلاقات الأميركيّة الإيرانيّة، فمن الممكن لواشنطن من خلال تطبيع العلاقات مع إيران أن تخلط الأوراق في المنطقة بهدف احتواء المنطقة والإفادة من إيران كعامل لإيجاد التوازن بين العرب وإسرائيل وتركيا من جهة، وبين روسيا وإيران في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز من جهةٍ أخرى.

وأيضًا يمكنها التفاهم مع إيران من أجل تخفيف حدّة المعارضة في العالم الإسلامي للنفوذ الأميركي في المنطقة، ولكن هذا التقارب والتفاهم قد يكون مقبولاً ومعقولاً انّما يبقى رهينة الإستراتيجيّة الإسرائيليّة في الشرق الأوسط. ومن هذا الواقع قد تكون إستراتيجيّة إيران قائمة على أنّ أي تفاهم إقليمي في المنطقة لن يضيف للموقع الإستراتيجي الإسرائيلي شيئاً سواء عملت إيران بصورة مستقلّة أم تحسّنت علاقتها مع أميركا وربّما العامل الأقوى لبقاء مكانتها الإقليميّة هو بناء قوّتها الذاتيّة.


2009-10-20

بورتو اليغرى سلطة ضد سلطة





سلام الربضي .... باحث أردني

 

صحيفة البلد – بيروت
  21\ 3\2006

 


التقى قادة العالم في دافوس في إطار المنتدى الاقتصادي العالمي الذي وضع هذه السنة تحت عنوان "المقاربة الابداعية للتحديات العالمية" لمواجهة الفقر والكوارث،بعدم مشاركة أي مسؤول أميركي أو أوروبي كبير باستثناء المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل, وإذا كان من الواضح أن منتدى بورتو اليغرى تأسس ردا على منتدى دافوس، تحت شعار عالم آخر ممكن إلا أن الروزنامة العالمية بمأسيها جعلت الجسم الاساسي في المنتديين ينكب على مناقشة المواضيع نفسها مثلا العراق قبل سنتين ومسألة الجوع قبل سنة وفي هذه السنة التركيز على موضوع الأمراض والأوبئة إذا أردنا تجاوز ذكر التوصيات والمقترحات الناتجة عن كلا الاجتماعيين والتي تصب يوم بعد يوم نحو الاهتمام والاتجاه أكثر فأكثر نحو القضايا العالمية الاجتماعية والتي تفرض نفسها بمقتضيات الامر الواقع من جهة ونتيجة دينامية وضغوطات المجتمع المدني العالمي من جهة اخرى.

فإنه لا بد لنا من التطرق لبعض الملاحظات بصفة الباحث والمعني والمتأثر بتلك القضايا.


1- غياب المظاهرات المعارضة لمنتدى دافوس.


يطرح تساؤل عن انخفاض وتيرة المعارضة لهذا المنتدى؟

فهل ذلك سببه سحب المنتدى الاقتصادي زمام المبادرة من أيدي المعارضيين له من خلال تبنيه لكثير من القضايا العالمية الاجتماعية؟

أم أن غياب الحضور الامريكي الكثيف هو السبب؟

وإن كان كذلك فهل هذا الواقع يطرح إشكالية تلك المعارضة من حيث المبدأ؟

فهل هي ذات أهداف عالمية اجتماعية؟ أم مجرد موقف سياسي أيديولوجي؟



2- اعتماد اللامركزية في المنتدى الاجتماعي .


هل سيقوي ذلك سلطة المنظمات غير الحكومية ويزيد من مسؤولياتها في ضمان استمرارية حركة المنتدى؟

هل هي قادرة على تنظيم المنتديات القارية من دون الارتهان السياسي الى الدول المضيفة؟

إن التساؤل حول فاعلية المنتدى الاجتماعي في استنباط خطط عمل ذات أثر على الواقع، بات مطروحا بقوة وهذا ما حمل المشاركين على تبني اقتراح عقد اللقاء كل سنتين، عوضا عن الوتيرة السنوية التي اتفق الجميع على أنها أقامت دورة إنتاج ذاتية مغلقة أكثر مما أتاحت إنضاجا للخطط، مما يهدد فعالية وجدية هذه القوة. واذا كانت قد حلت ثلاث مؤتمرات اقليمية محل اللقاء العالمي السنوي في بورتو اليغري، وجاء مؤتمر كاراكاس بعد المؤتمر الإقليمي الأفريقي الذي جرى في باماكو عاصمة مالي، ومن ثم المؤتمر الأسيوي الذي سوف يعقد في باكستان نهاية آذار.

ولكن هل فشل مؤتمر كاراكاس في تبني نداء " باماكو" الذي عبر عن حساسيات الحركات الافريقية_ والى حد ما الأوروبية_ يعبر عن ان اللامركزية التي تم اعتمادها هي خطوة في الشكل وليس في المضمون. حيث يتفق الجميع على ضرورة اقرار برنامج ولكن الجميع مختلف على مضمونه وطبيعتة.وبقي برنامج الحد الأدنى المتفق عليه بين المؤتمرين الإقليميين تقليديا. اذ يتضمن تحركات شعبية بموازاة اجتماعات منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.




3- دينامية تبني المطالب الاجتماعية العالمية .


من كلا المنتدين توضح أن ليست كل الاخبار باعثة على التشاؤم خاصة على صعيد الحركات المناهضة للعولمة وعلى الرغم من كل ما يشوبها من التباسات تبين أن من غير المبرر اقتصار هذه الحركات فقط على الاجتماع والتوصيات بل الانتقال الى القيام بنشاط منظم وبإمكانية إحياء استراتيجيات جديدة في العمل، ومن هذا المنطلق وبدون برنامج ملموس وبديل لتعزيز واقع وجود خيارات بديلة سوف تبقى في دوامة الرفض فقط وخطر العموميات، فإن أكثر ما يقلق قوى السوق هو أن يضطروا الى تحديد موقفهم من مشروع عالمي اجتماعي.

وإذا كان المنتدى الاجتماعي بدا لنا كسلطة مضادة لسلطة منتدى دافوس ولكن دون ترجمة هذا التوجه الى واقع يبقى البديل هو جوهر الخلاف وفي كل الاحوال هذه الدينامية في الحركة المضادة لقوى السوق تبقى مهمة من حيث أنها تبين أن إمكانية الضبط والمراقبة تبقى واردة، ومن الواضح أنه في المستقبل سيكون النقاش حول ماهية وغائية المنتديات الاجتماعية أمرا ملحا.



4 - اشكالية المنتدى الاجتماعي العالمي.



الذي هو تحالف مؤلف من نقابات و جمعيات وحركات اجتماعية وشخصيات سياسية تلتقي كل سنة لتقييم تجاربها تكمن في معضلتين:

الاولى: الإتفاق على درجـة التسييس التـي تتطلبه الحركة المعادية للعولمـة ( النيولبرالية )

الثانية: طبيعة المهام التي تستطيع ان تشكل برنامجا لهذه الحركة غير المتجانسة.
 
وهاتين المعضلتين تتراوحان بين تيار ينتمي اليه المفكر سمير أمين الذي يطالب بنقله في اتجاه التسييس ويصنف الحكومات الى يسار حقيقي ويسار مزيف وبين تيار اخر يشكك في امكانية توحيد الحركة وحتى في فائدة هذه الخطوة.

5- على صعيد الانجازات .

هذه السنة بدا وكأن المشاكل الحقيقية تعالج في دافوس نتيجة المبادرات لمعالجة مرض الأيدز و السل حيث تم اطلاق برنامج لمكافحة السل بمبلغ مقداره 56 مليار دولار لإنقاذ 14 مليون شخص خلال العقد المقبل. بينما المنتدى الاجتماعي حتى على صعيد الشكل خسر المواجهة الإعلامية مع المنتدى الاقتصادي. حيث في السنوات الماضية كان قد فرض بنود مهمة عن اهتماماته على جدول اعمال مؤتمر دافوس.

وفي الختام لا بد لنا من التساؤل عن دور منظمة الامم المتحدة:

هل ستكون قادرة على انتهاز فرصة التقاطع ما بين المنتديين على المطالب الاجتماعية العالمية؟ 

هذه الدينامية هل تستطيع المنظمة تحويلها الى قرارات والتزامات على أرض الواقع؟


2009-06-24

كتاب: النفوذ العالمي للشركات عبر الوطنية(اشكالية العلاقة بين الدولة ورأس المال)






للمؤلف: سلام الربضي


دار المنهل 

بيروت
2009

to my unknown





فهرس الكتاب


المقدمة

الفصل التمهيدي : المنظور الكمي والظواهر الإنسانية
المبحث الأول : في تشخيص الظاهرة
المبحث الثاني : المنهج المثالي والواقع
النفوذ العالمي للشركات عبر الوطنية
الفصل الأول : استراتيجية الشركات عبر الوطنية
المبحث الأول : الفوارق المنهجية في استراتيجية الشركات
المبحث الثاني : في إطار البحث والتطوير
المبحث الثالث : مبدأ الربحية
المبحث الرابع : استراتيجية شركات الدول النامية
الفصل الثاني :المتغيرات العالمية والأسواق المالية
المبحث الأول : سادة الأسواق المالية
المبحث الثاني : وكالات التصنيف العالمية
المبحث الثالث : الأزمات المالية ومصالح الدول
المبحث الرابع : معيار المردودية
الفصل الثالث : الثورة الجذرية في عالم العمل
المبحث الأول : العلاقة بين رأس المال وقطاع العمل
المبحث الثاني : فقدان العمل البشري أهميته
المبحث الثالث : مداخيل العمال وسلامة المجتمع
الفصل الرابع : الاستثمار الأجنبي المباشر والدول النامية
المبحث الأول : القدرة التنافسية التصديرية
المبحث الثاني : جغرافية الأستثمار الأجنبي المباشر
الفصل الخامس : المجابهة الضريبية والاتجاهات الحمائية
المبحث الأول : الإغراق الضريبي
المبحث الثاني : التهرّب الضريبي بالمفهوم الاقتصادي
المبحث الثالث : مبدأ حرية التجارة والاتجاهات الحمائية
المبحث الرابع : التوازنات الاستراتيجية ومبررات الدعم المادي
الفصل السادس : تحول القوة الاقتصادية الى ميزة سياسية غير متساوية
المبحث الأول : تحول السلطة من أيدي الجمهور إلى المؤسسات التجارية
المبحث الثاني : إشكالية ما يعرف بضعف الدولة في ظل العولمة
المبحث الثالث : نسق دولي جديد في العلاقات الدولية
الخاتمة:
الملاحق:

المراجع:




مقدمة الكتاب



ليس جديداً أن نقول، ونحن نتحدث عن واقع النظام الاقتصادي العالمي، إنه من أهم خصائص عصرنا، فالعالم اليوم يمر بمرحلة هائلة من التغيّرات أهمها التقدم التكنولوجي.فلا ينقضي يوم إلا وتطالعنا فيه الأخبار والصحف باختراع أو ابتكار شيء جديد. وفي ظل هذه التغيّرات لا بد أن نتناول الشكل الجديد الذي وصلت إليه المؤسسات والشركات الكبرى. هذا الشكل الذي لم نعهده من قبل، حيث أنشئت شركات يتزايد نفوذها في مختلف النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحلية والدولية، وهي التي يطلق عليها "الشركات عبر الوطنية".

والأطروحة السائدة اليوم بلا جدال هي أطروحة أُفول الدولة وتآكلها وتقادمها وانتقاص سيادتها من جراء ظهور فَعَلَة جدد على المسرح الدولي يجمعهم على تعدد هوياتهم قاسم مشترك واحد هو كونهم عابرين للحدود القومية ومنفلتين بالتالي من رقابة الدولة المحدودة بهذه الحدود. ومن هؤلاء الفَعَلة الجدد ظاهرة العولمة أو بالأحرى دينامية العولمة ومحركها الرئيسي المتمثل بالشركات عبر الوطنية.


ولقد أصبحت ظاهرة الشركات عبر الوطنية من كبرى المسائل الخلافية فهي عند البعض تمثل العولمة التي هي وعد بالسعادة للبشرية قاطبة يصح معه القول إن التاريخ سيعرف أخيراً نهايته, وعند البعض الآخر الفظاعة الاقتصادية مجسّدة، ومرحلة عليا ومعمّمة كوكبياً من جحيم الرأسمالية العالمية، حيث هناك آراء مختلفة حول العولمة بين مَن يؤيدها ومَن يعارضها وهي إشكالية مستمرة لن تنتهي.

فالكل ينطلق من أبعاد أيديولوجية لمقاربة واقع الشركات عبر الوطنية وتجليات العولمة.

وفي الحالتين معاً سواء عند من "يؤمثلون" تلك الشركات أو "يؤبلسونها" فإن ظاهرة الشركات لا تطرح كثيراً إلا من زاوية أيديولوجية قد تكون ساذجة وعقيمة في اَن معاً لأنها تتصوّر أن موقف الـ"مع" و"الضد" هو الذي يحدد طبيعة هذه الظاهرة، متناسين أن الظاهرة تعبّر عن واقع ناتج عن تراكمات تاريخية واقتصادية وسياسية وتكنولوجية وثقافية محتومة ولا مناص منها مهما يكن الرأي فيها، والعولمة ليست وصفة أو حزمة معرفة بقدر ما هي لحظة من لحظات التطوّر ارتفع فيها معدل توسيع الأسواق والترابط في الاقتصادات على مستوى رقعة متزايدة من العالم.


وإذا استطعنا التخلص من المبادئ الميتافيزيقية والعامة التي تستند إليها من وقت لآخر سياسة الحرية الاقتصادية القائمة على حرية الأفراد والمؤسسات في فعاليتهم الاقتصادية الليبرالية، وإذا تجاوزنا النظرة إلى الاقتصاد العالمي من منظار المناضلين المعادين لليبرالية وأوهام الشيوعيين بشأن المجتمع بدون طبقات فإننا نفتح أمامنا مجالاً واسعاً لطرح جملة من التساؤلات قد لا يكون من الممكن الإجابة عنها بوضوح، لكنها تساؤلات تستحق أن تؤخذ من تفكيرنا الحيز الضروري لكي نخلص من ذلك إلى استنتاجات حان وقت الوصول اليها والاستفادة منها

من أولى هذه التساؤلات:


إشكالية الأرقام والمعطيات التي تضلل أحياناً عند دراسة نشاط الشركات عبر الوطنية:


فكثير من الدراسات التي تتعلق بنشاط الشركات تحاول الربط بينها وبين أرقام ومعطيات عن الثروة، توزيع الدخل،الفقر،الجوع،ومقارنة دخول الشركات مع إمكانيات الدول والناتج الإجمالي لها.

وهنا يجوز التساؤل عن المعيار العلمي والمنهجي الذي على أساسه يتم الربط فيما بينهما من خلال منهجية الاعتماد على المقارنة الإحصائية الظاهرية والصورية بلا تدبّر في المقدمات والحيثيات والدلالات العلمية والمنطقية؟

وابتعاداً عن التحليل النظري والاقتراب من الأمثلة الواقعية:


هل هذا الربط يعني أن الشركات هي التي تتحمل مسؤولية كل ما يحدث في ظل العولمة من فقر وجوع وبطالة وخلل في توزيع الثروات؟

وهل يمكن القول إن لعبة الأرقام وربطها بمعطيات_التي تصب في اتجاه معين_ تعبّر عن مواقف مسبقة ذات أبعاد أيديولوجية؟

فإذا، منهجياً، من الواجب والضرورة العلمية التساؤل عن موضوعية هذا الربط؟

ولكي تتضح هذه الإشكالية يمكن ذكر كثير من الأمثلة:


زيادة طفرة الفقر في كثير من البلدان هل هي ناتجة عن الخلل في الرأسمالية التي تزيد الناس فقراً

وبالتالي فهل إن الشركات هي الفاعلة والمستفيدة؟

وهل العولمة متمثلة بالشركات بكل تجلياتها تتحمل وزر ذلك؟

ولكن أيضاً هل من الطبيعي تجاهل أن نسبة عالية من موازنات تلك الدول تذهب للتسلح والمفارقة شاسعة داخل كثير من الدول التي أنفقت مليارات الدولارت على التسلح وامتلاك الاسلحة النووية كايران وباكستان مقارنة بتدني نسبة الإنفاق الاجتماعي والاقتصادي.

كذلك إذا نظرنا إلى المعجزة السنغافورية، هذا البلد الصغير الذي استطاع زيادة الناتج القومي الإجمالي من 400دولار للفرد في عام1959إلى12200 دولار عام1990ثم ارتفع مع بداية الألفية الثانية إلى ما يزيد على24000 ألف دولار

هل يعود الفضل في ذلك للرأسمالية فقط ؟

أم إن للسياسات المتّبعة من قبل السلطة السياسية دور رئيسي فيما تحقق؟

إذاً يجب عند التعاطي مع الأرقام والمعطيات توخي المقاربة العلمية والموضوعية.


ومن التساؤلات التي تطرح أيضاً :

إشكالية العلاقة بين الشركات عبر الوطنية والدولة؟


العلاقة التي على ضوئها يتم تحديد مدى تزايد نفوذ الشركات وسيطرتها أو مدى تراجع سيطرة وسيادة الدولة؟

وإمكانية تحديد الحد الفاصل بين مصالح الشركات ومصالح الدول؟

وهل العلاقة بين الشركات والدول تعبّر عن اضمحلال سيادة الدول أم تغيّر في وظائفها؟

وهل استرتيجية الشركات قائمة على تجاوز الدول ؟

أم إنها ستبقى قومية المرتكز وهل الواقع العالمي المعاصر يعبر عن استرتيجيات دول أم سيطرة شركات؟

وفي انتظار الأنعكاسات السياسية للأزمات المالية العالمية يطرح التساءل التالي:

هل عدنا إلى الدولة التدخلية؟؟ وهل تكون فكرة التدخل أصبحت موجودة وحالة ملحة؟ ولكن أساليب التدخل وحدود التدخل فإنها متروكة حسب تداعيات الأزمة وواقعها.


والإشكالية الجوهرية التي تطرحها ظاهرة الشركات عبر الوطنية :

هي إشكالية الضبط والتحكّم سواء على الصعيد القومي أو العالمي؟


فهل إن الشركات حرة طليقة متفلّتة من كل ضبط؟

أم إن هناك معايير ضبط ما زالت تخضع لها وهل ستنتفع كثيراً من وجود بيئة عالمية خالية من كل معايير الضبط؟

وهل عملية الضبط تكمن في إعادة اكتشاف الحركة الدائمة على مستوى اللعبة الاقتصادية والدينامية الاجتماعية؟

وبالتالي هل يمكن تحقيق الترويض الاجتماعي لقوى الاقتصاد المعولم؟

وما هي ردود الفعل الاجتماعية والسياسية على ما تم الآن من تشابك اقتصادي عالمي عموده الفقري الشركات عبر الوطنية، وهل هذه الردود تعبر عن واقع الضبط؟


منهجية المعالجة في هذا الكتاب سوف تكون قائمة على جدلية المجتمع والسلطة.


حيث إن المبدأ العام في هذه العلاقة يرتكز على أن السلطة تنبثق من المجتمع، والمجتمع يتكوّن من مجموعة قوى تتفاعل في ما بينها، فمن الطبيعي أن تعكس هذه السلطة واقع هذا المجتمع.وفي هذا الصدد فإن الشركات عبر الوطنية هي جزء من المجتمع تتفاعل مع باقي الأجزاء، وهذا التفاعل أو التنافس تعبّر عنه السلطة,ومن هذا المنطلق يمكن إيجاد مقاربة لهذة الظاهرة بواقعية أكبر، عند دراسة العلاقة بين الشركات والدولة من جهة، وإمكانية الضبط والتحكّم من جهة أخرى. فعلى مستوى العلاقة بين الدولة والشركات، فإذا كانت الشركات جزءاً من القوى الفاعلة والمسيطرة داخل المجتمع، وهذا الواقع سوف ينعكس على السلطة بشكل طبيعي، فالسلطة تمثل مصالح مجتمعها، ويمكن التعبير عن هذا الواقع بمقاربتين:

المقاربة الاولى : مصالح الدولة الخارجية واستراتيجيتها التي تعكس واقع مجتمعها، فإذا كانت الدولة تعبّر عن مصالح الشركات

فهل نحن أمام تراجع في سيطرة الدولة أم أمام ترابط في المصالح؟


أما المقاربة الثانية : فهي قائمة على طبيعة العلاقة داخل المجتمع وصراع السلطة وفي هذا الجانب يمكن التساؤل عن القوى الأخرى القادرة على وضع حد لسلطة الشركات وتزايد نفوذها: جدلية السلطة والسلطات المضادة؟


في هذه الكتاب سوف يتم استخدام المنهج العلمي القائم على استخدام المنهج الواقعي عند التحليل، ومنهجي المقارنة والتحليل الكمي عند التعاطي مع الأرقام والمعطيات توخياً للايضاح والمقاربة.

أما المصادر المعتمدة في هذا الكتاب فهي متنوعة مع التركيز على التقارير والدراسات الصادرة عن المنظمات الدولية.


الدراسة في الكتاب قائمة على تناول نفوذ الشركات عبر الوطنية من خلال التعرف على العلاقة بين المنظور الكمي والظواهر الإنسانية سواء على صعيد تشخيص الظاهرة او المقاربة بين استخدام المنهج المثالي والواقع.حيث إن استخدام المنظور الكمي في مقام التعامل مع معظم الظواهر الإنسانية ومنها حقول التاريخ والاجتماع والسياسة والتنمية الإنسانية أمر محفوف بالتحفظات والمحاذير، وذلك على خلاف التقدم المذهل الذي نجم عن استخدام المنظور ذاته على صعيد الظواهر الطبيعة.

فالإنسانيات أكثر تعقيداً وأبعد عمقاً من أن تخضع للمعادلات الإحصائية الرقمية بكل جفافها وصرامتها، وهذا ما ينطبق على كيفية مقاربة ظاهرة العولمة بما فيها العلاقة بين الدولة والشركات عبر الوطنية؟ كذلك يتم تناول نفوذ الشركات عبر الوطنية من خلال التعرف على استراتيجيات الشركات وتوضيح طبيعة العلاقة القائمة بين الشركات والمتغيرات العالمية في الأسواق المالية، والثورة الجذرية في عالم العمل والاستثمار الاجنبي المباشر، ومعرفة أين هي الشركات عبر الوطنية من المجابهة الضريبية والاتجاهات الحمائية، وتحول القوة الاقتصادية إلى ميزة سياسية غير متساوية, وتحول السلطة من أيدي الجمهور إلى المؤسسات التجارية।والتطرق إلى إشكالية ما يعرف بضعف الدولة في ظل العولمة من خلال دراسة التدخل السياسي للشركات عبر الوطنية وتسليط الاضواء على النسق الدولي الجديد في العلاقات الدولية.


تكمن الصعوبة في بحث كهذا يتناول ظاهرة من ظواهر العلاقات الدولية ـ هذه العلاقات التي لا تخضع في آخر الأمر إلا لقانون المصالح ـ في القدرة على وضع العواطف والقناعات في منزلة هامشية وأن ندع وراء أذهاننا معتقداتنا الشخصية أو قناعاتنا الأيديولوجية، من أجل الوصول إلى حقائق الأمور وفهم الواقع واغتنام الفرص السانحة لخدمة مصالحنا.

في هذا الكتاب سوف نتناول ظاهرة الشركات عبر الوطنية في سياق الواقع الاقتصادي العالمي بوصفها من اللاعبيين الرئيسيين في الاقتصاد العالمي وإحدى تجليات العولمة. فالنشاط الاقتصادي العابر للوطنيات الذي تقوم به هذه الشركات هو تعبير عن جوهر العولمة الليبرالية.

هذا الكتاب محاولة أو دراسة نضعها بين يدي القارئ عسى أن تساهم في فتح آفاق جديدة أمام الدارسين والباحثين .



خاتمة الكتاب





يتسم عالم ما بعد الحرب الباردة بأنه عالم المتناقضات فقد تفجرت تناقضات جمة,بعضها لم يكن موجودا من قبل حين كان البعض الاخر مقيدا بقواعد السياسات القائمة وانماطها خلال الحقبة السابقة, وظهرت التيارات المتناقضة على سطح السياسة الدولية بشكل حاد, في هذه المرحلة التي يمكن وصفها بمرحلة انتقالية
ومن هذه التناقضات تيار اندماجي على الصعيد الاقليمي والعالمي يسمى بالعولمة.

لقد انتقلت البشرية من عصر الصناعة الى عصر ما بعد الصناعة, عصر معتمد على موارد غير ملموسة وغير مرئية اهمها المعرفة والمعلومات, عصر اعاد صوغ الكثير من مفردات حياة البشر ومقوماتها المادية وغير المادية, وافسح المجال امام اندفاع سريع للتغيير الذي يصيب كل شيء فينا ومن حولنا, وهذا التغيير قد وصل الى الدولة . وبعيدا عن الاختلافات الفقهية والقانونية وتجاوزا لمتاهات الفكر السياسي, فكل المؤشرات تكشف ان هناك اختراقا لمكانة الدولة ووظائفها الداخلية والخارجية. وصارت هذه الحقيقة تطاول جميع الدول سواء كانت كبيرة ام صغيرة, وتلك القوية او الضعيفة.

هذا الاختراق لا يمكن ان تقوضه بعض الادوار التي تقوم بها الشركات عبر الوطنية والمؤساسات غير الحكومية في مختلف المجالات سواء على الصعيد الصحي او التعليمي او حتى الامني. من هنا فان الحاجة لوجود الدولة ستظل قائمة والمطلوب تغيير الدولة لتصبح قادرة على الوفاء بالتزاماتها. وان التطور التقني والمبادلات الدولية وحرية حركة الرساميل والاتصالات, لا تهدد بالقضاء على سياسة الدول, فالعولمة هي واقع لا جدال فية واصبحت ممكنة بفضل التقدم العلمي وهي لا تقضي على الاوطان بل تضعها على جبهة المنافسة وتدفعها الى تحقيق الافضل لديها.

ان الانسانية تواجة قضايا ومسائل متعددة : البيئة, الهجرة, التفجر السكاني,الارهاب,التنمية المستدامة, المأسسة السياسية للتمايزات الثقافية والتطلعات الاتنية......الخ والدول لا يمكنها منفردة الرد على هذه التحديات, ولكن أي ارادة دولية جماعية لا يمكنها هي ايظا ان ترقى الى المستوى المطلوب معالجتة من دون الاعتماد على مؤسسة الدولة.
من هنا ليس على من يدافع عن سيادة الدول ان يكتفي بل تحذير والتخويف والجنوح نحو التهويل من اثار العولمة المتمثلة بالنفوذ العالمي للشركات عبر الوطنية بل يجب على الجميع ليس فقط ان يفتشوا عن مكان في هذه الحقيقة بل علينا ان نفتش ونركز مكاننا فيها.

ونتيجة للظروف الناتجة عن اختلال التوازنات الاجتماعية وتزايد الاعتماد المتبادل بين مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية تم التعجيل بالتفكير في مبدأ إدارة شؤون الدولة والمجتمع كنمط لتجديد اساليب الحكم وتفعيلها بشكل افضل من خلال صياغة اشكال جديدة في المشاركة قائمة على التضامن والنهوض بالاحتياجات الاساسية للمواطن. ومن الواضح بقدر ما هناك قوة في طموحات المشاريع الكونية على كافة الصعد الا أن هناك قصور _ الى حد ما _ حين تتجسد في الواقع .

وعندما نتكلم عن المضامين الجدية للامن العالمي هناك كثير من التساؤلات تطرح :

تاريخيا هل تم تحقيق الامن العالمي ؟

المضامين الجديدة للامن العالمي هل متفق عليها عالميا؟

هل يمكن مقاربة منظور السيادة الوطنية بمواطنية كونية شبة مكتملة؟

واذا كان هنالك انماط معقدة من انسنة الواقع الدولي فهل نكون قد انتقلنا من منظور كلاسيكي يدافع بقوة عن عدم التطابق بين حقوق الأنسان والسياسة الدولية, الى نوع من التجاوب الفعلي والمستمر وغير المستقر بينهما؟

هل مرجعية المضامين الجديدة للامن العالمي ستنمو بسرعة واقعية السياسة الدولية؟

عندما نتكلم عن المضامين الجديدة للامن العالمي يجب علينا الاخذ بعين الاعتبار حالتين:



1- الامن العالمي القائم على العلاقة بين الانسان والطبيعة

2_ الامن العالمي القائم على العلاقة بين الانسان واخيه الانسان والدول فيما بينها اي (الامن السياسي)


فيما يتعلق في العلاقة القائمة بين الانسان والبيئة من الواضح هناك تحديات تواجه الامن العالمي وقد يكون التضامن والاتحاد العالمي لايجاد حلول لمواجهة التحديات في هذا الصدد اكثر امكانية منه على صعيد الامن السياسي بين الدول.

ان العقد الاجتماعي الذي اسس شرعية القانون في المجتمعات البشرية, وفي النظام الدولي التقليدي الدول تتمتع بقدر من الحرية والسيادة ولا توجد أي سلطة فوقها, ولا قانون دولي الا ما تختاره على اساس اتفاقيات او معاهدات دولية تم مناقشتها بحرية تامة او اعراف تم قبولها ضمنياً .واذا كانت الحالة الطبيعية قد تم تجاوزها في النظام الداخلي ,فليس الامر كذلك في النظام الدولي حيث القوة هي المقياس الوحيد للتصرف على الرغم من ان الامور قد تغيرت مع ظهور الشركات عبر الوطنية والمنظمات غير الحكومية الا ان علاقة القوة داخل هذه المنظومة ستبقى موجودة وان تطورت اشكالها وانماطها .

واذا كان هناك حرص على المصلحة والسلطة والامن القومي الا انه على الجانب الآخر هناك تشديد على الحق والعدالة ومراقبة الحكام والتركيز على حقوق الانسان, وهذا ما نجده في الصراع الفكري التاريخي بين هوبز الذي يرفض منح حقوق الانسان أي اعتبار دولي باعتبار الامن القومي هو وحده الذي يمنح المعنى للمصالح الوطنية. وبين غروسيوس الذي كان مناصر للمواطنة العالمية ولنظام عادل يسمو فوق كل السلطات والسيادات.

على صعيد المضامين الجديدة للامن العالمي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي هناك اشكالية على مستوى تأقلم الضوابط القانونية مع القضايا او المشكلات العارضة, فكيف يتم معالجة قضايا في ظل غياب قواعد قانونية تضبط هذه الاوضاع العارضة مثل قضية اللحوم الملوثة هرمونياً التيينقسم حولها الرأي العام العالمي وهي قضية ييتصارع عليها كل من الولايات المتحدة وكندا من جهة والمجموعة الاوروبية من جهة اخرى.

وهناك كثير من القضايا الشائكة التي تطرح علامات الاستفهام حول الاتفاق عليها خاصة على الصعيد الثقافي؟

فا الخلاف الحاصل ما بين منظمة الصحة العالمية ومصر حول ختان الاناث ماهو سوى نموذج لهذا الواقع الجديد, أذ تعارض منظمة الصحة العالمية هذه العملية من منطلق الدفاع عن حقوق الانسان بينما تدافع مصر عن موقفها من منطلق التمتع بالحقوق الثقافية الخصوصية للمجتمعات والتي اقرها الاعلان العالمي لحقوق الانسان.

الجانب الاستراتيجي والمصلحي ما زال حاضرا بقوة وكثيرا ما تتحول حقوق الانسان السياسية والاجتماعية والاقتصادية الى اداة لضغط الاقوياء على الضعفاء, وهو ما يخلق التداخل بين ما هو دولي وما هو انساني وبالتالي من الطبيعي ان ينعكس ذلك فيما بعد على الامن العالمي.

ان الامن العالمي الانساني التي بدأت تتضح معالمه يوما بعد يوم والذي يجعلنا اكثر تفاؤلا بمستقبل التعاون العالمي وسيبقى القانون الدولي العام والاقتصادي هو الدعامة لهذا المستقبل وهنا التساؤل:

كيف يمكن للقانون الدولي ان يتطور؟

هل يمكن للقانون الدولي ان يتطور الا في ظل الحياد السياسي الذي يسمح له بالمحافظة على استقلاليتة؟

هل ممكن ذلك؟ تاريخيا هل تم تحقيق ذلك؟


بين التنظير والواقع فجوة وعلى الدول والافراد ان يواجهوا الواقع بكل جرأة والبدء بمعالجة الذات وليس جلد الذات , هنالك دول وشعوب صعدت الى سطح القمر وكواكب اخرى في السماء بينما دول وشعوب تحث الخطى على الارض , لا يمكننا ان نقفز عن الواقع فالسير مهما كان بطيئا افضل من المراوحة في المكان وبدل البكاء على الاطلال الافضل اضاءة ولو شمعة والتحرك الى الامام .



خلفية الكتاب




تُعبّر الشركات عبر الوطنية عن التعارض التام بين التطور الرأسمالي من ناحية وبين التنظيم السياسي الدولي الذي ما يزال يعطي الدولة القومية مغزى ووظيفة اقتصادية جوهرية، وهذا التناقض في المجال الاقتصادي يترجم في المجال الاجتماعي حيث يمثل اختراقاً فعالاً وفعلياً لهيكلة ونسيج الدولة الاجتماعي. وهذا متوقف على تعددية جنسية الشركات الكبرى أي التعددية الفعلية للمالكين والمديرين من حيث الجنسية في هيكل الشركة، فكلما ظلت الشركة متبلورة حول مُلاّك ومديرين من جنسية واحدة تصبح الشركات التابعة تمثل اختراقاً أجنبياً خالصاً ليكون الاختراق الاجتماعي محدوداً للغاية. أما إذا اشترك قطاع كبير من المُلّاك والمديرين المحليين في السيطرة والإدارة في الشركة، فإن ذلك سيشكل اختراقاً هاماً وفعالاً من الناحية الاجتماعية وذلك ببساطة لأن الشركة تمثل إطاراً للولاء وللسياسات التي تتقاطع جذرياً مع بنية الدولة القومية.

إن تركيز الشركات وهدفها الأساسي قائم على مبدأ الربحية الذي يجعل من استراتيجية الشركات التأقلم مع أية ظروف من أجل تحقيق أعلى عائد، وبالتالي فإن نظرية الهيمنة الثقافية للشركات قابلة للنقاش؟ ولكن لا بد من الإشارة إلى أن أخطر ما يكون في استرتيجية الشركات هو التنافس على الثقافة من خلال بناء علامات تجارية عالمية، تكون الاسترايجية مرتكزة على الهدف الذي تقوم على أساسه العلامة التجارية، وليس على الأداء الذي تحققه. وبالتالي تصبح استراتيجية الشركات قائمة بدلاً من محاولة الحصول على أكبر جزء من السوق الذي تعمل فيه إلى أن تجعل من نفسها جزءاً من ثقافة المجتمع.

فصل من فصول العولمة يدور حالياً في أفريقيا ويكتب هذا الفصل الصينيون المتواجدون في مختلف أنحاء أفريقيا. والاستثمارات الصينية وسّعت نطاق أعمالها في أفريقيا وتسللت إلى حياة القارة الأفريقية اليومية والاستثمارات الصينية في القاره السمراء تعبّر عن بعد نظر الدولة الصينية وعن تحقيق أهداف بعيدة المدى. فهي تحاول الاستثمار بالمواد الأولية الأفريقية، والاستثمارت الصينية في أفريقيا تدخل ضمن الرؤية الاستراتيجيه للدولة الصينية، وهذه الاستثمارات لا تخرج عن حيّز المنافسة بين الصين والمجموعة الأوروبية والولايات المتحدة.

لعل النفوذ الاستثماري الصيني في القارة الأفريقية هو بمثابة زلزال جيوسياسي وإنجاز من إنجازات العولمة قلب الموازين العالمية الاقتصادية والسياسية, والتساؤل مشروع حول الاستثمارات التي تقوم بها الشركات عبر الوطنية من الدول النامية:

هل هذه الاستثمارات تدخل في إطار التعاون وتبادل المصالح أم تدخل في إطار السيطرة والاستغلال؟

ولماذا في حال شرّعت الدول النامية أسواقها أمام الشركات الأوروبية أو الأمريكية يعتير ذلك نوعاً من الاستعمار، وفي حال شرّعت الدول النامية أبوابها أمام الشركات الهندية والصينية والآسيوية يصبح ذلك نوعاً من التعاون والتكامل.





2009-06-15

كتاب: المقاربات والمتغيرات العالمية ....عصر الدولة وعصر السوق






للمؤلف : سلام الرّبضي

2009  \ دار المنهل\ بيروت







TO MY UNKNOWN

i
surrender
For you




فــهـــرس الكتاب

المقدمة :
الفصل الأول : استراتيجية الدول والقومية الاقتصادية.
المبحث الأول : قبضة الدول.
المبحث الثاني: مستوى العلاقة بين الرأسمال الاحتكاري والدولة.
المبحث الثالث : القومية الاقتصادية.
المبحث الرابع : الاستثمار الأجنبي المباشر والشفافية.
الفصل الثاني : عصر المساءلة: أيديولوجية جديدة للعبة السلطات والسلطات المضادة.
المبحث الأول : القرارات القضائية.
المبحث الثاني : النزاعات التجارية وحكم القانون.
المبحث الثالث : ثلاثية: القضاء,وسائل الاعلام,الرأي العام.
الفصل الثالث : القوة العظمى الثانية.
المبحث الأول:إمكانية إضافة صوت جديد لعملية صنع القرار العالمي.
المبحث الثاني : واقعية النموذج الجديد.
المبحث الثالث : إشكالية الانتقال من مفهوم الفرد كمواطن إلى مفهوم الفرد كمستهلك.
المبحث الرابع : مساءلة المنظمات غير الحكومية.
الفصل الرابع : عالمية فكرة مواطنة الشركات وممارسة المسؤولية الاجتماعية.
المبحث الاول : الاتفاق العالمي 2000 .
المبحث الثاني : توزيع المسؤوليات ومعايير حقوق الانسان.
المبحث الثالث : العلاقه التجريبية والاستثمار في قدرة الراسمال البشري.
المبحث الرابع : تجربة الدول النامية في منظمة التجارة العالمية.
المبحث الخامس : النموذج الفكري الجديد ومحورية الفرد.
الفصل الخامس : التحكم الاجتماعي والأمن المالي الإنساني.
المبحث الأول : النقابات العمالية وحق التفاوض الاجتماعي.
المبحث الثاني : الأمن المالي الإنساني والنموذج رقم 4 .
المبحث الثالث : التنمية المستدامة والوظائف الخضراء.
الفصل السادس : المقاربات والمتغيرات العالمية الجديدة.
المبحث الأول : التسوق صيغة سياسية جديدة.
المبحث الثاني : مبدأ الاستهلاك الاستثماري.
المبحث الثالث : صناديق الثروة السيادية.
المبحث الرابع: الإشكالية السياسية ولعبة المفاوضات.
المبحث الخامس: الجغرافيا المالية العالمية.
الخاتمة:
الملاحق:
المراجع:

مقدمة الكتاب

من الخطأ أن نرد الأزمة الراهنة لمفهوم السيادة إلى النفوذ العالمي للشركات عبر الوطنية وحدها، فالعولمة الإعلامية تلعب هي الأخرى دوراً لا يقل فاعلية، إضافة إلى رابطات حقوق الإنسان وحماية البيئة والمنظمات غير الحكومية وجلها مناهض للشركات عبر الوطنية، والتي لا تقيد نفسها في نشاطها بمفهوم السيادة، ولا بد من الاعتراف بأن حصانة الدولة وسيادتها المطلقة قد سقطت ولم تعد هناك حدود غير قابلة للاختراق لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا إعلامياً ولا ثقافياً ولا حتى أمنياً؟

فنظرية تآكل دور الدولة وانحسارها أمام نفوذ الشركات قابلة للنقاش، كما أن الانتقال من عصر الدول إلى عصر السوق يطرح علامات استفهام على ضوء المقاربات والمتغيرات العالمية الجديدة:

فالدولة ما تزال هي الحجر الأساس الذي يرتكز عليه أي نظام سواء كان نظاماً سياسياً أم اقتصادياً أم قانونياً ولم يعد مجدياً النظر إلى الاقتصاد من باب الزياده الرقمية للإنتاج القومي أو الدخل الفردي فحسب بل لا بد من بناء أساس مادي علمي وتقاني جديد قرين فكر وثقافة جديدين، ودعامة هذا الأساس الاستثمار في رأس مال القدرة البشرية بدلاً من رأس المال البشري كهدف وأساس للتنمية والتطوير.وذلك من أجل زيادة نطاق الخيار الإنساني وتهيئة أسباب سيطرة الإنسان على بيئته ومقدّراته وقدراته، لبناء حاضره ومستقبله نتيجة واقع الشعور بالمسؤولية الإيجابية الحرة، مسؤولية الانتماء الاجتماعي، كي يغدو المجتمع على طريق ممتد ويفضي إلى مزيد من الحريات والقدرة على المنافسة في عالم يحكمه منطق الصراع.

التعامل مع الشركات من معيار أيدولوجي قائم على امبرياليتها الاقتصادية والسياسية لم يعد يواكب التطورات الاقتصادية العالمية، فها هي شركات الدول النامية تزداد قوة، وظاهرة صناديق الثروة السيادية التي تملكها دول تجعل من إشكالية تحديد المعيار الموضوعي للفصل بين مصالح الدول واستراتيجيتها ونفوذ الشركات معقدة. وظاهرة الصناديق السيادية تعكس واقع ودور الدول الموسَّع التي تؤديه في الأسواق المالية والاقتصاد العالمي.

إن استمرار تصدير صافي رأس المال من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة الغنية برؤوس الأموال يؤدي إلى إثارة الشكوك حول مدى صلاحية نظرية التنمية التقليدية في السياق العالمي الجديد، مما يشير إلى ضرورة إعادة التفكير في أهم الافتراضيات فيما يتصل بالسياسات البديلة ومسارات اللحاق بالركب والتدفقات الرأسمالية والاستثمار.

لقد بات واضحاً أن الدول تتجه بوتيرة متزايدة نحو المزيد من التدخل ولا سيما في بعض القطاعات كالغاز والبترول ووسائط الإعلام والنقل الجوي।.وإن لعبة السلطات المضادة بصورة أو بأخرى، بشكل سلس أو بصدمات متتالية ستفرض نفسها في النهاية، وإن واقع السوق الذي تعمل الشركات عبر الوطنية في ظله والذي تستمد النفوذ منه يستدعي أدوات وآليات للضبط والتحكّم، وهذا هو ما يحصل على أرض الواقع.إذ توجد سلطات مضادة وهي في طور التبرعم وهذه السلطات المضادة تفرض نفسها رويداً رويداً في ظل فلسفة جديدة تطغى على المستويين المحلي والعالمي.


إذ في ظل هذا النظام المتبلور والقائم على حيوية القضاء والرأي العام لا بد من وجود سلطات تأخذ على حين غرة وبصورة قوية على عاتقها مواجهة الشركات عبر الوطنية وتكون القلب النابض والدينامو المحرّك لنشاط الثلاثيةالجديدة. والمنظمات غير الحكومية تعبّر عن واقعية النموذج الجديد الذي يتشكل ويعمل على الضبط والمراقبة لكل عملية سيطرة من قبل الشركات.

وبعيداً عن التنظير ومن منطلق جدلية السلطة والسلطات المضادة يمكن القول إنه من الأجدى على الذين يعارضون نشاط المؤسسات الدولية كمنظمة التجارة العالمية والصندوق الدولي والبنك الدولي أن يعملوا على عكس ذلك، أي المطالبة بتعزيز سلطاتها ويجب أن تدرك المنظمات غير الحكومية أيضاً وفقاً للتجارب أن تكون في مقدمة المطالبين بتعزيز المؤسسات العالمية القائمة لتصبح أكثر استقلالية حيال مساهميها الكبار وأن تطالب كذلك بإنشاء مؤسسات شبيهة تعتني بالبيئة والصحة والأغذية، وكل ذلك ينطلق من اعتبار أن هذه الطريقة أقصر وأنفع عملياً من مجرد الاعتراض والرفض لأي إصلاح من الداخل، وفي أضعف الأحوال تعتبر هذه الطريقة أفضل الممكن والمتاح في ظل هذا الوضع العالمي حتى يتسنى تغييره.

فبدل التكلُّم عن الامبريالية والرأسمالية المتوحشة لماذا لا يتم التكّلم عن النمط الجديد من التمييز العنصري العالمي البيئي الذي ترتكبه الدول الصناعية والشركات بحق البيئة والأفراد الفقراء، وإن استخدام تعبير التكيّف مع المتغيرات المناخية قد يكون عبارة عن مجرّد تعبير مُلَطَّف للتمويه عن غياب العدالة الاجتماعية وسوء توزيعها على الصعيد العالمي. فالتكيّف مع التغيّرات المناخية أمر قد يكون حصوله متعذّراً بالنسبة لسكان الكرة الأرضية الفقراء،

فكيف يمكن لمزارع فقير أن يتلاءم أو يتعايش مع التصحّر والفيضانات التي تهدد حياته وإنتاجه ومحصوله؟ وهل من المعقول أن يختزل الفقراء والجائعون مصادر التغذية وهم بالكاد يحصلون على القليل منها؟

إن مثل تلك المقاربة لقضايا العالم المعاصر ومثل هذه الثقافة هي الطريق الأفضل والأكثر واقعية وجدوى في حل مشاكل العالم، ومنها عملية ضبط نفوذ الشركات.

وفي ظل الواقع المتأزم لأسواق العمل العالمية خاصة في الدول النامية التي تعاني من إشكالية خلق الثروة وإشكالية توزيعها، وبين هاتين الإشكاليتين، اللتين يمكن مواجهتهما عن طريق إدخال القضايا العمالية في المفاوضات الدولية لمنظمة التجارة الدولية، فمن الأسباب الرئيسية لتعّثر مفاوضات جولة الدوحة هو الخلاف القائم بين الدول الصناعية والدول النامية حول تحرير المنتجات الزراعية، وذلك نتيجة عدم استعداد الدول الصناعية لمواجهة المتطلبات لمرحلتين تاليتين هما تحرير السلع الصناعية وتجارة الخدمات.

إذ إن تحرير تجارة الخدمات لا يمكن أن يتم من دون تحرير الانتقال للاشخاص بين الدول.ويعتبر ما قد أقدمت عليه الدول النامية في منظمة التجارة العالمية من اقتراح يهدف إلى الفوز بتنازلات تمنح عمالها حرية أكبر في عبور الحدود الدولية لعرض خدماتهم في أسواق الدول الصناعية المتقدمة خطوة في الاتجاه الصحيح لتحقيق الكثير من المكاسب، وهذا الاقتراح يحمل أسم النموذج رقم4.


النموذج 4 هو نوع جديد من المفاوضات والأساليب التي يمكن استعمالها واستخدامها في المفاوضات مع الدول الصناعية عبر منظمة التجارة العالمية. وموضوع الحقوق العمالية يعتبر من أكثر المواضيع حساسية للدول الصناعية التي ترفض تقديم تنازلات مهمة في ميدان العمل خشية الضرر الذي قد يلحق بسوق العمل المحلية.

والتغيرات العالمية على الصعيد الاقتصادي والمالي تطرح تساؤلات عدة حول العديد من المفاهيم والنقاشات الدائرة حول دور الشركات في السياسة الدولية أو الاقتصاد العالمي، في وقت لم يعد بالإمكان اعتماد المقاربات التقليدية في تحليل ودراسة هذه الظواهر الجديدة في عالمنا المعاصر كصناديق الثروة السيادية، والقوة الاقتصادية الصاعدة في الشرق، وزيادة الاعتماد على الدولة كوحدة سياسية وقانونية قادرة على مواكبة تلك التغيّرات العالمية.

وقضية صناديق الثروات السيادية لا تبدو استثمارية أو اقتصادية بحتة سواء أردنا أو لم نرد، فقد تمّ تسييسها وأصبحت ظاهرة من ظواهر العلاقات السياسية الدولية.لذا فإن التعامل والدراسة على صعيد هذه القضية لا ينبغي أن يقتصر على الفنيين العاملين في مجال الاقتصاد والاستثمار بل يجب أن تجنّد لهذه القضية أفضل الخبرات في مجال العلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية الدولية. والصناديق السيادية التي تدير ثروات مملوكة لدول أصبحت تثير حفيظة الدول الكبرى، حيث الخوف من أن تسيطر هذه الصناديق على مفاصل أساسية في الاقتصاد والأمن وقد تُدار بطريقة تتعارض مع مصالح تلك الدول القومية
.فالخوفيزداد من تلك الصناديق التي تتمتّع بسيولة مالية هائلة جدّاً تصل إمكانياتها لدرجة شراء أسواق مالية بكاملها.

ولقد تبدّلت معالم الجغرافيا المالية العالمية، ولقد كشفت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة عن تغيّرات في مناخات الجغرافيا المالية العالمية .

المفارقة أن الأموال الشيوعية تنقذ المؤسسات المالية الرأسمالية.

والأزمة المالية رجّحت كفة بلدان الجنوب في الاقتصاد المعولم ففي أزمة 1997 المالية الآسيوية طمأنت الولايات المتحدة الأسواق المالية في البلدان النامية، وعلى خلاف هذه الأزمة، حملت أزمة النظام المالي الأمريكي في 2007 ـ 2008 بلدان الشمال على قبول مساعدة الدول النفطية وقوى الجنوب المالية العظمى. فالنفوذ المالي انتقل إلى بلدان الجنوب في مجال العمل والفوائض المالية.

الدولة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي عليه الآن بما تتمتع به من أدوات للتأثير في الحياة الاقتصادية سواء عن طريق وسائل التأثير عبر السياسات الاقتصادية أو من خلال دورها التنظيمي وتوفير الخدمات الرئيسية، وإن الانحسار الذي أصاب الدولة هو على صعيد الإنتاج في القطاع العام.

والاقتصاد كان على الدوام، باستثناء الفاصل السوفياتي، اقتصاد سوق وإنما طبيعة السوق في ظل العولمة هي التي تحولت، فمن قومية صارت عالمية، فيما الدولة كسيادة سياسية بقيت قومية ومن هذا المنطلق تم اختراق منطق السوق العابر للحدود إلى منطق سيادة الدول القومية.

إننا نعيش في ظل أيديولوجية جديدة للعبة السلطات والسلطات المضادة. فالمصلحة العامة كانت مبرر سلطة الدولة القوية، والتوازن كمبدأ لليبرالية، وها نحن اليوم في عصر المساءلة، كإطار لمجتمع السوق وكسلطة توازن مقابل تزايد نفوذ الشركات عبر الوطنية، والسلطات السياسية قبل غيرها تعي هذا التحولات والصدمة الناتجة عن التحالف الطبيعي بين القضاء والرأي.

إن لعبة السلطات المضادة بصورة أو بأخرى، بشكل سلس أو بصدمات متتالية ستفرض نفسها في النهاية، وإن واقع السوق الذي تعمل الشركات عبر الوطنية في ظله والذي تستمد النفوذ منه يستدعي أدوات وآليات للضبط والتحكّم، وهذا هو ما يحصل على أرض الواقع.

إذ توجد سلطات مضادة وهي في طور التبرعم وهذه السلطات المضادة تفرض نفسها رويداً رويداً في ظل فلسفة جديدة تطغى على المستويين المحلي والعالمي وفي سياق السباق المتواصل بين السعي لاحتلال مواقع احتكارية وبين الردع الذي تتولاه المؤسسات الراعية لحقوق المنافسة، فإن الشركات الرأسمالية باتت في وضعية ضعف نسبي لم تشهده سابقاً على عكس الكلام البليغ السائد حول عدوانية السوق وجنون الرأسمالية وعدم عقلانية الشركات عبر الوطنية.

فإن ما نشهده أمام أعيننا هو ولادة نظام مستقر من السلطات والسلطات المضادة حتى لو لم نتجاوز بعد تساؤلاتنا وشكوكنا إذ في ظل هذا النظام المتبلور والقائم على حيوية القضاء والرأي العام لا بد من وجود سلطات تأخذ على حين غرة وبصورة قوية على عاتقها مواجهة الشركات عبر الوطنية وتكون القلب النابض والدينامو المحرّك لنشاط الثلاثية الجديدة.

العالم مقبل على أشكال جديدة من المنافسة الاقتصادية التي كانت الدول المتقدمة تدعو إليها لسنوات طويلة مستخدمة في ذلك أداة مهمة متمثلة في منظمة التجارة العالمية، إلا أن قبول الكثير من البلدان النامية بتحدي المنافسة، أدى إلى قلب مفاهيم كثيرة وإعادة النظر فيها على المستوى العالمي.

كما أن ازدواجية المعايير الاقتصادية مسألة في غاية الأهمية وهي تختلف عن ازدواجية المعايير السياسية حيث لا مكان لاستخدام القوة هنا في معظم الحالات، والسنوات المقبلة ستكون حاسمة في العلاقات الاقتصادية الدولية فإمّا أن تكون هناك حرية اقتصادية قائمة على حرية المنافسة للجميع وتستخدم فيها تشريعات منظمة التجارة العالمية كحكم محايد، وإمّا العودة إلى أساليب الحماية ووضع القيود من جديد على حركة السلع والخدمات والتي بدأت ملامحها في البروز حالياً.

في هذا الكتاب عدة فصول نتناول فيها المؤشرات التي تعبّر عن الإمكانيات الموجودة فعلاً لدى الدول في كافة القطاعات الاقتصادية، ومقاربة دور ونشاط الأمم المتحدة في جعل مواطنة ومسؤولية الشركات عبر الوطنية عالميتين، وفي هذا المنحى إشارة إلى إيجابية المنظمات غير الحكومية التي تمثل القوى العظمى الثانية، والتركيز على عملية التحكّم الاجتماعي من خلال النقابات العمالية وأهمية عصر المساءلة الذي نعيش في كنفه ودور القضاء والرأي العام في إمكانية المراقبة، ودراسة المقاربات والمتغيّرات العالمية وتحليل الظواهر الجديدة في عالمنا المعاصر كظاهرة التسوّق السياسي ومبدأ الاستثمار الاستهلاكي، وصناديق الثروة السيادية والقوة الاقتصادية الصاعدة في الشرق.

خاتمة الكتاب


من الطبيعي أن يسمح الفوران الحالي لنمو الشبكات العالمية للاتصالات،سيل المبادلات، المبادرات،الاقتصاد الالكتروني الجديد، لمنظّري الليبرالية الحديثة أن يعلنوا بصيغة الحتمية التاريخية، كما يفعل "أنبياء" الماركسية، الانتصار النهائي للسوق,وليس هناك ما هو أكثر خطأ من ذلك؟

مع كل قفزة تقنية هناك انطلاقة شديدة للسوق لقد حصل هذا مع السكك الحديدية، ثم مع الكهرباء، وها هو يحصل الآن مع الانترنت ولكن مع فارق أنه ليست الدولة المنتجة، المستولية على شركات السكك الحديدية وشركات إنتاج وتسويق الكهرباء، هي مَن سيتولى تملُّك التنقنيات الجديدة، بل الدولة المنظّمة والمشرفة.

ومن هذا المنطلق يمكن لنا القول بأن اندفاعة الانترنت تسرّع في ولادة مجتمع السوق، ولكن هذا الاندفاعة ستخمد تدريجياً عبر معايير وآليات ضبط وتحكّم تحمي المصالح العامة وتعمل على إيجاد نوع من التوازن بين ما هو اقتصادي ومالي واجتماعي وسياسي.

وإذا كان يمكن، على سبيل المثال، توقّع الميول الأساسية لاقتصاد الاتصالات، ولكن:

هل يمكن توقّع نماذج المجتمعات التي سوف ترافقه؟

أليس هامش الحركة المتاح للمجتمع هو دائماً أوسع بكثير من ذلك المتاح للاقتصاد؟

وقد يكون هذا التصوّر بادرة أمل وارتياح، حيث إن مصير المجتمع هو بين أيدي أبنائه وقانون الجاذبية الاقتصادية يفعل فعله الطبيعي على صعيد النموذج الاجتماعي، فهو يكيّفه ولكنه لا يحدّده، ونحن الآن نعيش عصر الانترنت، ولكن مجتمع عصر الانترنت ما زال أرضاً مجهولة فعلينا نحن بناء هذا المجتمع.

وعلى عكس الكلام البليغ السائد حول عدوانية السوق وجنوح الرأسمالية، ولاعقلانية المؤسسات الكبرى، فإن ما نشهده أمام أعيننا، هو ولادة نظام مستقر من السلطات والسلطات المضادة، حتى لو كنا لم نتجاوز بعد لا تساؤلاتنا ولا شكوكنا والشركات تعرف أكثر من أيٍّ كان أن السباق المتواصل بين السعي لاحتلال مواقع احتكارية وبين الردع الذي تتولاه المؤسسات الراعية لحقوق المنافسة والسلطات المضادة، جعل الشركات عبر الوطنية الآن في ضعف نسبي لم تشهده سابقا.

من خلال السياق التاريخي لتتبّع حركة الرأسمالية وخاصة منذ التقـويم النقــدي الكامل، يلاحظ انه تمت الاستعاضة عن نظام التقويم النقدي لأسعار الصرف بنظام ضوابط جزئية من خلال إنشاء النظام النقدي الأوروبي "EMS" في1979 وبرام اتفاقيات بلازا واللوفر بين الدول الصناعية.

وهكذا لم يتم ولم يقم أحد باستعادة النظام القديم المتعدد الأطراف الذي كان جارياً بعد العام 1945 ولكن كل ذلك لم يمنع الوقوع في حمأة قوى السوق الفاتنة، من جهة، ولم يمنع التنافس السلبي بين الكتل التجارية من جهة أخرى.

ومنظمة التجارة العالمية التي تعمل على إبقاء النظام التجاري العالمي مفتوحاً، لكن أيضاً على الأقل قابلاً للخضوع إلى قواعد محسوبة، ومحاولة وضع اتفاقيات الاستثمار المتعدد الأطراف وإقامة المنظمات والوكالات العالمية التي تعمل على تنسيق وتنظيم الجهود والتعاون في قطاعات مختلفة سواء المصرفية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وكلها تصب في هذه الخانة، بحيث تشيع الليبرالية في النظم القومية لضبط الاستثمار في كافة الأصعدة المصرفية والاقتصادية، هو مؤشر إيجابي جلي على أن مشروع إنشاء اقتصاد عالمي يعتمد على قوى السوق وحدها معلّق على الأقل، إن لم نقل بأنه تراجع بالكامل.

كما أن من أسباب الضغوط لإعادة الضوابط يرجع إلى أن معظم الأطراف اللاعبة في الاقتصاد العالمي لها مصلحة في الاستقرار، بما في ذلك كبرى الشركات عبر الوطنية التي ترى في تقليص الاضطراب والغموض فائدة جلية من ناحية تخطيط الاستثمارات ومن ناحية الإنتاج واستراتيجيات التسويق، أو على صعيد الأسواق المالية من خلال تثبيت استقرار النظام المالي العالمي بالضبط الحكومي.

وإن الفكرة الشائعة وسط غُلاة منظّري العولمة بأن الشركات ستنتفع كثيراً من وجود بيئة عالمية خالية من الضوابط تظل فكرة غريبة حقاً,
فالقواعد التجارية المحسوبة، وتسوية حقوق الملكية المنسّقة عالمياً واحتواء التقلّبات المفرطة في أسواق الأسهم المتنوعة، واستقرار أسعار الصرف تسهم جميعاً في تأمين مستويات أولية من السلامة التي تحتاجها الشركات للتخطيط للمستقبل، حيث إن من أهم مقوّمات رفع كفاءه الأسواق وجود عناصر ثلاثة:

أولاً: قوانين واضحة لحماية حقوق الملكية.

ثانياً: نظام قضائي كفوء عادل تُنشر جميع قرارته ليطلع عليها الجميع.

ثالثاً: وجود قوانين واضحة لمحاربة الغش والتقليد والتزوير ووجود آلية فاعلة لمحاربتها.

وهي شروط لتواصل الاستثمار والنمو ولا تستطيع الشركات أن تخلق هذه الشروط والظروف بنفسها ولنفسها حتى لو كانت عابرة للقوميات ومن هذا المنطلق لا يمكن تحقيق استقرار في الاقتصاد العالمي، إلا إذا اتّحدت الدول وأصحاب الشأن لكي تضبطه وتتفق على أهداف ومعايير تحكّم مشتركة.

ولقد أحدثت رياح العولمة، التي بدأت تهب منذ مطلع الثمانينات وأدت في مطلع التسعينات إلى تفكيك المعسكر السوفياتي، تحولاً جديداً في مفهوم السيادة أخذ شكل تغليب الاقتصادي على السياسي ـإلى حد ما ـ في سياق انتصار أيديولوجيا اقتصاد السوق.

والواقع أن الاقتصاد كان على الدوام، باستثناء الفاصل السوفياتي، اقتصاد سوق، وأنما طبيعة السوق في ظل العولمة هي التي تحوّلت। فمن قومية صارت عالمية، فيما الدولة كسيادة سياسية، بقيت قومية، ومن هنا اخترق منطق السوق العابر للحدود المنطق السيادي للدولة القومية، وهذا لا يعني أن الدولة قد انتفت، لكنه أيضاً يعني أنها لم تعد حرة اليدين وأصبح هناك تغيير في طبيعة وظائفها، ومن هنا نجمت الفعالية التي اكتسبتها الشركات عبر الوطنية والتي أدت إلى تزايد نفوذها، كذلك ظهور المنظمات غير الحكومية وجلّها مناهضة للعولمة وتدافع عن سيادة الدولة.

ولكن المفارقة أن تلك المنظمات لا تقيّد نفسها في نشاطها بمفهوم السيادة؟

وفي الوقت ذاته تطالب بوضع معايير ضبط وتحكّم على نشاط الشركات عبر الوطنية؟ وقد تكون تلك المنظمات هي من الذين هم بأمسّ الحاجة لوضع معايير لضبط عملهم ونشاطهم؟ وعلى الرغم من وجود علامات مشجّعة على صعيد معايير الضبط والتحكّم.

تبقى بعض التساؤلات مطروحة فيما يتعلق ببعض الوكالات والمؤسسات الدولية التي تحدّد جدارة الإقراض وتعمل على تنظيم الأسواق المالية بما فيها عمل البورصات المالية। ومن الواضح أن ممارسات تحديد المعايير هي جزء جوهري من نظام السوق الحر وهي تقرر مصير الفاعلين الاقتصاديين بطريقة تمنح سلطة سياسية فعلية.

وعلى الرغم من أهمية العمليات التي تقوم بها تلك المؤسسات والوكالات والتي تعتبر أهم جانب من جوانب العولمة والتدويل

ولكن ألا يحق التساؤل:

عن ماهيّة هذه الوكالات على وجه الدقة؟

هل هي منظمات تدّعي لنفسها وتمارس سلطة عامة حكومية، في حين أنها ليست خاصة بالكامل وليست عامة بالكامل؟

هل هي جزء من التغيير في النظام العالمي؟

هل هي أداة أو جزء من منظومة التحكّم الناشئة أم العكس؟

وهل يحق لنا الاعتقاد هنا بأنه يجب إعارة هذه المؤسسات والوكالات ـ أو هذه الحالة ـ الانتباه الأكبر من قبل الباحثين؟

لقد استطاعت الحركات المناهضة للعولمة أن تقطع شوطاً في مواجهة قوى السوق وجاء المنتدى الاجتماعي العالمي بمثابة الرد على منتدى دافوس الذي يهدف إلى إرساء الشرعية السياسية التي تتوافق مع مصالح الشركات عبر الوطنية ودولها وهو مؤشر إيجابي على إمكانية القدرة على العمل وإيجاد سلطات مضادة وموازية لسلطات السوق تكون قادرة على الضغط والتأثير وبالتالي المراقبة والضبط.

وليست كل الأخبار باعثة على التشاؤم، فحركة مناهضة العولمة، وعلى الرغم من كل ما يشوبها من التباسات، تبيّن أن من غير المبرر اقتصار هذه الحركات فقط على الاجتماع والاحتجاج بل لا بد من الانتقال إلى القيام بنشاط منظّم وبإمكانية إحياء وإيجاد استراتيجيات جديدة في العمل

وحركة المنتديات الاجتماعية تطرح إشكالية حول تغيير الأحداث:

فكيف يمكن لها أن تنتقل من طور الاحتجاج إلى بناء عولمة بديلة؟

وكيف في وسعها بلورة استراتيجية سياسية في هذا الاتجاه؟

إن الإختلافات داخل هذه المنتديات عمل حيوي لكن لا يمكن أن تكون الحيوية هدفاً بذاتها، إذ يجب أن تتبلور استراتيجية سياسية تتداخل فيها المسألة الوظيفية بالمسألة الاجتماعية؟؟؟

وعلى الرغم من التظاهرات الواسعة والمتزايدة ضد العولمة النيوليبرالية لم يتبلور بعد أي بديل استراتيجي منسّق ومتكامل يمكن أن يفتح الباب أمام نمط جديد من استغلال فرص الاندماج العالمي الذي تسمح به الثورة المعلوماتية.


فالحركات المعادية للعولمة يغلب عليها طابع الاعتراض والاحتجاج وبدون برنامج ملموس وبديل لتعزيز واقع وجود خيارات بديلة سوف نبقى في دوامة الرفض فقط وخطر العموميات في البرامج وفي حلقة مفرغة إذ أكثر ما يقلق قوى السوق وبالطبع الشركات هو أن يضطروا إلى تحديد موقفهم من مشروع عالمي اجتماعي وإذا كان المنتدى العالمي الاجتماعي بدا لنا كسلطة مضادة لسلطة منتدى دافوس، ولكن دون ترجمة هذا التوجه والنشاط من الشعارات إلى واقع.

يبقى البديل هو جوهر الخلاف وفي كل الأحوال فإن هذه الدينامية في الحركة المضادة لقوى السوق تبقى مهمة من حيث أنها تبيّن أن إمكانية الضبط والمراقبة وبزوغ فجر السلطات المضادة تبقى واردة أملاً في اجتراح نظام بديل يكون أكثر عدلاً أو أقل جورا.

وفي ظل التشابك والترابط نتيجة التقدم العلمي والتكنولوجي والذي انعكس على واقع الاقتصاد العالمي، أصبحت هناك صعوبات علمية تواجه كل مَن يريد معالجة أو تناول ظاهرة الشركات عبر الوطنية في سياق العولمة، فعندما تطالعنا الصحف بنبأ توقيع الحكومة الإماراتية لاتفاق مع شركة فولكسفاغن الألمانية بقيمة تصل إلى ملياري دولار تمتلك بموجبه الحكومة الإماراتية10% من أسهم فولكسفاغن، وضمن بنود الاتفاق بناء مصنع في مدينة أبو ظبي لإنتاج سيارات فولكسفاغن لبيعها في المنطقة.

فهل لنا أن نتساءل أين هو الحد الفاصل بين مصالح الشركات عبر الوطنية ومصالح الدول؟ وما هو المعيار هنا للتمييز بين ما هو عام وما هو خاص والذي على ضوئه يمكن التقييم؟

وهناك أيضاً مفارقة على الصعيد الديمقراطي عند التعرّض للعلاقة بين رأس المال والسياسة.

فهل يحق للأثرياء من أصحاب هذه الشركات مثلاً التطلع إلى المشاركة السياسية؟

هل هذا التطلع الديمقراطي حق مكتسب لهم؟

وما هو واقع الشركات عبر الوطنية في هذا الصدد؟

هل نحن أمام نُخَب مالية أكثر مما هي نُخَب سياسية؟

وهل تشكل هذه النخب طبقة حاكمة؟

وهل تحاول ممارسة نفوذ يتعدى ذاك الذي تتيحه الثروة؟

هل ديمقراطياً يحق لها ذلك؟

فإذا كان المموّل الأكبر لنشاط منظمة الصحة العالمية هو بيل غيتس مالك شركة مايكروسوفت الذي تفوق مجموع تبرعاته ما تقدمه الولايات المتحدة، فهل هذا التمويل يصب في خانة المسؤولية الاجتماعية للشركات؟أم في خانة الهيمنة والسيطرة؟

أقل ما يمكن قوله في تلك التساؤلات ـوهناك الكثيرـأنه يجب النظر لظاهرة العولمة بكل تجلياتها، ومنها الشركات عبر الوطنية، بمنظارٍ علمي بعيدٍ عن مبدأ الـ"مع" و"الضد"، حيث إن هذه الظاهرة سيف ذو حدين فهناك رابحون وخاسرون، فإذا كانت ألمانيا مثلاً خاسرة على صعيد فرص العمل ـ نتيجة نقل الشركات مصانع الملابس الجاهزة إلى الخارج بسبب العولمة ـ خلال العشرين سنة الماضية ما يقارب مليون ونصف المليون وظيفة، وهذا لصالح نسبة من نساء بنغلادش وجنوب شرق آسيا، فإنه وفي الأحوال جميعاً إن أسوأ نهج في التعامل مع ظاهرة هذا العصر (العولمة) هو نهج مَن يريد أن "يؤبلسها" أو أن "يؤمثلها" بأي ثمن.

في النهاية لا يسعنا التطرق إلى ظاهرة العولمة وتجلياتها بصفة الباحث والمراقب فقط، بل لا بد أن نتطرق إلى هذا الواقع بروحية الشخص المعني ذاتياً عناية عميقة وكاملة كشخص من العالم النامي يبحث عن أمل ومستقبل أفضل وسط التقنيات الجديدة واتساع المنافسة الدولية والذي لم يعد باستطاعتنا حتى الاختيار كما في السابق فالواقع يفرض نفسه والإبطاء والتسكع لم يعد مقبولاً.

فالنظام العالمي يشهد هذه الايام أزمة ثلاثية الأبعاد:

بعد اقتصادي يتصل با الأسباب المباشرة التي أدت إلى تفجيرها.

وبعد سياسي يتصل بهيكل وموازين وعلاقات القوة القائمة في النظام العالمي لحظة انفجار الأزمة.

وبعد إيديولوجي يتصل بتأثير الأزمة على المستوى الفكري.

ومن هذه الروحية يطرح التساؤل:


أن نكون موضوعاً للتاريخ أو فاعليين له، هذا هو السؤال؟

إنه مطروح دائماً ولكن هذه المرة سيكون الثمن الاقتصادي، السياسي، المؤسساتي، السيكولوجي أكبر في حال بقينا موضوعاً للتاريخ.ولم يعد مقبولا ً التعاطي مع هذا الواقع من منطلق أيديولوجي يعبّر عن مجرد موقف ضد هذه الظاهرة أو معها بدون وجود برنامج عملي.

والسؤال لماذا هناك الكثير من الأفكار عن كيفية توزيع الدخل وليس عن كيفية توليد الدخل؟

وإذا أردنا عالماً يملك "السوق" فأين نحن في هذا العالم فكراً وفعلاً، قدرة ومشاركة؟

وإذا قبلنا بسوق يملك هو "العالم" فأين نحن في هذا السوق موقعاً ودوراً، توجيهاً وتأثيراً؟

باختصار: أين نحن ؟

من هنا نرى أن ثمة أسئلة مطروحة على عالمنا المعاصر ولا يمكننا إلا أن نتفاعل معها في الصميم وأن نقدم أجوبة عليها تتلاءم مع تطورنا الإنساني والتاريخي، ومن هذه الأسئلة:

سؤال غائية العلم:

فهل سيقود التطور العلمي الراهن إلى سعادة الإنسانية ورفاهها أم سينقلب إلى مصدر لبؤسها وجعل الإنسان يدمر نفسه بنفسه في غياب أي طوبى إنسانية شاملة جامعة لكل الأمم والشعوب، جوهرها الارتقاء الإنساني الشامل، طوبى تعيد الحياة إلى مبادئ العقد الاجتماعي والاقتصادي والمواطنية والعقلانية والمساواتية والعدل الاجتماعي؟
وهل سيبقى التطور الاقتصادي والاجتماعي يؤدي إلى المزيد من مراكمة الثروة في جانب ومراكمة الفقر في الجانب الآخر، أم سيتجه لمصلحة البشرية بأسرها ورفاه الناس وخيرهم جميعاً؟

ومن هذه الأسئلة سؤال الطبيعة:

فهل سيبدّل الإنسان المعاصر في نظرته إليها باعتبارها امتداداً للوجود الإنساني وليست عالماً غريباً عنه قابلاً للتحكّم به دون أية ضوابط، ومهما كانت النتائج مسيئة إلى نواميسه وتطوّر أحيائه الحيوانية والنباتية؟

ومنها سؤال المعنى والقيمة:

فأي أفق يجري نحوه تطور الإنسانية وتقدمها؟ هل هو الإنسان الفرد بالمفهوم الليبرالي وباعتبارة القيمة الأولى والأخيرة والهدف النهائي للتطور أم هو المجتمع أم الأمة أو الإنسانية بأسرها؟ وهل الصراع والغَلَبة هما اللذان سيحددان مصير الإنسانية أم التكافل الاجتماعي والهم المشترك؟

ومنها سؤال الهوية:

فهل سيتجه التطور الإنساني نحو هوية كونية أممية أم سيكون التشبث بالهويات القومية والإثنية والطائفية هو الرد المضاد على ثورة التواصل العولمي؟

ومنها سؤال النهايات:

فهل يتجه التاريخ نحو نهاية معينة ليبرالية أو اشتراكية كما تصوّر فوكوياما وقبله ماركس أم أنه يجري في غير هذين الاتجاهين ؟
لقد أخفق الإنسان حتى الآن في إقامة علاقة عقلانية ومتوازنة، سواء بينه وبين أخيه الإنسان أو بينه وبين الطبيعة أو بينه وبين المستقبل.

قد يكون قدر الفكر الفلسفي أن يواجه هو بالذات الخلل الكامن وراء تلك التساؤلات وأن يقف دائماً في مواجهة الأسئلة المستحيلة؟
 
غلاف الكتاب

لقد أحدثت رياح العولمة، التي بدأت تهب منذ مطلع الثمانينات وأدت في مطلع التسعينات إلى تفكيك المعسكر السوفياتي ، تحولاً جديداً في مفهوم السيادة أخذ شكل تغليب الاقتصادي على السياسي ـإلى حد ما ـ في سياق انتصار أيديولوجيا اقتصاد السوق.والواقع أن الاقتصاد كان على الدوام، باستثناء الفاصل السوفياتي، اقتصاد سوق، وأنما طبيعة السوق في ظل العولمة هي التي تحوّلت. فمن قومية صارت عالمية، فيما الدولة كسيادة سياسية، بقيت قومية، ومن هنا اخترق منطق السوق العابرللحدود المنطق السيادي للدولة القومية.

الأمر قد يصدم على الصعيد المعنوي، فكيف باتت أموال البلدان الناشئة تتّجه نحو الشمال لتنقذه؟ فالصين تستثمر منذ أعوام في سندات الخزينة الأمريكية وتمول جزءاً مهماً من العجز الهائل لأكبر قوة اقتصادية عالمية وتستثمر في رؤوس أموال مؤسسات غربية، كذلك فإن الصين تسابق الدول المتقدمة الكبرى على الاستثمار في أفريقيا لتؤمّن منفذاً آمناً إلى المواد الأولية.

ومن مؤشرات تحوّل القوة المالية من الغرب إلى الشرق وتحديداً الصين التي تلعب الآن دوراً أساسياً على صعيد الاقتصاد والأسواق المالية، يكفي القول إن لدى الصين القوة لأن تقرر تكافؤ العملتين العالميتين: الدولار واليورو، فالصين قادرة بعبارة واحدة أن "تقضي" على الدولار إذا اختارت تحويل جزء كبير من الاحتياط المالي لديها إلى اليورو فهل صارت البلدان الفقيرة بنوكاً للعالم؟ إن النمو المشهدي للاحتياطات الآسيوية وتكديس البترودولار في بلدان الخليج وروسيا وسداد الديون الأرجنتينية والبرازيلية قبل استحقاقها، تحمل على الاعتقاد بأن البلدان النامية تموّل البلدان الصناعية.

لا بد من وجود نموذج فكري جديد وهذا النموذج لا يمكن أن يُبْنى حول نظام عالم آخر من نسج الخيال فالعالم معقّد جداً، والقضايا العالمية بأبعادها الإنسانية والسياسية والاقتصادية بحاجة إلى ثقافة جديدة وطريقة تفكير جديدة، كذلك يجب تخطّي النظريات المادية التي تتّبعها الدولة والسيادة الوطنية.


في حقبة من العولمة السريعة لم يعد من المناسب بعد، مواصلة الحديث عن العالم بمفاهيم الشرق والغرب، إذ القضايا العالمية مثل التجارة والتدفقات الرأسمالية والهجرة، وتجاوز المشاكل البيئية حدود القومية، بالإضافة إلى قضايا الإرهاب وحقوق الإنسان والتنوّع الثقافي، قد قضت على الفروق الحادة بين نصفي العالم وقد أصبح لزاماً طرح طريقة تفكير مختلفة في العالم.

والقضايا العالمية معقدة ولم تحسم بعد، فهل ستكون:

قوى السوق أم صنّاع السياسة هم رواد عوامل التغيير؟

أم أن الجاذبية السياسية والاقتصادية باتجاه الشرق تمثل تغييراً أكبر وأسرع مما تستطيع فهمه غالبية صنّاع السياسة في العالم الغربي؟

وهل طبيعة العلاقة الاقتصادية والسياسية بين الولايات المتحدة والصين ودور كل من الاتحاد الأوروبي والهند بينهما كجسر بين الثقافتين والقوتين سوف يحدد طبيعة النظام العالمي القادم؟

هذه العلاقة قد تكون محور السياسة والاقتصاد العالميين لمدة ليست بالقصيرة ؟؟؟؟؟؟؟؟


For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com