2011-06-29

إزمة النخب الحاكمة وواقع الثورات في تطوير الفكر والممارسة لدى الشعوب







سلام الربضي \ باحث أردني في العلاقات الدولية
مجلة مدارات استراتيجية \ اليمن

من علامات أزمة النخب الحاكمة فى بلادنا، أن بعض التصورات والأفكار تتحول إلى ثوابت فى الأذهان والأفعال، وكأنها تحولت إلى قوالب مقدسة. ويظل الكثير، من النخب والقادة العربية ينتهجون ويلتزمون ذات الثوابت، التي لم تعد تواكب التطورات الحاصلة بأي شكل من الأشكال. وفي ظل هذا الوضع، تزدهر في سماء المنطقة كثير من خطابات سياسية، لا تضمن التوصيفات المتعددة في العلوم السياسية القدرة على الإحاطة بها، من شعوبية جديدة ودوغمائية ما بعد عصر الحداثة. وسواها من تلك التوصيفات، التي تم تخصيصها لوصف سلوكيات سياسية بدائية، سادت وانتشرت في أزمنة أولى من ممارسة السياسة. والتعاطي معها بوصفها ترويضاً للمجتمعات الإنسانية، وليس باعتبارها، فن الممكن وفن إدارة الأزمات والمجتمعات، للوصول إلى أفضل النتائج التي تؤمن حياة البشر.
والإشكالية، تكمن في التوظيف السياسي البشع للأحداث من قبل بعض الأنظمة، التي تعرف تماماً، أنها لا تخسر شيئاً من الامتيازات التي حصلت عليها في بلدانها. ولن تترتب عليها أي التزامات. تمهيداً للابتزاز السياسي في لعبة السلطة، ودائماً بتحريض وتشجيع من الخارج. ومن البديهي أيضاً، أن يتم استخدام المالي السياسي الخارجي، الآتي باسم التنمية والإعمار في هذا المضمار. خصوصاً، أن مقدميه هدفهم نصرة طرف على طرف آخر. بحيث يصبح المال السياسي، الآتي تحت شعار التنمية والإعمار، سبباً لمزيد من الانقسامات التي تأخذ إلى الفتنة. حيث يستخدم المال السياسي، لزيادة مساحة الشقاق بين مكونات المجتمع وتحديداً السياسية منها.
فمنبع التناقضات جميعاً، هو هذه الغرابة الجوهرية والجذرية في انساق  قد يرغب في فرضها على روحية المجتمعات التي فرضت فية وعليه غصباً، فلا تستطيع أن تكون آمنة . الأمر الذي يعمق غربتها ويعزز استحالة القبول بها، ولا يؤثر العنف الذي قد تتصف فيه يوما ما باللاتناسب، إلا على أن اللاتناسب هو جوهر هذا النسق ، وببساطة هذه الانساق غير مناسبة ومتناسبة في المنطقة. هذا أمر غير قابل للتقادم ولا المحو، لا بالقوة ولا بمزيد من القوة لا بالجنون ولا بالعقل. لأن المفاهيم باتت مضطربة من فرط سوء استخدامها بلا تحديد ولا تدقيق، ووفق وظيفة تنتمي إلى التفخيم اللفظي أكثر مما تهجس بالمضمون. تهرباً ربما، من الفراغ السياسي الذي يقف أمامه جميع الفاعلين إلى أي تيار انتموا، فتصبح في أفضل الأحوال أدوات لحاجة صماء، لذلك قد يكون تعبير "تاريخي" في وصف المنعطف الذي تقف أمامه يصبح محرجاً، ولكن النظر إلى المشهد برمته يفرض مثل هذا التوصيف.
ومعرفة هذا النسق الجديد، في تحديد ووصف طبيعة العلاقات العربيّة الإستراتيجيّة الدّاخليّة والخارجيّة، وهو عبارة عن، المظهر السّياسي المراد منه تحويل الأنظار نحو تقسيم الدّول العربيّة. من جهة فيما بينها، ومن جهة أخرى، في وضعها في حالة صراع مع  قوى إقليمية. لكن الأهمّ من ذلك، هو إدراكنا بالعمق لهذا الواقع، واستيعاب عمق التحدّي، والتحلي بالرّؤية الإستراتيجيّة الكفيلة بدرء المخاطر والتحدّيات عن أوطاننا والمجتمعات من نخب ثقافيّة، فكريّة، سياسيّة، اقتصاديّة واجتماعيّة . فمثلاً مشروع الشرق الأوسط الكبير سيكون لزمن غير قصير وسيبقى الخيار الثقافي الدّولي الذي ترغب الدّول الكبرى في جعله برنامج عمل وتنفيذ لدول المنطقة. على الرغم، من كل تلك التغيرات والثورات في المنطقة العربية. وهو المشروع الذي سيصبح ضرورة دوليّة، سياسيّة، ثقافيّة، اجتماعيّة، اقتصاديّة وأمنيّة بامتياز في المنطقة، الأكثر اشتعالاً في العالم. للألتفاف على التغيرات والثورات المجتمعية الإيجابية، سواء في تونس أو مصر أو اليمن أو البحرين أو ليبيا..الخ وكل ما يليها مستقبلاً.
ونحن بأمس الحاجة، لذلك النمط من السياسة وهو ما يمكن أن يطلق عليه، مفهوم السياسة السهلة. بمعنى السياسة التي تزدحم بالخيال القادر، على إيجاد الحلول الممكنة للمشكلات التي تعاني منها مجتمعاتنا. فضلاً عن الإرادة التي تحول هذا الخيال إلى مشاريع ورؤى وتصورات، وفق تعاطي منهجي مستمر. وصولاً إلى التكييف العملي والعلمي لتلك المناهج، مع واقع الإمكانات المتاحة وواقع البيئة المحلية والدولية. إذ تكتسب القدرة على التكيف الخلاق مع الموجات التاريخية أهمية قصوى، باعتبارها إحدى المهارات الأساسية للثقافة السياسية ، وخصوصاً في لحظات الانتقال السريعة في منطقتنا العربية الحالية، التي يغلب فيها على الحركة الدولية قدراً هائلاً من التغير والدينامكية. إذ تبدو أدق الحسابات السياسية عاجزة عن التواؤم الكامل مع هذه المتغيرات وحركتها الدافقة، بما يجعلها في حاجة دائمة لإعادة النظر من أجل التكيف المرن والخلاق معها. وهو ما يقاس بدقة الاستشعار وعمق القراءة، ومن ثم حسن التوجه وسرعته أيضاً، إزاء ما يعتبر موجات تاريخية أو تحولات سياسية، على النحو الذي يعظم من الفرص التي تتيحها هذه التحولات، ويقلص من مخاطرها لتأتي محصلة عوائدها وتكلفتها إيجابية.
وفي هذا السياق، يجب طرح إشكالية المراهنة على الجماهير والشارع العربي. طبعاً، ليس من منطلق التقليل من أهمية هذه المظاهرات والتحركات، أو من نبل المشاعر، التي تثيرها فهذا أضعف الإيمان. لكن ما يجب دراسته وبحثه، هو ضرورة كشف المسكوت عنه في الخطاب الجماهيري السائد. لأن الذهاب للبحث في هكذا مواضيع ملحة سيوصلنا إلى السؤال الاستراتيجي :

عن معنى غلبة علاقات السلطة على الدولة في النظام العربي، وإلى واقع إحلال وسائل القوة والسيطرة، محل علاقات المشاركة والتداول والتمثيل ؟

فمن خلال، تفحص التجارب العربية، يمكن ملاحظة أن معظم الخطاب العربي الجماهيري تاريخياً، كان مراوغ ويتواطأ مع علاقات السيطرة في الواقع السياسي . حيث كان يتم السكوت عن واقع المجتمع اليومي، بإدعاء إعلاء شأن القضايا القومية والخارجية. حيث لا تبدو، الشعوب على شكل مجتمعات أو مواطنين أحراراً، وإنما مجرد أفراد وكتل عشوائية. بينما يبدو الشارع، مجرد ساحة وبديلاً للإطارات وللتوسطات السياسية، وللتمثيلات الشعبية، وللبرلمانات. وفي هذا وذاك، تحل التحركات الشعبية محل المشاركة السياسية .

إذ في التفاصيل، لا بد من الاعتراف بأن خطاب الجماهير، كان يتعامل مع القضايا أكثر من تعامله مع البشر وحاجاتهم. فبقاء خطاب الجماهير أسير اللحظات التاريخية، يؤكد عدم نضج الواقع العربي، ويدلل على واقع السياسة في بلادنا. وعلى الرغم، من النكسات والهزائم والإخفاقات العربية السابقة، فإن مراكز صنع القرار ومراكز الأبحاث في البلدان العربية، كانت وما تزال  تفتقد لأي نوع من الأبحاث والمراجعات الناجمة عن ذلك، لاستنتاج الدروس والعبر منها. ففي إسرائيل، ذات الخطر الاستراتيجي على العالم العربي والمستحضرة دائماً في المقارنات، توجد لديها عشرات مراكز البحث والدراسات ولجان تحقيق يشارك فيها، مسؤولون وخبراء عسكريون وقانونيون، ومفكرون، تمد صناع القرار الإسرائيلي بالتوجهات والنصائح ولائحة الاحتمالات والخيارات. هكذا هي حال، تقارير لجنة "أغرانات" بعد حرب 1973 ولجنة "كاهانا" 1982 وأخيراً لجنة "فينوغراد" بعد حرب تموز وكثير من اللجان الفرعية والمختلفة.

ولكن من الملفت للنظر والمستغرب، أن الكثير من العرب يستشهدون بهذه اللجان من دون أن يتساءلوا أين هي لجاننا وتحقيقاتنا ومراجعتنا ودراساتنا في هزائمنا أو حتى عند انتصاراتنا؟

منتهى القول، أن واقع الثورات العربية الحالية يعبر ويوضح، أن النظام العربي كان مريض وغير قادر على المتابعة والإبداع، لا في فضائه الإقليمي، ولا في باحته الداخلية. لهذا يصح توقع مآسي أكثر ترويعاً، إن لم يبادر هذا العالم العربي الرحب، إلى تغييرات جوهرية في بنيانه. حيث أن إعادة التقويم تتطلب آلية شاملة، تتناول تقويم الحالة السياسية والفكرية والاقتصادية والمعايير السياسية، وطرائق التفكير العربية. وأن هذه الإعادة، مطلوبة بشكل عاجل في وقت قد تدفع فيه الشعوب العربية أكلافاً باهضة. فما تكشفه المواجهة من معطيات، تؤكد ارتباط عموم الناس في المنطقة العربية بالحرية والمساواة، وذلك رغم سنوات الضباب والشك. فعملية النهوض العربي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت متعثرة إلى حد تم تحويلها إلى سيرورة خديعة وإخضاع، والصراع على السلطة كان فوق الحد القابل للتجاهل. في ظل واقع عالمي، كانت تنتابه دائماً، الازدواجية والاضطرابات في المفاهيم والإستراتيجيات. 

فخطاب الجماهير العربية برغم ثورويتة الظاهرة وطوباويتة، كان يسكت عن حال تغييب المجتمعات. ويقصر عن الإجابة، عن أسباب عجزها وضعف وعيها لذاتها ولدورها. فهذا الشارع، لم يرغب في الذهاب إلى البحث في أسباب قصور التحركات الجماهيرية، وأسباب تغييب المجتمعات العربية المستمر. فالمسألة إذاً، قد تكون في الخيارات والواقع السياسي، وليس في أي شيء آخر. وبهذا الصدد، فإن كان أحد أوجه ميزان القوى ممثلاً لمصلحة السلطات العربية، فإن وجهه الآخر حالياً ليس كذلك، وعدم الاستفادة من ذلك الواقع، هو بمثابة ورطة إستراتيجية ستؤدي إلى إعادة إدامة الاختلال في ميزان القوى، لصالح مبدأ السلطة على حساب مبادئ الدولة والتمثيل والمشاركة. وإلى الاتجاه نحو آفاق غير محسوبة، وغير قابلة للضبط، يكون الخاسر الوحيد فيها في المحصلة، شعوب الأمة العربية بأسرها وعلى كافة المستويات.

إذ تكشف تلك الثورات الحاصلة حالياً في المنطقة العربية، عن تطور وعي الشارع السياسي والشعبي في العالم العربي، وتفاعلة مع مفاهيم الحرية والديمقراطية. فلقد خسرت الشعوب العربية كثيراً، في صراع الحكم والسلطة. والمعضلة، أن سبب هذه الخسارة لم يكن فقط بسبب ضعفهم، أو بسبب رجحان ميزان القوى لصالح السلطة والأنظمة الرسمية. وليس بسبب عدم ملائمة الأوضاع الدولية والإقليمية، لتطلعاتهم ومتطلباتهم المشروعة فحسب. وإنما بسبب، فوضاهم وتخلف إدارتهم لأوضاعهم، وانقساماتهم. وغياب إستراتيجية واضحة لهم، تتأسس على الواقعية والعقلانية . ولقد جاءت، الثورات والاحتجاجات المتسارعة وأن بوتيرة مختلفة، في كل من : تونس،مصر، ليبيا،البحرين، اليمن،الأردن،المغرب،الجزائر..الخ لتعطي بارقة أمل، نحو المواجهة السليمة مع دوائر السلطة. ذلك العمل، يتطلب من أجل ديمومتة على الشعوب العربية، اعتماد التخطيط والرؤية الواضحة. وقد تكون أولى النتائج المرجوه من هذه الثورات، هو تطوير الفكر والممارسة، لدى تلك الشعوب قبل النخب والقيادات.

2011-05-19

الفضاء الثوري العربي ويوتوبية جدلية النزعة الإنسانية ( ج2 )






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية

منبر الحرية \المغرب،15 /أيار 2011

لعل بمقدورنا استلهام تصور أكثر حساسية للبدائل، وأن نلقي الضوء على حقيقة أن النزعة اليوتوبية الجدلية هي بالضرورة فضائية زمانية، وتكوينها يبدأ من الجغرافيا التاريخية القائمة. فمعضلة الخصوصية تتجسد في الواقع، بوصفها مشكلة المتطلبات الخاصة بالمكان على كل المقاييس، في ظل وقائع دائمة التحول، وهي مشكلة يتطلب حلها الإبقاء على شيئين متناقضين في حالة توتر دائم :

1- إنتاجاً ديناميكياً ومستمراً للفضاء.
2- تقبلاً طوعياً لضرورة القرارات من نوع إما / أو، على الأقل ثباتاً مؤقتاً.

وفي إطار جدلية طرح الأفكار الأولية، حول ما الذي يمكن أن تتضمنه تعددية البدائل الكائنة في اليوتوبية الفضائية الزمانية، قد يتطلب الأمر الانجذاب إلى فن الهندسة المعمارية، لأن المهندسين المعماريين ليس لديهم بديل سوى أن يخلقوا أشكالاً فضائية. وفي أحسن الأحوال، يكونون واعين تماماً بالدلالة السياسية الزمانية للفضاء المنتج، وفي السياسة يمكن الانعتاق من فضاء المكان والزمان إلى الطبيعة- التي هي مادة المكان والزمان إذ أجاز التعبير- فالطبيعة البشرية لم تخلق اجتماعياً وتاريخياً فحسب، بل بيولوجياً أيضاً.
من المؤكد أننا جميعاً كعرب، يجب أن نكون معماريون متمردون للمستقبل الجمعي، فكل ما يسمى نضالات عالمية لها أصول شديدة الخصوصية. وإن الانتقال من الخصوصية المناضلة إلى الفعل الجمعي، إنما يتم دائماً من خلال توسيط المؤسسات، والكيانات البيئية التي ننشئها بوعي قصدي، من أجل ذلك الغرض. وفي سياق تدفق عملية الانتقال، تنبعث لحظة الإنسانية، والإنسانية ليست إنجازاً ثابتاً أو نهائياً. بل هي بالأحرى، إحدى لحظات القرار الوجودي، إذ نجد أن المبادئ قد تجسدت في الواقع من خلال الفعل في العالم العربي.

فالإنسان هو سياسي بأعمق الطرق الممكنة، والمبادئ تتشكل من خلال القرار بالاشتراك أو عدم الاشتراك في نضالات معينة، لكنها حتى في ذلك السياق فإنها تستمد قوتها من المفاهيم المحتواة داخل الكائن الإنساني. وهناك قائمة متنوعة ذات طابع راديكالي إنساني حضاري، تزودنا بمسودة أولى للحقوق الجديرة بالنضال من أجلها، فقط إذا كان لدينا نحن العرب المعمارين المتمردين المنتجين لعالم مختلف، الشجاعة لأن نأخذ زمام المخاطرة، للقفز للمستقبل المحتمل، في ظل حالة من الفوضى الثورية الشاملة. مع الأخذ بعين الاعتبار، استثمار هذا الواقع من قبل الشعوب العربية، التي أخذت تعيد تنظيم الحياة اليومية، من أسفل إلى أعلى تراتبية ، وفقاً للوحدات الفضائية المقاسة.

ليس الماضي والحاضر بل والمستقبل أيضاً، كل منهم يتسم بأنه فضائي زماني بصورة غير قابلة للاختزال. فالإصرار على النقد الفضائي للخطاب اليوتوبي، أي مزج الشكل الفضائي بالعملية السياسية في النزعة اليوتوبية، بدلاً من التعامل مع الفضائية اليوتوبية بطريقة الكل أو لا شيء، يجب أن يعدل رؤية المستقبلات البديلة، وفقاً لمستقبل النزعة الإنسانية العربية العميقة، المتضمنة الإسهامات الأكثر تحليلاً وحقيقة وبروزاً. فكلما عبرت تلك النزعة الإنسانية العربية عن نفسها أكثر فأكثر، أخذت الضمائر فيها تتجه نحو " النحن" الخاصة بالإنسانية مأخوذة ككل. ولدينا نحن العرب، القدرات على إدراك النزعة الإنسانية من خلال تلك المفاهيم العامة، ومن خلال النزعة اليوتوبية الجدلية، لتأسيس المواطن العربي المعاصر. فالطبيعة الفضائية للمبادئ، هي ليست لحظة نهائية أو لحظة وحي أو حقيقة مطلقة. بل هي بالأحرى، لحظة قرار وجودي، ونوع من التمتع بالوضوح الجذري الممتزج بالفعل السياسي.

وهذا ما يقودنا إلى مسألة الأنطولوجيا، ومكانة الأنطولوجيا في أية رؤية ثورية أو يوتوبية، فدراسة جوهر الأشياء أو الوجود الخالص أي الانطولوجيا يمكن تصورها، على أنها تتكون من مجموعة من المبادئ العامة التي تبددت داخلها إلى حد كبير لحظة التضايف. والانطولوجيا تحتل مكاناً مهماً في التخطيط الفكري، فهناك خيط أنطولوجي عميق يربط النزعة اليوتوبية الجدلية بالكائن الإنساني، ويربط مرونة المستقبلات العربية بأسس المواطنة العربية. ولعل المقارنة، تلقي الضوء على جوانب الموضوع الأعم، فالتاريخ يتمايل للأمام بالتبادل بين مسارين متضافرين معاً، فالتاريخ والأنطولوجيا إذا لم يكونا متناقضين فهما على الأقل غير متوافقين. فالقضايا المعاصرة تتميز بأن أنساقها المؤسسة تنضبط على نحو جديد، وهكذا نجد، أن نهاية التاريخ قد أصبحت الآن مطوية داخل الأنطولوجيا.

ومحاولة استعادة مفهوم المواطن العربي الإنساني بوصفه المفهوم المركزي في مسألة البدائل السياسية، إنما هي محاولة مختلفة تماماً، لحل المعضلة الخاصة بالتغير التاريخي والانطولوجيا. ونحن على قناعة بصورة عامة، بأن المفاهيم الإيديولوجية المغلقة يجب التخلي عنها، فمفهوم المواطن العربي الإنساني يتميز بشيء متعلق بتفاؤل العقل، ونقد مضمر للدعاوي المثالية الخاصة بنزعة دينية أو جغرافية ضيقة. وهذا المفهوم، أصبح أمراً لا بد منه، في سياق مواكبة فضاء النظريات الاجتماعية والثقافية والسياسية العالمية، ويزودنا بمدخل إلى البحث العلمي فيما سيجعلنا أمة موحدة رغم معظم الاختلافات (الدينية والمذهبية والقومية والاقتصادية والفكرية والجغرافية) . فمفهوم المواطن العربي هو الفضاء الأعم والأهم، من حيث هو يشكل الإطار للمستقبلات المحتملة.

ومفهوم المواطن العربي الإنساني يخدم من ناحية أخرى هدفاً هو موضع تساؤل بدرجة أكبر، فمع وجود مفاهيم سياسية كثيرة للغاية في كل مكان، تبرز الحاجة إلى إيجاد شيء ثابت في مكان ما، إذ استثنينا أن يكون لنا منظور ما. فالكائن العربي بطبيعته الإنسانية الكلية العالمية العامة العمومية، وبتوجه جغرافي أكثر منه فلسفي، يضعف من شأن أي تبني مبسط للأنطولوجيا. ومثل هذا المفهوم، يزودنا بمكان نقف فيه وسط حالة من عدم اليقين التي لا تختص بالحاضر فقط بل تشمل المستقبل ربما بدرجة أكبر، فالإنسان العربي المواطن، هو حاجة ليس فقط لأنه يكتشف نوعه عملياً ونظرياً، وإنما أيضاً، لأنه ينظر إلى نفسه، على أنه النوع الحي الراهن، بوصفه كلياً، وبالتالي كائناً حراً. 

والتناقض الظاهر بين المحلية والثورية، يمكن حله فقط عن طريق التخلي عن التجريد الفلسفي الذي عبر ذلك التناقض عن نفسه من خلاله، أي بإيجاز، إضفاء الطابع الفضائي على معضلة الخصوصية. فهناك وجود لرابطة وثيقة بين الفضاء السياسي والطبيعة. ورغم ذلك، تبقى هذه الرابطة غير منظورة وتحتفظ بطبيعتها التجريدية، ويجري بناء ما تبقى من أنطولوجيا حول أفكار الخصوصية المتصلبة إلى درجة قد لا تستطيع إنتاج حتى الطبيعة بأسرها، ولا حتى رسم الطرق البديلة لإنتاج الطبيعة العربية، ولا أيضاً المحلية الضيقة التي ينشدون تحقيقها وينطلقون منها ويتذرعون بها .

ليس معنى ذلك، نفي وجود المبادئ الخصوصية في الحياة اليومية العربية، وإنما بالأحرى، طرح تساؤلات حول أهميتها. فهناك بطبيعة الحال، إحتياجات خصوصية عامة أساسية، لكن المشكلة هي أن الاعتراف بشمولية خصوصية هذه الاحتياجات الأساسية، لا تخبرنا بشيء ذي قيمة خاصة. وأن مثل تلك الاحتياجات الأساسية، ملباة بوسائل اجتماعية وسياسية شديدة التنوع. وهناك مفارقة ذات مغزى بين ما تتسم به هذه الاحتياجات من طابع يومي دنيوي، وبين الإحساس ذي الوزن، تجاه المبادئ والتحديات الكلية التي ينطوي عليها مفهوم الكائن العربي الإنساني. وبعبارة أبسط فإن مسألة أنساق الخصوصية المغلقة، يمكن كما ذهب الكثيرون، أن تكون بمثابة شرك تمويهي، إذ يتم وضع مسألة ممكنات المستقبل في تضاد مع إشكاليات الخصوصية، وهذا يشكل تقييداً لا ضرورة له.

فالدفاع عن المبادئ يتسم بالحسم الشديد، وينشأ كقرارات متحققة مترافقة مع أفعال سياسية حاسمة. وإعادة صياغة المفاهيم حول المبادئ الثورية على هذا النحو، ينطوي على كل أنواع الاحتمالات السياسية المثيرة، والتي تتعالى كثيراً على المناقشات حول الخصوصيات والمحلية الضيقة. والتي يتم التعبير عنها من خلال، إطلاق الخيال الذي يحرك المناقشات التحليلية في فضاءات الأمل. وبقدر ما، في التأملات العميقة لموقعنا العربي في هذا العالم.

ويسمح لنا تفاؤل العقل، بنقد واضح لعملية تجاهل القوة المتجددة للتمايز الفضائي. ويحث المرء على التساؤل حول :
ما إذا كانت ثمة خيالات غير منضبطة أكثر تسعى إلى التعبير عن نفسها؟
وما إذا كانت قد بقيت مكانها للحفاظ على اليوتوبيا الجدلية، بإبقاء إحدى القدمين في الحاضر؟ أم أن الخيالات قد تمت إعاقتها بفعل انغراس إحدى قدميها في الأنطولوجيا؟

2011-05-04

centre for arab unity studies




المجلة العربية للعلوم السياسية العدد 30 - ربيع 2011  (4 / 2011)
Author:  مجموعة من الباحثين Edition:  First Edition
المجلة العربية للعلوم السياسية العدد 30 - ربيع 2011 (Price: 4$) صدر العدد 30 – ربيع 2011 من المجلّة العربية للعلوم السياسيّة، وفيه:
- افتتاحية العدد للدكتور عدنان السيد حسين: مرحلة التغيير الثوري


ملف بعنوان: الأحزاب والممارسة الديمقراطية، يتضمن ثلاثة بحوث:
- الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب الجزائرية بين إرث الماضي وتحدّيات المستقبل: عبد الناصر جابي.
- أزمة الحراك الداخلي في الأحزاب الجزائرية: قراءة نقدية: بوحنية قوي.
- تأثير قوانين الأحزاب في فاعلية الأحزاب وديمقراطيتها: حالة المغرب: محمد منار.

أما الدراسات فهي:
– المقاربة الإسلامية في تحديد مفهوم الفساد: عنترة بن مرزوق.
– التآكل في العلاقات التركية – الإسرائيلية واستبعاد التغيّر الاستراتيجي: سلام الربضي.
- بريطانيا والوحدة العربية، 1945-2005: علي محافظة.
- ظاهرة الجمع بين الانتدابات الانتخابية وتجلياتها في الممارسة البرلمانية المغربية: لزعر عبد المنعم.
- كيف يمكن بناء تونس ديمقراطية: العدالة الانتقالية للماضي وبناء المؤسسات للمستقبل: رضوان زيادة

وجاء في باب آراء:

– منهج الأمير شكيب أرسلان في بناء الوحدة العربية: فايد بشير.
وفي باب كتب، مراجعة لكتاب النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان (محمد أمين الميداني): أعد المراجعة جاسم زور.

بالإضافة إلى يوميّات عربية ودولية مختارة، وببليوغرافيا مختارة
.


2011-05-02

صدر العدد6 من مجلة "مدارات استراتيجية"\مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية





صدر مؤخراً عن مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية العدد السادس من مجلة "مدارات استراتيجية". ويحتوي العدد - كما عوّدت المجلة قرائها في أعدادها السابقة - على كمٍّ وافرٍ وغنيٍّ من المقالات والتحليلات المهمة والثريّة، أُخرِجت في قالب فني مميز. 

في البداية، تطرقت "افتتاحية العدد" التي كتبها رئيس تحرير المجلة، الدكتور أحمد عبدالكريم سيف، إلى البيئة الأمنية المتغيرة التي تحيط بمنظومة الأمن في منطقة الخليج، ويرى فيها أن الترتيبات الجديدة في المنطقة تميل لغير صالح الدول العربية التي تبدو وكأنها الخاسر الأكبر. مشيراً إلى أن صانع القرار العربي بات يواجه سؤالاً صعباً وهو: كيف يمكن تقليل الخسائر عوضاً عن تعظيم المكاسب؟ ويذهب إلى أن أحد البدائل - وليس أفضلها - الدخول في ترتيبات أمنية جديدة لأمن الخليج تضم ثلاث منظمات أو هياكل: أولها، مجلس التعاون الخليجي ببعديه الإستراتيجيين اليمن والعراق. والثانية، المحور الإقليمي الثلاثي (إيران- تركيا- إسرائيل)، أما الثالثة والأخيرة فتتمثل في حلف الناتو وعلى رأسه الولايات المتحدة.
 
وقد توزّعت مقالات العدد، التي كتبها نخبة من الباحثين والكتاب اليمنيين والعرب والأجانب، في عدة أبواب موضوعية، يتقدمها تبويب "اليمن والعالم" الذي احتوى على عدة تحليلات ووجهات نظر مختلفة. وفي البداية، يُحلل محمد سيف حيدر حادثة "الطرود المُفخخة" التي تبناها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب مؤخراً وما خلفته من شظايا، ويخلص بعد تحليل مطول إلى أن ما بدا أنها "غزوة" لم تكتمل لتنظيم القاعدة الذي أخذ يستنزف طاقاته ودهائه شيئاً فشيئاً، أطبقت بظلالها القاتِمة على اليمن واليمنيين لسببٍ ليس لهم يد فيه؛ في حين تشرح السفيرة الأميركية السابقة باربرا بودين في مقال ضافٍ لماذا يجب على واشنطن إعادة التفكير في اليمن، مُقدِّمة توصيات أكثر واقعية للسياسة الأميركية تجاه هذا البلد؛ ويحاول أحمد علي الأحصب توضيح هل اليمن بحاجة للمساعدات الخارجية، وكيف يمكن إدارتها بطريقة تراعي الضرورات والإمكانات؛ في حين يعرض جرهارد ليشتنثيلر صورة أكثر قرباً لمشكلة المياه التي تواجه اليمن؛ أما جون إشياما فيبحث في سياق مقارن واقع خلفاء الأحزاب الشيوعية في كل من اليمن وأفغانستان بعد نهاية الحرب الباردة.
 
أما في زاوية وجهات نظر، فيقدم أحمد عبدالكريم سيف رؤية عملية مقترحة لإعادة التوازن لعلاقة السلطة والمجتمع في اليمن؛ وتلقي شيماء أحمد منير الضوء على ظاهرة العبودية التي كشف مؤخراً عن وجودها في بعض مناطق البلاد، مُبينة أهمية دور الدولة ومنظمات المجتمع المدني والجهات الأخرى في القضاء على هذه الظاهرة غير الإنسانية؛ بينما يقوم طارق عبدالله الحروي بمُساءلة طموحات اليمن للانضواء في مجلس التعاون الخليجي، مجادلاً بأن مساعي دوائر صنع القرار اليمني للحصول على عضوية المجلس لا تتعدى مسألة تعظيم المكاسب الاقتصادية في محاولة لرفد مسيرة البلد التنموية المنشودة، أكثر منها محاولة ذات طابع استراتيجي، هدفها فرض وجود اليمن في المعادلة الإقليمية الخليجية.
 
وقد تضمن باب "المراقب الاستراتيجي" على مقالة رئيسية أعدها الباحث خالد أحمد الرماح، تطرقت إلى واقع وتحديات انفصال جنوب السودان، والتداعيات الإقليمية المتوقعة لهذا الحدث المهم. في حين اشتمل باب "في بؤرة الاهتمام" على مقالات ثلاث: أولهما لهاني المغلس، يبحث فيها بعض جوانب العلاقة الملتبسة بين السلطة العربية والعلماء، ويثير الأكاديمي العراقي محمد الدعمي في المقالة الثانية قضية "التصحّر الحضري"، ويتساءل عن الأسباب التي جعلت البادية تهيمن على المدينة في عالمنا العربي المعاصر؛ في حين يعرض الباحث الفلسطيني محمد أبو غزله، في المقالة الثالثة، لأهم الدروس المستفادة عربياً من تجربة ماليزيا النهضوية. 
 
أما باب "جيوبوليتيك" فقد احتوى على مقالتين، أولاهما للخبير الصيني وو شينبو يشرح فيها الانعكاسات الجيوسياسية للأزمة المالية العالمية، فيما يتطرق المحلل الأميركي بيتر شولك إلى مشكلة القرصنة في منطقة القرن الأفريقي. وتضمن باب "اتجاهات عالمية" مقالات مكثفة لكل من سلام الربضي، ومراد ظافر، وعبدالغني الماوري. كما اشتمل العدد أيضاً على نقاش متعدد الوجهات ضمن "المائدة المستديرة" لهذا العدد، تناول قضية التدخل الأجنبي في المنطقة.

وإلى جانب باب "الفهرست" الذي يحتوي على مراجعات للكتب وعروض موجزة، جاء المقال الاختتامي للمجلة الذي يحمل عنوان "أفق"، وفيه خصّ وزير الخارجية الدكتور أبو بكر القربي مجلة "مدارات استراتيجية" بمقالٍ يذكر فيه بالمسئولية المشتركة التي نتحملها – كأفراد ودول - في عام جديد، من أجل مستقبل أفضل لعالمنا وللبشرية جمعاء.

2011-04-30

مداخيل العمال وسلامة المجتمع






سلام الربضي \ بيروت


لقد أدى تحرير التجارة الخارجية وإلغاء القيود على حركة أسواق المال، إلى فقدان العمل أهميته في كثير من الدول. وهذه العمليات من تسريح عمال، أو نقل وشراء، ودمج شركات، ما كانت لتحدث دون التعديلات التي أدخلت على قوانين العمل والتجارة، التي ساعدت الشركات على تحقيق أهدافها القائمة على الربحية العالية. وهذه الاستراتيجية المعتمدة، أي استراتيجية الربح المرتفع، تشكل سبباً جوهرياً في تردي الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية لقطاع العمل. 

إذ يجب الإقرار بحقيقة أن التجارة الحرة تنمو بمنأى عن سوق العمل، بل إنها تترك آثاراً سلبية على سوق العمل.


وفي سياق العلاقة بين البطالة والنمو، تبرز إشكالية معدلات النمو المرتفعة: فهل هي التي تحل مشكلة البطالة؟ أم أن فرص العمل المتزايدة، هي التي تخلق النمو؟؟ ولا بد من الإشاره أيضاً، إلى الإشكالية الأساسية في عالمنا المعاصر في إطار التنمية: إشكالية الفجوة بين الأغنياء والفقراء؟؟ أي إشكالية النمو الاقتصادي، فهل نحن في عصر الاقتصاد ومن أجل الاقتصاد وليس من أجل المجتمع؟؟

النمو الأقتصادي بمفردة، لا يمكن يؤخذ كشاهد ذي بال على مقدار العائد، الذي تتوقف عليه رفاهية المجتمع. إذ من البديهي أن تؤدي الهوّة بين دخول أصحاب المشاريع ومُلاّك الثروة من ناحية، ودخول العمال من ناحية أخرى، إلى تزايد الشكوك حول سلامة المجتمع ووحدته. ومن هذا المنطق، يمكن القول إن الاقتصاد لم يعد يعمل لمصلحة الجمهور العام، فالوقائع القائمة على مصلحة الجمهور، هي المعيار الأساسي لتقييم السياسة الاقتصادية الناجحة. فالرهان على خفض الأجور، لن يؤدي إلى أكثر من، تحجّر الوضع الاجتماعي المؤلم.

ومن الملفت للأنتباه، أنه مهما بذل من جهود لكي تكون معدلات الأجور المحلية قادرة على منافسة معدلات الأجور السائدة في الأسواق العالمية، فإن مصير تلك الجهود ليس النجاح المطلق. فعلى الرغم، من تدني مستوى الأجور في رومانيا على سبيل المثال، والذي جذب كثير من الشركات العالمية، ومنها مثلا شركة كونتينتال لإنتاج إطارات السيارات، والتي تدفع أجراً سنوي للعامل لايزيد على 4500 يورو. ومع هذا، فإن الشركة باتت تفكر في نقل الإنتاج إلى مناطق أقل أجراً، وتحديداً إلى دول لتوانيا،لاتفيا،استونيا، حيث معدلات الأجور أكثر تدني. وهذا ما تعانية الشركات في الهند، وخاصة على صعيد البرمجيات، حيث باتت روسيا الأن تعتبر ملاذا أفضل، على صعيد تكلفة الأيادي العاملة، وهكذا دواليك.

هذا التنافس على تخفيض في الأجور ينعكس على أسعار السلع، الذي يستفيد منه بشكل مباشر، المستهلك صاحب الدخل المرتفع، الذي لم يخسر شيئاً يذكر من دخله، في مقابل تخفيض تكلفة الإنتاج. في حين، أن الطبقات المتوسطة والفقيرة، سوف تخسر جزءاً من دخلها. وهي التي تكون أكثر تضرراً. فالأفراد والعمال الذين يتواجدون في أدنى السلّم الاجتماعي، هم مَن يتحمل أعباء هذا الواقع. وبهذا المعنى، فإن الطبقات الدنيا، وعلى الرغم من أن السلع الاستهلاكية قد انخفض سعرها، إلا أن معدلات الأجور لديهم، سوف تنخفض باستمرار، مما ينعكس على صافي الدخل الحقيقي سلباً.

هذا الواقع يطرح إشكالية مَن يتحمل الأعباء: رأس المال أم العمل؟ فإذا كانت العبارة الأكثر تعبيراً عن اتّساع الهوّة بين الأغنياء والفقراء هي القائلة: الأغنياء يزدادون غنى بينما الفقراء يزدادون فقراً، ولكن الآن في ظل الوقائع الحالية القائمة على تخفيض التقديمات الاجتماعية وإعطاء المزايا والإعفاءات الضريبية للشركات عبر الوطنية والأغنياء، فلم تعد هذه العبارة تكفي لتوضيح الصورة حيث من الواضح ظهور صيغة جديدة تقوم على: الأغنياء يصبحون أغنى والفقراء أفقر بمعدل أسرع. 

إذ تفاجئنا السرعة الفائقة في توفير هذه المبالغ الخيالية لحل الأزمة المالية العالمية منذ العام 2008، مقابل العسر الذي يعرف عادة في تمويل برامج متواضعة لفائدة الإنسانية. على سبيل المثال، يكفي مبلغ المليار دولار سنوياً، للقضاء على الجوع وسوء التغذية في العالم كله، وقد أقرت الأمم المتحدة، في نهاية الستينات من القرن الماضي برنامجاً لتحقيق هذا الهدف. لكنه، بقي حبراً على ورق لعدم توفر التمويلات الضرورية؟

2011-04-27

عدد جديد من "المجلة العربية للعلوم السياسية"





تصدر عن الجمعية العربية للعلوم السياسية بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية


صحيفة القدس العربي \ لندن

24 \ 4\2011

صدر في بيروت: العدد 30 ربيع 2011 من "المجلة العربية للعلوم السياسية".

ويتضمن افتتاحية العدد للدكتور عدنان السيد حسين: مرحلة التغيير الثوري، ملف بعنوان: الأحزاب والممارسة الديمقراطية، يتضمن ثلاثة بحوث: الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب الجزائرية بين إرث الماضي وتحدّيات المستقبل: عبد الناصر جابي، أزمة الحراك الداخلي في الأحزاب الجزائرية: قراءة نقدية: بوحنية قوي، تأثير قوانين الأحزاب في فاعلية الأحزاب وديمقراطيتها: حالة المغرب: محمد منار.

أما الدراسات فهي وفقا لصحيفة "القدس العربي" اللندنية: المقاربة الإسلامية في تحديد مفهوم الفساد: عنترة بن مرزوق.

التآكل في العلاقات التركية ـ الإسرائيلية واستبعاد التغيّر الاستراتيجي: سلام الربضي.

بريطانيا والوحدة العربية، 1945 ـ 2005: علي محافظة، ظاهرة الجمع بين الانتدابات الانتخابية وتجلياتها في الممارسة البرلمانية المغربية: لزعر عبد المنعم، كيف يمكن بناء تونس ديمقراطية: العدالة الانتقالية للماضي وبناء المؤسسات للمستقبل: رضوان زيادة.

وجاء في باب آراء: منهج الأمير شكيب أرسلان في بناء الوحدة العربية: فايد بشير، وفي باب كتب، مراجعة لكتاب النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان (محمد أمين الميداني): أعد المراجعة جاسم زور، بالإضافة الى يوميات عربية ودولية مختارة، وببليوغرافيا مختارة.

2011-04-22

مشروع القرن الإستراتيجي





http://aljazeeratalk.net/forum/showthread.php?p=3842223


قال سلام الربضي :


العديد من المعطيات تؤكد استمرار العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل وتركيا. منها الإعلان عن مشروع تركي- إسرائيلي مشترك لمد أنابيب نفط وغاز إلى الهند، من بحر قزوين مروراً بمرفأي جيهان التركي وإيلات الإسرائيلي.

كذلك هنالك خطط وضعت موضع التنفيذ أهمها مشروع القرن الإستراتيجي، الذي تشكّل تركيا محوره الأساسي Med Stream Project الذي تفوق كلفتة 12 مليار دولار، والذي يربط البحور الأربعة قزوين والأسود والمتوسط والأحمر، ويساعد على ربط منطقة آسيا الوسطى بالشرق الأوسط، ضمن رؤية تركيّة لدور محوري في مشروع طاقة أكبر، يمتد من الصين شرقاً إلى أوروبا غرباً، ومن تركيا شمالاً إلى الهند جنوباً، التي انضمت إلى المشروع في نهاية 2008.

ويتضمن من ضمن ما يتضمن أنابيب لنقل النفط والغاز والماء والكهرباء والألياف الضوئية من تركيا إلى إسرائيل .






2011-04-17

اصدارات






صحيفة المستقبل اللبنانية \ بيروت
السبت 16 نيسان 2011 
- العدد 3971 - صفحة 20

صدر العدد 30 ربيع 2011 من المجلة العربية للعلوم السياسية، وفيه ملف بعنوان: "الأحزاب والممارسة الديمقراطية، يتضمن ثلاثة بحوث: "الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب الجزائرية بين إرث الماضي وتحديات المستقبل" لعبد الناصر جابي. و"أزمة الحراك الداخلي في الأحزاب الجزائرية: قراءة نقدية": لبو حنية قوي. و"تأثير قوانين الأحزاب في فاعلية الأحزاب وديمقراطيتها: حالة المغرب": لمحمد منار.
أما الدراسات فهي:
"المقاربة الاسلامية في تحديد مفهوم الفساد":عنترة بن مرزوق، 


"التأكل في العلاقات التركية الإسرائيلية واستبعاد التغير الاستراتيجي سلام الربضي

بريطانيا والوحدة العربية، 1945 2005، علي محافظة. "ظاهرة الجمع بين الانتدابات الانتخابية وتجلياتها في الممارسة البرلمانية المغربية": لزعر عبد المنعم. و"كيف يمكن بناء تونس ديمقراطية: العدالة الانتقالية للماضي وبناء المؤسسات للمستقبل"لرضوان زيادة.
وجاء في باب آراء: "منهج الأمير شكيب أرسلان في بناء الوحدة العربية" لفايد بشير. وفي باب كتب، مراجعة لكتاب النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان (محمد أمين الميداني): أعدّ المراجعة جاسم زور. إضافة إلى يوميات عربية ودولية مختارة، وببليوغرافيا مختارة.

المجلة العربية للعلوم السياسية (العدد 30)




صحيفة اللواء اللبنانية \ بيروت 

غلاف العدد
16 نيسان 2011 الموافق 12 جمادى الأولى 1432 هـ

صدر العدد 30 \2011 من المجلة العربية للعلوم السياسية، وفيه:

 

-افتتاحية العدد للدكتور عدنان السيد حسين: مرحلة التغيير الثوري·
 
ملف بعنوان: الأحزاب والممارسة الديمقراطية، يتضمن ثلاثة بحوث:
- الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب الجزائرية بين إرث الماضي وتحديات المستقبل: عبد الناصر جابي·
- أزمة الحراك الداخلي في الأحزاب الجزائرية: قراءة نقدية: بوحنية قوي·
- تأثير قوانين الأحزاب في فاعلية الأحزاب وديمقراطيتها: حالة المغرب:محمد منار·

 

أما الدراسات فهي:

- المقاربة الإسلامية في تحديد مفهوم الفساد: عنترة بن مرزوق·

- التآكل في العلاقات التركية - الإسرائيلية واستبعاد التغيّر الاستراتيجي:سلام الربضي·
- بريطانيا والوحدة العربية، 1945-2005: علي محافظة·
- ظاهرة الجمع بين الانتدابات الانتخابية وتجلياتها في الممارسة البرلمانية المغربية: لزعر عبد المنعم·
- كيف يمكن بناء تونس ديمقراطية: العدالة الانتقالية للماضي وبناء المؤسسات للمستقبل: رضوان زيادة·
وجاء في باب آراء:
- منهج الأمير شكيب أرسلان في بناء الوحدة العربية: فايد بشير·
وفي باب كتب، مراجعة لكتاب النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان (محمد أمين الميداني): أعد المراجعة جاسم زور·
بالإضافة إلى يوميّات عربية ودولية مختارة، وببليوغرافيا مختارة·



2011-04-13

الدول النامية وأبعاد الاستثمارات الأجنبية المباشرة





سلام الربضي


باحث ومؤلف في العلاقات الدولية 


صحيفة السبيل الأردنية 

الإثنين, 28 آذار 2011

في ضوء الكشف عن الثروات الطائلة لبعض زعماء وقيادات الدول النامية والإشكاليات المطروحة في نطاق دراسة العلاقة بين الدول النامية والاستثمارالت الأجنبية المباشرة من الخطأ أن يصبح جذب تلك الاستثمارات الأجنبية المباشرة هدف بحد ذاته، بل من الحكمة أن تسخّر الدول النامية إمكانياتها للاستفادة من تلك الاستثمارات في إطار سياسات التنمية الشامل. ولكن لا يمكن تحديد السياسات العامة الأكثر فعالية لتحقيق تلك الاستفادة بشكل مطلق، بل من الضروري استخلاص العبر من تجارب بعض الدول في هذا الصدد مع الأخذ بعين الاعتبار توخي الحذر عند التطبيق، من منطلق أن لكل بلد إطاراً اقتصادياً وتاريخياً وجغرافياً وثقافياً وسياسياً يختلف عن الآخر. 

في سياق هذه الإشكاليات يمكن مقاربة الموضوع من خلال ثلاثة محاور:
 

أولاً: الدول النامية والقدرات التنافسية التصديرية
 

يترتب على زيادة القدرة التنافسية التصديرية الناتجة عن الاستثمار الأجنبي المباشر آثار هامة، والبلدان التي حققت أكبر المكاسب من حيث الحصص السوقية هي بصورة رئيسية بلدان نامية. وأصبحت تلك البلدان تنتمي بفضل ما اكتسبته مؤخراً من حصص سوقية إلى البلدان الـ20 الأكثر تصديراً في العالم. كذلك توجد 5 شركات مقارها في اقتصاديات نامية تحتل مكانة في قائمة أكبر 100 شركة في العالم. أي إن هنالك تغيّرات هائلة قد أخذت تحدث في تكوين التجارة العالمية. ويمكن اعتبار ذلك من المؤشرات التي تبعث على الأمل، وهناك إمكانية للتقدم في حال تم استغلال الظروف والإمكانيات استغلالاً جيداً.
 
احتدام المنافسة يجبر الشركات عبر الوطنية على البحث عن سبل جديدة لزيادة كفاءتها وإمكانياتها، بما في ذلك عن طريق توسيع نطاق وصولها إلى المستوى العالمي، والوصول إلى أسواق جديدة في مرحلة مبكرة وتحويل بعض الأنشطة الإنتاجية من أجل تخفيض التكاليف. وهذا يؤدي إلى اتخاذ أشكال جديدة للإنتاج على مستوى ترتيبات الملكية وترتيبات تعاقدية جديدة. كما أن سياسة الدول الرائجة في عصرنا الحالي من فتح الأسواق المالية والسماح بجميع أنواع الاستثمارات الأجنبية، تساعد الشركات على زيادة استثماراتها في الخارج. بحيث أتاحت استراتيجية الشركات وتغيير النظم الإنتاجية العالمية إمكانات جديدة للبلدان النامية للانخراط في نظم الإنتاج العالمية.
 
ويلاحظ أن الكثير من البلدان التي حققت تقدماً في الأسواق التصديرية كانت معتمدة اعتماداً كبيرا ًعلى الاستثمار المباشر. وهناك بعض الميّزات النسبية التي تتمتع بها تلك البلدان تلعب دوراً في استقطاب الاستثمار الأجنبي، فمثلاً تتميّز الصين بحجم اقتصادها، أما كوستاريكا وإيرلندا فتتميّزان باتباع سياسات وطنية قائمة على نهج استباقي لاجتذاب الاستثمار الأجنبي في مجال التكنولوجيا الرفيعة المستوى والارتباط بشبكات الموردين الدولية. أما هنغاريا والمكسيك وإيرلندا تتميّز بإمكانية وصولها إلى أسواق رئيسية وبشروط تفضيلية، فمثلاً ميزة المكسيك هي إمكانية التصدير إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفقاً لاتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، ما يجعل المجال كبيراً أمام الدول التي تفرض عليها الولايات المتحدة شروطاً في تجاراتها مثل أن تدخل إلى السوق الأمريكية عن طريق المكسيك وهذا ما تفعله اليابان. وذلك أيضاً ما يحدث في هنغاريا وإيرلندا اللتين كانت تتميزان بحصولهما على شروط تفضيلية في الأسواق الأوروبية، ما جعلهما محط أنظار الكثير من الشركات.
 
عملية اجتذاب أنشطة الشركات الموجهة للتصدير عملية تنافسية إلى حد كبير. والدول المتقدمة قد تجد صعوبة في إدامة قدراتها التنافسية عندما ترتفع الأجور وتتغير الأوضاع في الأسواق. وهذا ينطبق أيضاً على الدول النامية، فالهند التي استطاعت من خلال مجموعة من المميزات ومنها الأجور المنخفضة أن تكون مصدر جذب من الطراز الأول للشركات عبر الوطنية. ولكن فيما بعد ونتيجة ارتفاع الأجور فيها جعلها تتراجع لتصبح روسيا –محط الانظار– صاحبة الأجور المنخفضة أكثر من الهند.
 
فالفوائد المستمدة من التجارة المرتبطة بالشركات بدءاً بتحسين الميزان التجاري وتحسين العمليات التصديرية وإدامتها، تساعد على زيادة الصادرات. ولكن في المقابل فإن الشركات الأجنبية تستورد وقد تكون حصائل النقد الصافي بين التصدير والاستيراد صغيرة في بعض الحالات. وقد تكون قيمة الصادرات مرتفعة، ولكن مع تدني مستويات القيمة المضافة تصبح العملية مستقبلياً تحمل في طياتها مخاطر ذات نتائج سلبية.
 
إذ لا يمكن اعتبار المكاسب الإنمائية الناتجة عن ازدياد الصادرات نتيجة الاستثمار الأجنبي أمراً مسلّماً به، كما أن مسألة الفوائد المستمدة من التجارة المرتبطة بالشركات وتمتع تلك الاستثمارات بالديمومة والاستقرار مقولة قابلة للنقاش. ومن الخطأ أن يصبح جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة هدفا بحد ذاته، بل من الحكمة أن تسخّر الدول النامية إمكانياتها للاستفادة من تلك الاستثمارات في إطار سياسات التنمية الشاملة، وفي كثير من الأحيان تتحمل الدول النامية مسؤولية فشل الاستثمارات في تحقيق نهضة اقتصادية نتيجة غياب التخطيط والسياسات العامة.
 
فالمسألة ليست في اجتذاب الاستثمارات بقدر ما هي كيف يمكن للبلدان النامية المضيفة أن تستفيد إلى أقصى حد ممكن من الأصول التي تتحكم بها الشركات؟
 
والأمر يعتمد على الاستراتيجيات التي تتبعها الشركات من جهة، وعلى ما يقابلها من قدرات السياسات العامة في البلد المضيف. إذ إن عدداً من المنافع المستمدة على المدى الطويل والتي يمكن عزوها إلى الشركات الأجنبية العاملة في التصدير قد لا تتحقق في البلد المضيف، بحيث من الممكن عدم قيام انخراط بين الشركات الأجنبية والاقتصاد المحلي، وبالتالي عدم قيام الشركات بتنمية المزايا النسبية الدينامية للبلدان المضيفة.
 
فهناك أولويات مشتركة بين البلدان سواء كانت غنية أم فقيرة أهمها تحسين الصادرات وإدامتها لكي تسهم في التنمية إسهاماً كبيراً. ويجب على البلدان النامية النظر في كيفية التحول في أي صناعة من الصناعات إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، وهنا يكمن التحدي في كيفية الاستفادة من إمكانيات الشركات لتحقيق التنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق يجب أن تكون عملية اجتذاب أنشطة الشركات الموجهة نحو التصدير، تندرج على نحو راسخ في استراتيجية إنمائية وطنية واسعة النطاق، ولا بد من توافر السياسات المتناسقة التي تأخذ بعين الاعتبار أن لتلك الاستثمارات فوائد، إلا أنها تنطوي على تحديات وينبغي النظر إليها باعتبارها وسيلة لتحقيق غاية معينة وهي التنمية.
 

ثانياً: الدول النامية وجغرافية الاستثمار الأجنبي المباشر
 

قد يكون ظهور مصادر جديدة للاستثمار الأجنبي من الدول النامية ذا أهمية خاصة بالنسبة للبلدان النامية المضيفة لتلك الاستثمارات ذات الدخل المنخفض. وشركات اقتصادات الدول النامية هي الآن مستثمرة هامة في العديد من أقل البلدان نمواً. ومن تلك البلدان التي تعتمد أشد الاعتماد على الاستثمار الأجنبي المباشر من الاقتصادات النامية: بارغواي، الصين، تايلند، قيرغيزستان، وأيضاً البلدان الأقل نمواً في العالم وهي أثيوبيا وبنغلادش، تنزانيا، ميانمار. ومجمل الاستثمارات الأجنبية بين الدول النامية تتسم بطابع الاستثمارات داخل المنطقة. فمجموع الاستثمار الأجنبي الوارد إلى عدد من أقل البلدان نمواً من قبل الدول النامية يشكل ما يزيد على 40 في المئة من مجموع الاستثمار الوارد لتلك الدول. وحتى عام 1990 لم تكن سوى 19 شركة عبر وطنية من الاقتصادات النامية والانتقالية مدرجة في تصنيف مجلة "FORTANE 500" وما لبث أن ارتفع العدد بحلول 2010 إلى47 شركة.

والشركات الخمس عبر الوطنية من الدول النامية المدرجة على القائمة 100 شركة الرائدة في العالم مقراتها في آسيا وثلاث منها تملكها الدول وهذه الشركات هي :

1- هونغ كونغ Hutchison WhampoaSingtel 2- ماليزيا Petronas
3- سنغافورة

4- كوريا Samsung
5- الصين Citicgroup.
 
يمكن ملاحظة درجة عالية نسبياً من ملكية الدولة في كبرى الشركات عبر الوطنية من الاقتصادات النامية. وكثير من الشركات الرئيسية التي تملكها الدول قد أخذت تتوسع في الخارج على نحو متزايد خاصة في بعض الصناعات ولا سيما المتعلقة بالموارد الطبيعية، كقيام شركة آرامكو السعودية بشراء حصة بنسبة 25 في المئة من مصنع تكرير النفط في فوجيان الصين، وشراء شركة اتصالات الكويت المتنقلة لشركة سيلتيل انترناشيونل الهولندية أو قيام شركة موانئ دبي العالمية بشراء شركة بي أند أو P&O البريطانية. والشركات عبر الوطنية من البلدان النامية والانتقالية الآن تتنافس نداً لند مع نظيرتها من البلدان المتقدمة في كثير من القطاعات النفط، الغاز، الصناعات التحويلية كالفلزات، الصلب، التعدين. وأيضاً الشركات عبر الوطنية من الدول النامية أصبح لها باع كبير في مجال الصناعات المختلفة كصناعة السيارات والأدوات الكهربائية، الالكترونية، قطاع الخدمات التكنولوجية.
 
كما أن نصف الشركات البترولية الخمسين الكبرى في العالم هي مملوكة لحكوماتها إما بشكل كامل أو بنسبة الأغلبية ومعظمها في الدول النامية. وتصنيف شركات النفط وفقاً لمعايير محددة يؤكد أن هناك 5 شركات من أصل 10 شركات كبرى في صناعة النفط هي شركات بترول وطنية لكل من السعودية، المكسيك، فنزويلا، إيران. وتقوم بعض الدول النامية بالاستثمار في الخارج أكثر مما تفعله بعض البلدان المتقدمة إذا قيس ذلك كنسبة من تكوين رأس المال الثابت الإجمالي، سنغافورة مثال على ذلك 36 في المئة، تشيلي 7 في المئة، ماليزيا 5 في المئة بالمقارنة مع الولايات المتحدة 7 في المئة، وألمانيا 4 في المئة، واليابان 3 في المئة.
 
فإذن هل نحن اليوم أمام جغرافيا جديدة لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على نحو قد يكمل الجغرافيا الجديدة للتجارة؟ 

وإذا كانت نسبة كبيرة من استثمارات الشركات عبر الوطنية من البلدان النامية تدخل في إطار الموارد الأولية فهل نحن أمام معادلة جديدة وهي حالة من التبعية المتبادلة، فتطلب الدول المتقدمه المواد الأولية من الدول النامية، مقابل ما تطلبه البلدان النامية من البلدان المتقدمة من السلع المصنعة والتكنولوجيا؟
 
ومن المتغيرات الملفتة للانتباه في الاستثمار الأجنبي المباشر، ظاهرة تدويل البحث والتطوير من جانب الشركات عبر الوطنية، وأصبح هناك توّجه الآن يظهر عدداً من السمات الجديدة في عملية التدويل وبصورة خاصة على صعيد أنشطة البحث والتطوير. فالشركات لأول مرة تقوم بإنشاء مرافق للبحث والتطوير خارج البلدان المتقدمة، وتذهب إلى أبعد من مجرد التكيّف مع الأسواق المحلية. فالنشاط في بعض البلدان النامية وبلدان جنوب شرق أوروبا وكومنولث الدول المستقلة، يستهدف على نحو متزايد الأسواق العالمية ويجري إدماجه في الجهود الابتكارية الأساسية التي تقوم بها هذه الشركات.
 
وعملية تدويل أنشطة البحث والتطوير في البلدان النامية هي أمر يمكن توقعه، وفي ظل زيادة الشركات لنشاطها في الدول النامية، يمكن توقع أن يلي ذلك قدر من البحث والتطوير من منطلق التكيّف. ونشاط البحث والتطوير يعد شكلاً من أشكال أنشطة الخدمات، فهو يتجزأ، ويمكن إجراء أجزاء معينة منه في الأماكن التي يمكن أداؤها فيه بأعلى كفاءة، وهذا ما تقوم به على سبيل المثال شركة موتورلا للبحث والتطوير في الصين، مركز تويوتا التقني في تايلند, مركز البحوث العالمي السادس لشركة مايكروسوف في الهند.
 
للإفادة من اقتصاد عالمي معولم ومترابط على نحو متزايد، يتعين على البلدان أن تعزز قدراتها على عرض خدمات تنافسية، وأهم إسهام للاستثمار هو جلب رأس المال والمهارات والتكنولوجيا، التي تحتاج البلدان إليها لإقامة صناعات ذات قدرة على المنافسة. وينبغي معالجة قضايا الاستثمار المباشر حسب ما تقتضيه الخصوصية، وليس على أساس مفاهيم مستعارة من نماذج أكثر تقدماً. وإن تقديم الضمانات القانونية، وتحرير الأسواق قد تحتوي وتنطوي على مخاطر. لكن إعادة ترتيب جذرية الأولويات الوطنية للبلدان وتخصيص الموارد وفقاً لزيادة الاستثمار، والعمل على تحسين ظروف الهياكل الاجتماعية على أساس الكفاءة والجدارة، قد يشكلان ميزتين أكثر ملاءمة وفعالية.
 
ويجب الحذر عند اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر، فالاستثمارات في بعض القطاعات كقطاع الخدمات، قد تكون احتكارات طبيعية كالمرافق العامة، وتكون عرضة لإساءة استعمال القوة السوقية، سواء كانت الشركات محلية أو أجنبية. من هذا المنطلق على البلدان ان تقيم توازناً بين الكفاءة الاقتصادية والأهداف الإنمائية الأوسع نطاقاً، ومحاولة إيجاد توازن بين المحافظة على تطوير واردات الدولة وبين تشجيع الاستثمار والاستفادة منه.
 

ثالثاً : الدول النامية والاستثمار المباشر وإشكالية الأولوية في التغيير
 

إن عملية جذب الدول للشركات للاستثمار المباشر، تختلف من الدول الغنية إلى الدول النامية، حيث تعمل الدول المتقدمة على تقديم ما يعرف بالهبات المباشرة في كثير من الأحيان. بينما تلجأ الدول الفقيرة إلى حوافز تخفيض الضرائب. كما أن هنالك ترتيبات تفضيلية، مثل اتفاقيات الاتحاد الأوروبي مع كثير من الدول والتي تعرف باسم اتفاقيات الشراكة، وكذلك مبادرة الولايات المتحدة لحوض البحر الكاريبي. وأيضاً قانون النمو والفرص في افريقيا الصادر عن الولايات المتحدة. ولكن يجب النظر دائماً إلى مثل تلك الترتيبات على أساس أنها منفذاً مؤقتاً وليس دائماً.
 
التحدي الأكبر يكمن في إمكانية تحقيق تلك الحوافز الفوائد المرجوة؟ وهل يؤدي ذلك إلى خطر إنفاق الأموال العامة؟ وهل هناك خطر من مدى القدرة على ضمان بقاء تلك الشركات في البلد المضيف؟ ومن يضمن بقاءها في حال انتهاء الحوافز أو توقفها؟ أو في حال لم يعد بإمكان الشركات الاستفادة من الترتيبات أو التفضيلات الممنوحه للدول من أجل تشجيعها؟
 
ومن الممكن استغلال منافع الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تضطلع به الشركات عبر الوطنية استغلالاً أكبر، فلقد بدأت التكنولوجيا تتغير، والعمليات والوظائف قابلة للتجزئة بصورة متزايدة، والحدود الفاصلة بين ما هو داخلي وما هو خارجي للمؤسسات تتبدل. والتحدي الذي تواجهة البلدان التي ترغب بالتطور والتقدم هو كيفية الاستفادة من تلك الشركات استفادة أكبر، وهنا تظهر أهمية السياسات العامة المعتمده من قبل تلك الدول.
 
ومقدار النجاح الذي يحققه البلد المضيف للاستثمارات أصبح يعتمد على قدرة البلد على تطوير القدرات المحلية، والدول الأكثر نجاحاً في مجال استقطاب الشركات عبر الوطنية هي التي لجأت إلى اتباع نهج ثنائي يستند إلى تنمية القدرات المحلية مع استهداف الموارد والأصول للشركات. والصين تعد من أكثر الدول المعتمدة على هذا النهج في استراتيجيتها لجذب استثمارات الشركات عبر الوطنية. ومن عناصر هذا النهج:
 
- توافق ما هو مستهدف في تشجيع الاستثمار مع الاستراتيجات الإنمائية والصناعية الأوسع نطاقاً للبلد المعني.
 
- توفير رزمة من الحوافز بطريقة مركزة لتشجيع الشركات عبر الوطنية على الاستثمار في الأنشطة الرئيسية.
 
- إشراك الشركات المنتسبة في تطوير لمستوى المهني والتكنولوجي للموارد البشرية.
 
- بنية رفيعة المستوى من قبيل مناطق التجهيز والمجمعات العلمية والمدن الصناعية بالإضافة إلى المناطق الحرة.
 
- توفير الدعم الهادف للشركات المحلية للانخراط في العملية الإنتاجية من خلال إدماجها مع الشركات وإعطائها زمام المبادرة في التصدير.
 
إن قدرة الدول النامية على الاستفادة من الفرص الجديدة الناشئة عن التنافس بين الشركات يعتمد إلى حد كبير على ما تتخذه بنفسها من إجراءات بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى ما تقدمه الدول المتقدمة من مساعدات سواء على صعيد تطوير القدرات المؤسسية، أو إزالة الحواجز أمام صادرات البلدان النامية، خاصة في ظل بيئة تنافسية عالمية تزداد حدة. كذلك من الضروري طرح دور منظمة التجارة العالمية، الذي من الممكن أن تلعبه لتشجيع الدول النامية على التصدير، والحد من سياسات الحماية المتبعة من قبل الدول الصناعية، كسياسات الدعم والإعانات المتخصصة، والتدابير الوقائية التي تقوّض فعلاً الفرص المتاحة أمام البلدان النامية لاستغلال ميزتها النسبية على أتم وجه.
 
ولكن الخوف لا زال مشروعاً فيما يتعلق بالمنافسة المحتدمة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية بين الدول التي قد تؤدي إلى سباق نحو الحضيض من حيث المعايير الاجتماعية والبيئية، وسباق نحو القمة من حيث الحوافز. فالتفاوت في الموارد المتاحة بين الدول الغنية والدول الفقيرة يضع الآخيرة في موضع ضعف. فالكثير من الأفكار والنظريات تعتبر أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتمثلة بالشركات هي من سلبت خيرات وإمكانيات الدول النامية وأنها تبحث فقط عن مصالحها الخاصة، وجعلت الدولة النامية أكثر تبعية لها.
 
لكن في هذا السياق لا بد من التساؤل عن بعض التطورات الحاصلة في هذا الإطار:
 
هل كان بإمكان الصين الدولة العملاقة ودول أخرى كالهند وكوريا الجنوبية وإيرلندا تحقيق ما حققته في المجال الاقتصادي دون هذه الاستثمارات؟
 
وإذا كانت الدول النامية تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية فما هي طرق العلاج؟
 
وإذا كانت محصلة الأوضاع في كثير من الدول النامية سيئة جدا، فالحصول على شيء أليس أفضل من لا شيء؟
 
فمصر لا تملك أية قدرة على مستوى صناعة السيارات، والآن تمتلك مصانع لتجميع سيارات "BMW" وما نتج عن ذلك من انعكاسات على مستوى التصدير، وخلق فرص عمل واكتساب خبرات ومهارات في مجال صناعة السيارات. فهل كانت تستطيع مصر أن تكون قادرة على فعل شيء من ذلك دون الاستثمار المباشر الأجنبي لشركة "BMW"؟
 
بغضّ النظر عن مصالح الشركات عبر الوطنية، وفي حال تمت مقاربة أبعاد الاستثمار المباشر من زاوية البعد السياسي وما يتركه من آثار هيمنة وسيطرة على اقتصاد الدول النامية، وما يرافقه من تأثير على القرار السياسي لتلك الدول، لا بد من تحديد أولويات التغيير إذا كانت نسبة الاستثمارات الأجنبية والصافية أي مجموع هذه التدفقات إلى البلدان النامية لا تتعدى حوالى 5 في المئة من التاتج المحلي الإجمالي لها، وبالمقابل إذا علمنا أن نسبة الفساد الإداري تبلغ من إجمالي الناتج المحلي للدول النامية ما نسبته 5 في المئة وفقاً لتقارير الأمم المتحدة؟ وعندما تتكشف حقائق ثروات الزعماء العرب؟ ألا تطرح هذه المقاربة إشكالية الأولوية في التغيير والإصلاح؟
 
 

For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com