2011-02-06

إشكالية مشروع إسرائيل الجديدة أي إسرائيل اليهودية






سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية [1].

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات \ بيروت

لم يكن من قبيل الصدفة مصادقة الحكومة الإسرائيلية على الأقتراح الخاص الذي قدمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتعديل قانون الجنسية، الذي ينص على الزام كل من يريد الحصول على الجنسية بأعلان ولائه لدولة إسرائيل بصفتها يهودية. إذ في هذا الإطار جاء الإلحاح الإسرائيلي بأعتراف العرب بيهودية الدولة العبرية كشرط أساسي لأي عملية تفاوض أو حل نهائي منذ مؤتمر انابوليس2007. وهذا الإلحاح الإسرائيلي يعبر في العمق عن ارتفاع منسوب الهواجس والقلق الوجودي الذي بدأ يطفو على السطح الإسرائيلي تحت وطأة المتغيرات العاصفة التي تشهدها إسرائيل. فالمصالح الإستراتيجيّة أصبحت قائمة على مشروع سياسي وأمني جديد قوامه تبني خيار الدّيمغرافيا بدل الخيار الجغرافي. والاهتمام الإسرائيلي بالديمغرافيا يأتي من شعور مستبطن لدى اليهودي بأنّّه في المنطقة أقليّة رغم تفوّقه، وأنّه نقطة في بحر رغم قدرته.

فعندما يبلغ كيان ما خمسين سنة فلا بد أنه عرف ما هو، ولكن ليس ذلك شأن إسرائيل فما هي دولة إسرائيل؟هل هي دولة الشعب اليهودي كما يعرفها قانون إسرائيل؟ وما تعني الدولة اليهودية؟ ومن هم الإسرائليون؟ وكيف يمكن لدولة كل خمسة من مواطنيها تضم فرداً غير يهودي أن تكون يهودية؟  فهل حقاً يجوز لها أن تعد نفسها يهودية ؟ وما سيكون علية جوهر العلاقات بين الشعبين القاطنين فيها ؟    

المسألة الدّيمغرافيّة تدخل الآن في أولويّات إستراتيجيّة الأمن القومي الإسرائيلي، فالضعف الديمغرافي يبقى الهاجس الاستراتيجي الأوّل لإسرائيل. إذ يتمّ التحرّك ديمغرافياً بين البحر والنهر في إطار ما تراه إسرائيل تسوية مع الفلسطينيين أو إدارة للصراع معهم . ومن هنا فليس صدفة أن تبدي إسرائيل استعداداً للبحث في مسألة اللاجئين من زاوية التعويض المالي وذلك ليس من شعور مفاجئ بالمسؤوليّة التاريخيّة عن تهجيرهم، بل رغبة في اتقاء شرّ هذا الملف الدّيمغرافي. إذ في هذا الإطار يأتي التصريح الشهير لوزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان حول أن المفاوضات مع الفلسطينيين يجب أن تجري على أساس "تبادل للأراضي والسكان". معتبراً أن رفض السلطة الفلسطينية الأعتراف بإسرائيل دولة للشعب اليهودي يجب أن يقود إلى وضع قضية العرب الذين يحملون هوية إسرائيلية على طاولة المفاوضات، اشارة إلى عرب 48.

المبحث الأول : الهاجس الديمغرافي يدخل في صميم وعي إسرائيل الكياني.

المأزق الديمغرافي والسياسي البعيد الأمد على كامل المستقبل القومي لإسرائيل وهويتها بوصفها الدولة الواحدة للأمة اليهودية، هو الذي يربك بجلاء كل التوجهات الاستراتيجية الإسرائيلية بخصوص عملية السلام الجارية واّفاقها. ويتضح أن القرار الحاسم الأول الذي يتعين على صناع القرار الاستراتيجي في إسرائيل اتخاذه يتمثل في الإجابة عن السؤال التالي :

ما مغزى أن تكون الدولة يهودية بينما قد يصبح 35% من سكانها من غير اليهود؟   

فعدد العرب يفوق 300مليون نسمة مقابل7.6ملايين يهودي يقطنون فلسطين، فميزان القوى الديمغرافي يميل بقوة ضد إسرائيل، وهذا الواقع سوف ينعكس آجلاً أم عاجلاً على موازين القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية بين الطرفين[2]. ويضاعف هذا القلق الوجودي شعور الإسرائيليين بأن جيش الدفاع ، لم يعد قادراً على مواجهة هذه التحديات بكفاءة عالية. هذا ما اثبتتة على الأقل حروب إسرائيل الأخيرة على لبنان وغزة، فحرب غزة لم تكن تهدف فقط إلى القضاء على حماس بقدر ما كانت تهدف إلى استرجاع قوة الردع الإسرائيلي واسترداد الهيبة العسكرية التي فقدتها إسرائيل في جنوب لبنان [3]
وبالمعيار الديمغرافي الذي بقى واحداً من أهم المعايير في تقرير مستقبل ومصير إسرائيل في المنطقة، فإن إسرائيل بدت في أعين مؤسسيها يوم نشأت في الحركة الصهيونية آواخر القرن التاسع عشر مشروعاً قابلاً للحياة. فلقد دعت الحركة الصهيونية في ذلك الوقت يهود الشتات إلى العودة إلى أرض الميعاد وسواء كانت أرض الميعاد فلسطين أو المشرق العربي فإن المشروع الإسرائيلي اتسم بالمعايير الديمغرافية بشيء من الواقعية انذاك[4]
واهتمام قادة إسرائيل بموضوع يهودية الدولة العبرية قديم فقانون العودة الصادر عام1950 نص على أن من "حق كل يهودي أن يهاجر إلى البلاد" وأن "اليهودي هو من ولد لأم يهودية أو تهود وهو ليس تابعاً لديانة أخرى"، بالإضافة إلى القانون الصادر عام1992 حول "كرامة الإنسان وحريته" يورد أن هدف هذا القانون الأساس هو الدفاع عن كرامة الإنسان وحريته من أجل تثبيت قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية[5] . إذ في إسرائيل، ليس كل إسرائيلي جزءاً من الأمّة اليهوديّة. فالدين اليهودي هو وحده الذي يعطي جواز المرور إلى الأمّة ومن هنا يمكن فهم غياب الأمّة الإسرائيليّة في الذهن اليهودي لصالح مفهوم الأمّة اليهوديّة، فإسرائيل هي دولة اليهود فقط، وإنّ غياب الدستور في إسرائيل ما هو إلا تعبير عن إشكاليّة الوجود التي تعاني منها إسرائيل [6]

كما أن معظم قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية والنقاشات البرلمانية، وحتى المفاوضات التي تجريها إسرائيل مع السلطة الفلسطينية في شأن القطاع والضفة تأخذ المنحى نفسه[7]. وأيضاً قانون حرية العمل الصادر عام 1992 الذي جاء فيه "أن هدف هذا القانون هو الدفاع عن حرية اختيار العمل ومن أجل تثبيت قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية". وعقدة الخوف الديمغرافي هذه هي من احدى الأسباب الرئيسيّة للكثير من السّياسات والحروب الإسرائيليّة [8].
 ولا بدّ من الإشارة إلى أن إسرائيل تعرّف نفسها كدولة يهودية وهي ملك لأشخاص تعرفهم السلطات الإسرائيلية كيهود وبغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه. فالمعضلة الأساسية الأولى التي تواجهها إسرائيل منذ انتصاراتها السريعة والمفاجئة في حرب 67 تتمثل في إيجاد الصيغ العلمية الكفيلة بالاحتفاظ بالأراضي المحتلة، ودمجها في فضائها السيادي لغايات أمنية وإستراتيجية ودينية، مع تفادي المخاطر الجسيمة المنجرة عن منح المواطنة لسكانها[9].وتتوسّع يهوديّة الدولة على حساب المساحات الديمقراطيّة حيث تمنح الامتيازات والحقوق والمواطنيّة لليهود دون غيرهم من السكان، لا سيّما الفلسطينيين. وفي هذا الإطار جاء مصادقة الحكومة الإسرائيلية على القانون الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول تعديل قانون الجنسية. في تشرين الأول 2010 [10].

وفي نفس السياق يأتي ما يجري تداوله في إسرائيل وما يتمّ تقديمه ونقاشه داخل الكنيست الإسرائيلي، حول منح الحقوق السّياسيّة من الترشيح والانتخاب فقط للمواطنين الذين يؤدّون الخدمة العسكريّة أو خدمة بديلة لها، أو من خلال اتباع سياسة تنمويّة داخل إسرائيل قائمة على تهميش عرب 48 وزيادة الضغوط الاقتصادية عليهم لوضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما : امّا القبول بحق الإقامة دون الحقوق السّياسيّة أو الهجرة من إسرائيل [11].
وتكمن خطورة الطروحات الإسرائيليّة في حال تبنت الإدارة الأمريكية الحالية هذه الطروحات كما تبنّّّتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن. وكان ذلك واضحاًًً من خلال رسالة التطمينات التي قدّمها لرئيس الوزراء الإسرائيلي السّابق شارون في عام 2004 أو من خلال تصريحاته أثناء زيارته لإسرائيل في أوائل 2008 [12].وممّا يؤكّد هذا التّوجّه العودة إلى محادثات كامب دايفد في تموز2000 حيث خلق الرّئيس الأميركي بيل كلينتون آنذاك ربطاً مباشراً، بين حقوق اللاجئين الفلسطينيين وحقوق اللاجئين اليهود الذين اضطرّوا إلى مغادرة دول عربية.

إذ أصبحت يهودية إسرائيل مسألة دولية منذُ أن تبنت الولايات المتحدة ذلك على لسان الرئيس جورج بوش الابن في مؤتمر العقبة في 4 حزيران 2003 حيث صرح : "اليوم أميركا ملتزمة بقوة بأمن إسرائيل كدولة يهودية مفعمة بالحيوية" [13] . وعلى الرغم من بروز اتجاه أمريكى داعي إلى وضع مسافة بين أميركا وإسرائيل حفاظاً على المصالح الأمريكية، ولكن ذلك قد يكون أصعب ملف وآخر ملف يمكن لإدارة أمريكية أن تفعل فيه شيئاً، فلا تزال الغلبة لفكرة التحالف الإستراتيجى مع إسرائيل خاصة فى ظل عدم وجود موقف عربي جامع وضاغط موحد، بينما لا يزال اللوبى اليهودى مؤثراً فى السياسة الأمريكية. ومع ذلك فإن الخلاف الأمريكي الإسرائيلى حول تجميد الاستيطان ليس مسألة شكلية، وهو يعكس العبء الذى تمثله إسرائيل على السياسة الأمريكية، حيث تفقدها القدرة على المناورة وإدعاء المصداقية فى الوساطة مع العرب[14].

وبالتالي تقوم الحكومات الإسرائيلية بتنفيذ خطوات تنسجم مع رؤيتها الإستراتيجية للتسوية مع الفلسطينيين والقائمة على ركائز ثلاث :

      1- الاستمرار في بناء المستوطنات بحيث لا يعني تجميدها توقفها نهائياً.
      2- القدس عاصمة أبدية لإسرائيل.
      3- الغاء حق العودة بالكامل والتحضير لنقل العرب الإسرائليين إلى خارج الدولة
         الإسرائيلية والتي ستكون دولة يهودية صافية [15].


المبحث الثاني : مواجهة الديمغرافيا من خلال تغيير حدود الدولة اليهودية في الجغرافيا.

لا يمكن للدولة اليهودية تحقيق الرخاء والأمن لها ولمجتمعها دون تسوية مع الفلسطينيين، يكون أساسها الاقتراب بشكل ما من حدود الرابع من حزيران 1967 وتقاسم الأرض. وقد بدأت النخب في إسرائيل برسم معالم التسوية التي تتصورها على الأرض والانتقال إلى مواجهة الديمغرافيا من خلال تغيير حدود الدولة اليهودية في الجغرافيا [16]. والإستراتيجيّة الإسرائيليّة تدور في فلك الإجابة على السؤال التالي :

كيف يمكن لإسرائيل مواجهة الخطر الديمغرافي العربي داخل حدود الدّولة الإسرائيليّة وفي الأراضي الفسطينيّة التي تقع تحت سيطرتها منذ العام 1967؟

فالميزان الديمغرافي لا يعمل لمصلحة إسرائيل لأنّ الانفجار السكاني الفلسطيني سيظل كفيلاً بتوفير القلق الوجودي الدائم لنظريّة الغالبيّة اليهوديّة، فالإحصاءات السكانيّة تتوقع زيادة سكانيّة يهوديّة في إسرائيل بنسبة 32% خلال ربع قرن مقبل، بالمقارنة مع زيادة فلسطينيّة بنسبة 218% ضمن الحقبة الزمنيّة ذاتها[17]. فارتفاع مجموع سكان إسرائيل ليصل إلى 7.6 مليون نسمة منهم 75% يهود مقابل ذلك تصل نسبة العرب في إسرائيل 20.5% [18]،أما الباقي فهي لفئات غير معروفة دينياً حسب الإحصاءات الإسرائليلية[19]. ومن المعطيات الهامة أن إسرئيل استطاعت جذب ربع يهود العالم حتى عام 1980 وارتفعت النسبة نحو 41% في العام 2009أي أنه بات في إسرائيل نحو 5.5 مليون يهودي منهم40% من اليهود الغربيين الأشكناز و36% يهود شرقيين سفارديم فضلاً عن نحو 29% يهود صابرا وهم اليهود الذين ولدوا لآباء يهود مولدين في فلسطين التاريخية وغالبية هؤلاء من اليهود الأشكناز [20]

قد نكون أمام إعلان إسرائيل من جديد بصيغة معدّلة تكون أقل مساحة ممّا حققته إسرائيل وارادتها بفعل حروبها وتوسّعها واستيطانها كمجتمع مهاجرين. ولكنها بكل تأكيد ستكون أكثر يهوديّة في سياستها وعدد سكانها، وهذا ما يفيد طرح إشكاليّة الديمغرافيا. ويبدو أنّ الإسرائيليين الذين رضخوا للجغرافيا، ولو مؤقّتاً، وقبلوا مرغمين على الانكفاء عن أرض فلسطينيّة، يريدون تفويض أنفسهم عن المستوى الديمغرافي من خلال إخلاء إسرائيل اليهوديّة في حدودها بعد انسحاب الحدّ الأقصى من العرب[21]

وإذا كان السّلام خياراً متوقعاً للحدّ من هذا الخطر، إلا أنّ الإستراتيجيّة الإسرائيليّة تضع الأولويّة لخيار المواجهة ولكافة الاحتمالات من منطلق أنّ إسرائيل تتبنى خياراً على حساب خيار وفقاً لمبدأين إستراتيجيين:
1- يمكن تبني خيار السّلام مؤقتاً، في مواجهة التحدّي الخارجي.
2- التحدّي الفلسطيني أو العربي داخل إسرائيل، لا يمكن مقاربته إلا من خلال مواجهته.

إشكاليّة الديمغرافيا تعني أنّ هناك سيولة في ترسيم الحدود وحركة السكان، والترسيم يحمل لأوّل مرّة حركة باتجاهين، تحريك الخط الأخضر"حدود الرّابع من حزيران" شرقاً بحيث تضمّ إسرائيل نهائياً مراكز استيطانيّة كبيرة، مثل ضمّ إسرائيل الأحياء الفلسطينيّة حول القدس مثلاً، أو غرباً بحيث يتمّ التخلص من تجمّعات فلسطينيّة داخل إسرائيل متاخمة للضفة الغربية [22]. وتهجير الفلسطينيين لا ينحصر في سكان المناطق المحتلة لعام1967بل تشمل المخططات الديمغرافيّة الفلسطينيّة داخل إسرائيل نفسها وهنا يتمّ تداول جملة من الأفكار السّاعية إلى الهدف ذاته، وهو تفريغ إسرائيل الجديدة من سكانها الفلسطينيين عبر تعديلات حدوديّة غربي الخط الأخضر [23]

ومخطط تكثيف الاستيطان يستهدف تكريس الاحتلال الإسرائيلي الحالي في الضفة وجنوب غزة والجولان، واستكمال تهويد الأراضي في هذه المناطق بما يخلق أمراً واقعاً يصعب تغييره في المستقبل، أو حتى التفاوض بشأنه. وبحيث تشكل هذه المستوطنات أرضا رحبة لاستيعاب مزيداً من المهاجرين اليهود، وبما يخفف وطأة المشكلة الديموغرافية التي تعاني منها إسرائيل، ويخلق حافزاً للتدخل العسكري الإسرائيلي مستقبلاً ضد المناطق العربية، حتى في حالة انسحاب القوات الإسرائيلية منها في إطار التفاوض حول مستقبل الأراضي المحتلة، كما هو الأمر في مدينة الخليل والقدس الشرقية [24].

ويرتبط بمخطط الاستيطان مخطط آخر هو مخطط الترانسفير والذي يسعى إلى تفريغ المناطق المحتلة التي تقرر ضمها لإسرائيل من سكانها العرب بأساليب الترغيب والترهيب، وبما يسهل ضمها لإسرائيل. يأتي ذلك عن طريق: المضايقة الاقتصاديّة، والتهجير ضمن فلسطين التاريخيّة، نزع الجنسيّة والاكتفاء بحق الإقامة، الطرد كعلاج وحل نهائي لتعزيز الأمن القومي الإسرائيلي وضمان الملكيّة القوميّة على الأرض [25].

وهناك استراتيجيّات هدفها العمل على نقل الفلسطينيين من داخل إسرائيل "عرب48" إلى الكيان الفلسطيني الجديد، لأنّ هذا الكيان بنظرهم سيشكل حلاً لكل الفلسطينيين داخل الدولة اليهوديّة وإنّ إمكانيّة الذهاب مع الديمغرافيا شوطاً جديداً تبقى واردة وهي في صميم المصالح الإسرائيليّة الإستراتيجيّة. فإسرائيل الجديدة مسكونة بالديمغرافيا ومنسجمة من حدود الجغرافيا إلى حدود الديمغرافيا[26]. وهناك كثير من الخطط والدراسات الإسرائيليّة التي تعزّز وتدعم هذا الاتجاه، منها خطة أو اتفاق "مثلث السلام" الذي طرحه عوزي أراد، المستشار السّياسي السّابق لرئيس الوزراء السّابق بنيامين نتانياهو، وهذه الخطة قائمة على تبادل ثلاثي للأراضي والسكان بين إسرائيل وسوريا والأردن[27].ومن هذه المشاريع التي تعبّر عن هذا الواقع مشروع "تمام 6"، وهو مشروع يعطي صوراً جديدة لمنطقة الشمال في إسرائيل ويصادر بقيّة أراضي 48 [28].

المسألة الديمغرافيّة تدخل الآن في أولويّات الأمن القومي الإسرائيلي، والاستعداد للبحث في مسألة اللاجئين من زاوية التعويض المالي ليس ناتجة عن شعور بالمسؤوليّة التاريخيّة لتهجيرهم، بل رغبة في مقايضتهم مع اليهود العرب من أجل اتقاء شرّ الملف الديمغرافي. كما أنّ قابليّة إسرائيل للأعتراف بتقسيم القدس ليس هذا سيكون نابعاً من اعترافها بمركزيّة القدس للفلسطينيين والعرب بمقدار الرّغبة لديها في إخراج أعداد أخرى من الفلسطينيين خارج حدود الدولة اليهودية [29].
      
     المبحث الثالث: مسألة تعويض اليهود العرب والتسوية حسب مبدأ المقايضة.

توجه اهتمام حكام إسرائيل إلى مفهوم الدولة اليهودية ليس كدولة تشمل المواطنين اليهود داخل حدودها، بل هي أيضاً الناطقة بأسم جميع اليهود المنتشرين في مختلف بلدان العالم والمدافع الأول عن مصالحهم. وهي الدولة الوحيدة التي يمارس فيها التطابق في شكل كامل بين الدين والقومية ويتم فيها اتباع معايير وأدوات دينية لفحص الانتماء إلى هذه القومية حيث ينشغل القادة الإسرائيليون بالسؤال :
                   
                        من هو اليهودي؟ وليس من هو الإسرائيلي؟

إسرائيل تسعى دائماً لاقتاع العالم بأنّ مساحتها البالغة21 ألف كيلومتر مربع هي مساحة لا تساوي شيئاً إزاء مساحة العالم العربي البالغة 14مليون كيلومتر، وبالتالي لا بدّ من إسهام الدول العربية في حل مشكلة الحيّز الديمغرافي بين إسرائيل وجيرانها في فلسطين. وتكمن الخطورة في هذا الموضوع من الناحية الإستراتيجيّة أن تتمّ المقايضة من قبل إسرائيل بين تعويض لليهود الذين غادروا الوطن العربي من العام 1948 بحق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين.

وممّا يؤكّد هذا التّوجّه العودة إلى محادثات كامب دايفد في تموز2000 حيث خلق الرّئيس الأميركي بيل كلينتون ربطاً مباشراً، بين حقوق اللاجئين الفلسطينيين وحقوق اللاجئين اليهود الذين اضطرّوا إلى مغادرة دول عربية، ومن بينها العراق وقد اقترح انشاء صندوق دولي يعالج مطالب اللاجئين العرب واليهود [30]

وتركز الحكومة الإسرائيليّة والوكالات الدوليّة اليهوديّة منذ عام 2002على قضية التعويضات. وقد تمّ انشاء مركز معلومات في وزارة العدل الإسرائيليّة في أيار 2002 متخصّص في ممتلكات اليهود الذين غادروا البلاد العربية سواء كانوا موجودين في إسرائيل أو في باقي دول العالم[31].

وتشير الدراسات إلى أنّ عدد اليهود في الدول العربية وصل إلى ما يقارب 700ألف نسمة من العام1950 وترغب إسرائيل ربط حق تعويض اليهود العرب في إسرائيل بحق تعويض اللاجئين الفلسطينيين. وهذا الرّبط هو بداية منظمه لتحقيق المصالح الإسرائيلية فيما يتعلق بقضايا حق العودة والتعويض، وبالتالي تهميش القرار 194 الذي يقضي بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم في أقرب فرصة ممكنة والتعويض عن الأضرار النفسيّة والماديّة التي لحقت بهم جرّاء طردهم من ديارهم مما يفتح الباب على مصراعيه أمام إسرائيل في تحقيق مصالحها المنبثقة عن ضعفها الديمغرافي والجغرافي [32].

وفي هذا السياق أقر الكنيست الإسرائيلي في شباط \ 2010 قانون تعويض اللاجئين اليهود من الدول العربية وإيران، الذي ينص على "أن تقوم الحكومة الإسرائيلية بطرح قضية منح تعويضات للاجئين اليهود من الدول العربية وإيران، بما في ذلك تعويضات عن املاك عامة كانت تابعة للجاليات اليهودية في إطار أي مفاوضات حول التسوية السلمية". وسيطرح هذا القانون في كل المفاوضات التي ستجري مع الفلسطينيين والعرب [33].

ولقد ارتفعت في السّنوات الأخيرة وتيرة الحديث عن ملفات التعويض لليهود من أصول عربية. وفي إسرائيل أصبح هناك تيار سياسي تبنّّّته كل الجاليات اليهودية من أصل عربي في إسرائيل للمطالبة بتلك الحقوق. وهذه الحركة المدنيّة الداخليّة في إسرائيل لا تخرج عن إطار المصالح الإستراتيجيّة العليا لإسرائيل. فمثلاً في عام 2004، تمّ فتح ملف تعويض الليبيين اليهود عمّا فقدوه من ممتلكات لدى هجرتهم إلى إسرائيل، وذلك بعد أن أعلنت ليبيا عن استعدادها للنظر في دفع مبالغ ماليّة لإنهاء خصومات تاريخية [34].

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يبلغ عدد اليهود الذين غادروا العراق خلال الفترة التي تلت حرب 1948 ما بين 130 _150 ألف نسمة، وتمّ جذب ما يقارب 240 ألف يهودي من المغرب بعد عام 1948. كما يبلغ عدد اليهود من الجزائر الذين تمّ جذبهم إلى إسرائيل في عهد بومدين ما يقارب 141ألف نسمة. ولقد غادر حوالي 50 ألف يهودي يمني في نفس تلك الفترة أي بعد حرب 1948، ولم يبق في اليمن سوى 250عائلة يهودية فقط. وفيما يتعلق باليهود من أصل ليبي، فلم يبق في ليبيا قبيل استلام العقيد معمر القذافي الحكم سوى 5 أشخاص فقط [35].

وفي سياق إستراتيجية إسرائيل المتعلقة بنعويضات اليهود العرب، فالهدف أيضاً هذه المرة أرض الكنانة والقضية قضية يهود مصر، فجاء التخطيط لعقد مؤتمر دولي ليهود مصر في القاهرة في شهر أيار من العام 2008 بمشاركة السفير الإسرائيلي بمصر[36]. وتحاول إسرائيل عبر هذه المؤتمرات المطالبة بتعويضات عما يسمى بممتلكات اليهود المصريين المهاجرين من أرض الكنانة، وضمن حملة منظمة اللوبي الإسرائيلي عالمياً تم الضغط على الكونغرس الأمريكي الذي أصدر قراراً يعتبر أن اليهود الذين غادروا بعض الدول العربية في حكم المهاجرين[37].

إسرائيل تعلم أن اليهود الذين تركوا مصر غادروها بإرادتهم المطلقة وباعوا ممتلكاتهم قبل هجرتهم أو أن بعض هذه الممتلكات خضع للتأميم قبل هجرتهم من مصر عندما كان قانون التأميم مطبقاً على الجميع دون تمييز بين مسلم أو يهودي أو مسيحي. وإذا كانت والولايات المتحدة تعتبر هؤلاء اليهود لاجئين فالدول العربية تحديداً يجب ان ترحب بعودتهم وأيضاً باكتساب الجنسية التي تخلوا عنها طمعاً في الثروة والنفوذ وجنسيات اعتقدوا ببريقها وقوة دولها وسطوتها العسكرية والمالية والاقتصادية[38].

من الضروري الإقرار بأن تهويد فلسطين من البحر وحتى الحدود المفترضة للدولة الفلسطينية العتيدة هدف عقائدي اسرائيلي قائم في كل آن وحين، وهو هدف العنصريين كما المستوطنين كما المتطرفين من المتدينيين في كيان تقوم عقيدته السياسية كما الدينية على تفريغ أصولية عنصرية شوفينية [39].

المبحث الرابع :  العراق وأبعاد إستراتيجية إسرائيل الديمغرافية المستقبلية.

الحصانة القوميّة الإسرائيليّة متعلقة بالدولة العبريّة أي مستقبل الدولة. والعامل الديمغرافي أصبح ركيزة أساسيّة في الحلول لمشاكل إسرائيل العسكريّة، الأمنيّة، الاجتماعيّة والاقتصاديّة. ومشروع إسرائيل الجديد القائم على الإمساك بالديمغرافيا والعبث بالجغرافيا كان يرى بالعراق منذ احتلاله من قبل الولايات المتحدة سبيلاً في تحقيقه، فالعراق قد يقدم مستقبلاً أفضل مساهمة في حل مشكلة الخطر الديمغرافي الذي يقضّ مضاجع الأمن القومي الإسرائيلي.

فهل يمكن القول أنّ هناك ظروف قد نشأت نتيجة للحرب على العراق وتغيير نظام الحكم فيه قد تحوّل العراق مستقبلاً إلى الدولة العربية الأولى التي ستجابه ماضيها في مجال النظرة لليهود؟

المصالح الإسرائيليّة القوميّة تكمن جذورها في الإشكاليّة الديمغرافيّة في معظم الأحيان حيث أنّ هذا الواقع لا بدّ لإسرائيل من مواجهته في يوم من الأيام. ومن هذا البعد الإستراتيجي الإسرائيلي نجد أهميّة طرح قضيّة تعويض اليهود عن حقوقهم في البلاد العربية التي هاجروا منها كونهم لاجئين في الدولة اليهودية. فإسرائيل تخطط لجعل التعويض عن الأملاك اليهودية في العراق والبلاد العربية مقابل لتعويض اللاجئين الفلسطينيين.هذا ما يتمّ تداوله بشكل صريح وأكثر جدية منذ احتلال الولايات المتحدة للعراق [40].

وهذا ما تكشفه وثائق إسرائيليّة تمّ الإفراج عنها من قبل أرشيف الدولة العبريّة، بعد حذف الكثير من المقاطع المتعلقة بالأمن القومي ومشاكل العنصرية وحقوق الإنسان. ومن هذه الوثائق وثيقة إسرائيليّة وضعت عقب وقف إطلاق النار في حرب 1967، تشير إلى اقتراح رئيس الوزراء، كيفي أكول في حينه، نقل مئة ألف لاجئ فلسطيني إلى العراق[41]. ويستخلص من وثائق حرب 1967الإسرائيليّة أنّ ليفي أشكول كرّر المطالبة بإبعاد لاجئي 1948 إلى العراق، أي المطالبة التي عرضها بن غوريون على الفرنسيين قبل حرب السويس 1956. وأهمّ ما في تلك الوثائق أنها تكشف عن الأبعاد الإستراتيجيّة لإسرائيل من احتلال العراق على صعيد قضايا الديمغرافيا واللاجئين [42].

وهذا الرّبط ليس حديث العهد ففي عام 1951 ربطت إسرائيل قضية الملكيّة الفلسطينيّة في فلسطين بقضية الملكيّة اليهوديّة في العراق وغيره من الدول العربية. وفي أعقاب حرب الخليج عام 1991 أقترح يورام داينشتاين، رئيس جامعة تل أبيب، أن تربط دعاوى التعويض عن ملكية اليهود العراقيين بمشروع التعويضات الذي أقرّته الأمم المتحدة التي ألزمت بموجبه العراق دفع التعويضات المالية للكويت ولعدد كبير من الأطراف الأخرى.

وتعمل الحكومة الإسرائيليّة جاهدة لجمع كافة المعلومات والوثائق التي تمكنها من التقدّم بمطالب للحصول على تعويضات عن الأملاك والثروات التي اضطرّ اليهود لتركها في العراق بعد قرار الحكومة العراقية في عام 1951بمصادرة أموال وأملاك الجالية اليهوديّة، الذي كان يتراوح عددها ما بين العامين 1948_1951بحوالي 150ألف يهودي اضطرّوا لمغادرة العراق بعد النزاع العربي الإسرائيلي عام 1948 [43].

وفي البحث عن يهود العراق، نشر في آذار 2003، في المجلة الدولية للقضاء التي تصدرها جامعة فوردهام، ما كتبته الدكتورة كارول باتسري[44] " أنّ قيمة الأملاك والثروات التي صودرت من اليهود بلغت حينه نحو 150إلى200 مليون دولار". وقد عزّز آمال اليهود بهذه التعويضات ما ورد بقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقاليّة انذاك الذي يضمن للجميع حقّّ استعادة ممتلكاتهم التي صودرت منهم خلال حكم الأنظمة العراقية المتعاقبة، ومن دون تمييز، بالإضافة إلى أعطاء الحق لأيّ عراقي نزعت منه الجنسية العراقية لأسباب دينية أو عرقية أو سياسية باستعادتها[45]. كما يسمح الدستور العراقي بتمتّع العراقي بجنسيتين في آن واحد [46]
ولقد تسلّمت إسرائيل وثائق عن الطائفة اليهودية العراقية عثر عليها في بغداد، والتي تمكّن اليهود الذين هاجروا في عام 1950من استخدامها في إطار مطلبهم بتعويضات عن الأملاك التي تركوها خلفهم في ذلك الوقت. وهذه الوثائق التي تسلّمتها الحكومة الإسرائيليّة من وزارة الخارجيّة الأميركيّة _  كما أعلنت ريفكا كاناريك، الناطقة بأسم الوزير المكلف بالعلاقات مع الشتات، ناتان تشارنسكي _ تتضمّن نحو 800 صفحة تشمل لائحة بأملاك الجاليات اليهودية والمئات من وثائق الزواج والوفاة ما بين 1949_2001 [47].

عندما يتم التكلم عن قضية اللاجئين اليهود الذين غادروا الأراضي العربية عام 1948 يجب ذكر أن كثير من هؤلاء غادروا بناءاً على رغبتهم وهناك من تمّ إغراءه من قبل إسرائيل، بالإضافة إلى الضغط من قبل بعض الدول على بعض الحكومات من أجل تسهيل مهمة خروج اليهود. وهذا يعني إلغاء حق العودة والتعويض لكثير منهم.

ومن الجدير ذكره أنه في أثناء الحرب العالمية الثانية طلبت الحكومة الفرنسية من الحكومة المغربية تسليمها اليهود المقيمين في المغرب، وكانت الحكومة الفرنسية آنذاك هي حكومة فيشي الموالية لألمانيا النازية والخاضعة لأوامر هتلر وكان مصير يهود المغرب كمصير اليهود في ألمانيا والدول الأوروبية التي احتلتها ألمانيا. وعلى الرغم من ذلك، لم يوافق ملك المغرب محمد الخامس على تسليم اليهود وقال "إن هؤلاء مواطنون في المغرب ولهم علينا حق الحماية والرعايا".وهذا الموقف تعبير عن احترام حقوق الإنسان والمساواة في المواطنية [48].

العقدة الديمغرافيّة والأمنيّة تبقى وقد تكون بمثابة مفتاح الحل لكثير من تلك المعضلات التي تعاني منها إسرائيل، فطرح مسألة تعويض اليهود العرب وخاصّة العراقيين تحمل أبعاد إستراتيجيّة مستقبليّة تحدّد ملامح الدولة العبريّة ومصيرها. حيث تحاول إسرائيل شرعنة وجودها في المنطقة بكافة الوسائل وشتى الطرق وترى أنّ عليها الاعتماد على تغيير النمط السائد لشكل الدولة، من النمط القومي إلى النمط الديني المذهبي [49]
الأمن الحقيقي لإسرائيل لا يمكن أن يتحقق على المدى البعيد طالما أنّ لهذه المنطقة هويّتها العربيّة والإسلاميّة، وطالما وجدت دول كبيرة نسبيّاً كالعراق، سوريا ومصر. لذلك يقتضي تغيير هويّة المنطقة الثقافيّة، الحضاريّة والسّياسيّة إلى "شرق  أوسطية". وبالتالي، لا بدّ من تغيير تركيبتها الاجتماعيّة إلى فسيفساء طائفيّة وإقليميّة [50].

المبحث الخامس : الديمغرافيا والخطوة الإستراتيجيّة التي تربك المجتمع الدّولي وإسرائيل.

الإسرائيليون يعتبرون أنّ أعداد الفلسطينيين الذين هربوا من بلادهم بعد سنة 1948 لا تزيد كثيراً عن أعداد اليهود الذين طردوا من مصر والجزائر وليبيا والمغرب وسوريا واليمن والعراق. ولا بدّ من الإقرار بتسوية تقوم على أساس استعادة اليهود لأملاكهم في البلدان التي نزحوا عنها، والقبول بتعويض عن أملاك الفلسطينيين في إسرائيل على اعتبار أن تتمّ التسوية حسب مبدأ المقايضة[51].

هذه ورقة استراتيجية لإسرائيل لم تشهرها بعد [52]. ولكن بكلّّّّّّّّّّّّّّّ تأكيد، هي مستعدة لهذه القضية وسوف تباغت الجانب العربي في ذلك الشأن.

فهل العرب على استعداد في المستقبل لمواجهة هذا الخطر؟

الواقع الديمغرافي أصبح حالة مستديمة مصمّمة للوعي وللسّياسات الإسرائيليّة، ومؤثرة في صنع القرارات على المستوى الإستراتيجي، والتحوّلات السّياسيّة والاجتماعيّة والعسكرية في العلاقة بين العرب وإسرائيل تحمل أكثر من عامل يعزّزها حسّ الخوف الإسرائيلي. فالمصالح الإستراتيجيّة ونتيجة الهاجس الديمغرافي أصبحت قائمة على مشروع سياسي وأمني جديد قوامه تبنّّي خيار الديمغرافيا بدل الخيار الجغرافي[53].

وعندما تتكلم إسرائيل عن مصالحها ومجالها الحيوي لا يمكنها التمييز بين حدود 1948 وحدود 1967 لأنّ المهم بالنسبة لها هو أن تكون حدودها آمنة بصرف النظر عن موقع هذه الحدود وطبيعتها على الخريطة. فالحدود ترتبط في إسرائيل ارتباطاً عضوياً برؤيتها لطبيعة الدولة اليهوديّة.

فإسرائيل لا تكتفي وفقاً لإستراتيجيّتها بتفتيت تلك المنطقة فقط بل أيضاً إعادة رسم حدودها السياسيّة وإعطاء نفسها الحق في التمدّد وفقاً لمقتضيات مجالها الحيوي، واضعة نصب عينيها القنبلة الديموغرافيّة التي سوف تواجهها وفق رؤيتها لمشروع إسرائيل الجديدة أي إسرائيل اليهوديّة [54].  
ومهما يكن شكل ومضمون التسوية الجاري العمل على بلورتها على المسار الفلسطيني، فإن ترجمة حق العودة لا ينبغي له أن يفترق عن ترجمة وتكريس وترسيخ حق آخر هو الحق في البقاء، إذ أن كلاهما الحق الأوحد الذي فرغ بفعل عوامل النكبة وموازين القوى التي أحالت وتحيل المفاوضات الآن إلى مجرد عصا غليظة في يد إسرائيل سياسياً وجغرافياً.

إن احترام حقوق الإنسان مبدأ لا يقبل التجزئة ولا يجوز تطبيقه على شعب من دون شعب أو جنس من دون جنس. فإذا كانت إسرائيل تطالب بتعويضات ليهود العراق والدول العربية، وبما أن الكونغرس الأمريكي يعتبر اليهود الذين غادروا بعض الدول العربية لاجئين ، فهذه القاعدة القانونية يجب أن تكون مقبولة أيضاً عند العرب جملة وتفصيلاً [55].

فنحن بأمسّ الحاجة إلى قرارات استراتيجيّة، أقلها إيجاد مقاربة للصّراع العربي الإسرائيلي وفقاً للتطوّرات الحاصلة في العالم، والمتغيّرات على صعيد ظهور قوّة عالميّة ثانية اسمها الرّأي العام والمجتمع المدني، وفي إطار ما يسمى بدبلوماسية حقوق الإنسان، وانطلاقاً من مبدأ سياسة الفعل وليس رد الفعل _ التي اعتاد العرب عليها منذ نصف قرن _  علينا العمل على إيجاد مقاربات خلاقة وجديدة، لكيفية إدارة الصراع وعملية مفاوضات السلام الطويلة الأمد، وتحديداً فيما يتعلق بالقضايا النهائية حول حق العودة وتعويض اللاجئين والقدس، من خلال طرح الإشكالية القائمة على جدلية :   

العائق أمام الدّول العربيّة الذي يحول أو يمنع عودة أو منح اليهود العرب جنسيات أوطانهم العربيّة التي غادروها، وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم جراء مغادرتهم، ودعوتهم للعودة إلى الأقطار العربية؟

هذه خطوة إستراتيجيّة قد تربك المجتمع الدّولي من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وتعطي زخماً للقضيّة الفلسطينيّة من خلال تأييد المجتمع والمنظمات الدّوليّة غير الحكوميّة الإنسانيّة والعالميّة، وأيضاً تحرج كل الدّول والقوى التي تحاول إضفاء الطابع الإنساني والدّيمقراطي على إسرائيل.
والانعكاس الأمني لعودة اليهود العرب للدّول العربيّة قد يكون مطروحاً من بوّابة موالاتهم وولائهم للدّولة العبريّة.

يحق لنا التساؤل عن مليون عربي فلسطيني يقيمون في إسرائيل منذ العام 1948 ويعارضون علناً وجود دولة إسرائيل ؟ ولماذا نحن نكون أسيري عقدة الخوف من بضعة آلاف من اليهود الذين قد يرغبون بالعودة إلى أوطانهم العربيّة؟ وفي حال رغب المهاجرون اليهود بالعودة، فهل سوف تسمح لهم إسرائيل بمغادرتها وهي التي تأنّ تحت وطأة الإشكاليّة الدّيمغرافيّة؟

الهاجس الديمغرافي يدخل في صميم وعي إسرائيل الكياني ويبلور المصالح القوميّة [56]. والإستراتيجيّة الإسرائيليّة في عمقها أصبحت قائمة على أنه لا بدّ من قيام دولتين مسالمتين في فلسطين. ولا يمكن أن يتمّ تحقيق ذلك إلا بتقسيم جديد لفلسطين يقوم على مبدأ الفصل شبه الكامل بين الشعبين اليهودي والعربي. فإسرائيل إستراتيجياً تجد أنّ المصالح الإسرائيليّة العليا لم تحدّد من منطلق مواجهة مشكلة حدود 1967 قبولاً أو رفضاً بل في العرب من مواطني دولة إسرائيل الذين أصبح عددهم الآن يتخطى المليون نسمة من أصل مجموع سكان دولة إسرائيل اليهودية[57].

إذا أراد العرب الخروج من مأزقهم الصعب الراهن ولو بعد حين عليهم حتمية امتلاك مقومات القوة الشاملة. فبإمكان العرب أن يصبحوا يساريين إلى أبعد الحدود، وبإمكانهم أن يصبحوا يمينيين سلفيين إذا خاب أملهم في البدائل الأخرى، وبإمكانهم أن يجأروا بالشكوى الصاخبة المرة من ظلم القوى الظالمة، وبإمكانهم أن يشرحوا عدالة قضاياهم بألف لسان ولهم من القضايا العادلة الكثير.ولكن العدل الذي لا تدعمه القوة في هذا العالم عدل ضائع مضيع ولا قيمة له.

وبإمكان نخبنا أن تصرخ في الفضائيات ما شاء لها الصراخ ، ولكنها لن تغير من موازين القوى شيئاً. فالظاهرة الصوتية وحدها لا يمكن أن تعادل الظاهرة الفاعلة في أي مجال، وإنما هي مجرد تنفيس خادع، ينام بعده الصارخ هادئاً مطمئناً متوهماً أنه غير موازين العالم لكنه في واقع الأمر لم يمس جناح بعوضة قط [58] ؟
 نملك في جعبتنا الكثير من الخيارات الإستراتيجيّة التي تمكننا من تغيير طبيعة الصّراع العربي الإسرائيلي وإمساك زمام المبادرة، أقله لنبدأ من قناعة مفادها أنه بإمكاننا أن نبادر وأنّ لدينا الكثير من الخيارات والإمكانيّات ولكن تنقصنا الإرادة والرّؤية.

الخاتمة

إنّ التأكيد على يهوديّة إسرائيل "إسرائيل الجديدة" بالمعنى الإثني الأيديولوجي له مخاطره على حقّ العودة وعلى عرب 1948 [59] . وأن مأزق الانتماء للهوية اليهودية القائم على تناقض فكري وإيديولوجي قد أضحى اليوم شديد التعقيد وهذا الواقع ينعكس جلياً على الإستراتيجية الإسرائيلية. ومع ذلك فأن إشكالية إسرائيل الديمغرافية يجب أن تقرأ ضمن موازين القوى عالمياً وإقليمياً وفي المقدمة ضمن الحالة الفلسطينية والعربية في معادلات الصراع الإستراتيجي[60]

الحدود الآمنة هي الحدود التي تمكّن إسرائيل من السّيطرة على كل المنطقة، وهذا الفهم الخاص جداً للحدود الآمنة هو الذي يحدّد الموقف من قضيّة التسوية مع العرب. فالسّيطرة بالمفهوم الإسرائيلي ليست السّيطرة بالمعنى العسكري بل تشمل السّيطرة السّياسيّة،الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والسّيطرة الديمغرافيّة بالدّرجة الأولى. فلا وجود ولا مستقبل بالمنظور الإستراتيجي للدولة العبرية إلا بالسّيطرة الفعليّة والكليّة بالوجود السّكاني الخالص لليهود في حدودها. وخيار الترانسفير بأزيائة المختلفة ما يزال قائماً، بغض النظر عن مستوى اللعبة السياسية الداخلية في إسرائيل، والتي تختلف نظرة الأحزاب فيها بالدرجة وليس في النوع لهذا الخيار، فكل من يسار الوسط واليمين القومي والديني المتطرف ووسطية ليفني أو بيريز أو باراك باتت لا تختلف كثيراً عن رؤية نتنياهو وليبرمان وشارون [61]   

إسرائيل الجديدة، واليهوديّة، مشروع إسرائيل المستقبلي والمصيري، وهو مشروع قائم على الأبعاد الدّيمغرافيّة والجغرافيّة. ويعتبر موضوع التعويض المادي والمعنوي ليهود العالم العربي بالنسبة لإسرائيل أحد أهمّ أوراقها المستقبليّة في إطار مشروعها إسرائيل اليهودية، أو في إطار مفاوضاتها النهائيّة مع الفلسطينيّين لمقايضتهم مع حقوق اللاجئين الفلسطينيّين الذين صدرت في شأنهم قرارات دوليّة تضفي شرعيّة قانونيّة على حقوقهم، بعكس نظرائهم اليهود.

مع ذلك تبقى إسرائيل حذرة في كشف أوراقها الاستراتيجيّة وفتح هذا الملف الآن خشية ظهور مطالب فلسطينيّة مقابلة لمطالبها، ممّا يضع الدّولة العبريّة في موقف حرج، ولكن ورقة تعويضات اليهود العرب ستبقى ورقة إستراتيجيّة تخدم المصالح الإسرائيليّة [62].     


------------------------------------------------------------------------


 الهوامش

[2]   ولمزيد من المعلومات حول المؤشرات السكانية والاقتصادية في إسرائيل يمكن مراجعة،" التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2009"، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،بيروت،صفحة89-99.

[3]   رغيد الصلح،" كم فلسطينياً يجب أن تقتل إسرائيل كي تشعر بالأمن"، صحيفة الحياة، بيروت، 22-1-    
   2009

[4]  فمجموع العرب في شرق المتوسط باستثناء مصر كان أقل من مجموع يهود الشتات، وفي ظل هذا الواقع كان التفكير الصهيوني باستيطان واستعمار فلسطين والمشرق العربي مشروعاً واقعياً. ولو استجاب يهود الشتات في مطلع القرن العشرين إلى الدعوة الصهيونية لتمكنوا من بسط نفوذهم على أجزاء واسعة من المشرق العربي بسهولة ودون مقاومة تذكر.
 
[5]  عفيفي رزق،"العرب في إسرائيل رؤية من الداخل"، صحيفة الحياة، بيروت، 5-11-2008.

[6]   يمكن مراجعة كتاب عزمي بشارة،"من يهودية الدولة حتى شارون دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية"، دار الشروق،القاهرة،2005.

[7] لمزيد من المعلومات حول عرب إسرائيل يمكن مراجعة كتاب عزمي بشارة، "العرب في إسرائيل رؤية من الداخل"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2009.

[8]  تاريخ إسرائيل هو تاريخ هجرة اليهود إلى"أرض إسرائيل" وهذا هو العنصر الذي سيحسم مستقبل الدولة السكاني، لذا فإن المفتاح لمستقبل الدولة والحل لكافة مشاكلها السكانية يكمنان في استمرار هجرة اليهود إلى إسرائيل حتى تصبح مأوى  لليهود، ولذا فإن النضال من أجل الهجرة اليهودية هو نضال من أجل استمرار بقاء إسرائيل. راجع بنيامين نتنياهو،"مكان تحت الشمس"، دارالجيل،طبعة ثالثة،عمان،1997،صفحة 363.
 
[9]  إذ خلق دولة مزدوجة القومية في إسرائيل يصل فيها العرب نسبة 35%  من السكان سيصبحون بعد عقود أغلبية داخل إسرائيل.

[10]  وهذا القانون يستهدف بالذات فلسطينيي 48 حيث سيلزم كل من يحاول نيل الجنسية الإسرائيلية بالأعتراف بيهودية إسرائيل .

[11]  ولمعرفة المزيد من القوانين العنصرية في إسرإئيل يمكن مراجعة كتاب عباس إسماعيل"،عنصرية إسرائيل. فلسطينيو 48 نموذجاً"،مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ،بيروت،2008،صفحة 54-59.

[12]  وكان الكونغرس الأمريكي صادق في العام 2008 على قرار يعتبر فيه أن اليهود الذين غادروا الدول العربية إلى إسرائيل يصنفون "لاجئين" طبقاً للتعريف الخاص بهذه الكلمة الذي وضعته الأمم المتحدة.مجلة الوسط السياسي، صحيفة الحياة، بيروت، العدد 640، 2004. 

[13] أنّ الإدارة الأميركيّة ومنذ عهد كلينتون 1992 قد تبنت هذه الإستراتيجيّة الديمغرافيّة الإسرائيليّة. وفي عهد الرّئيس جورج
       بوش الابن أصبح تبني هذه الإستراتيجيّة أكثر صراحة ووضوحاً. كما أنّ مؤتمر أنابوليس 2007 حمل في طيّاته بالدّرجة لأولى هذا الخيار الإسرائيلي الاستراتيجي من خلال طلب الاعتراف بيهوديّة الدّولة الإسرائيليّة.

[14] هذا الاتجاه في التمايز الأمريكي الإسرائيلي كان واضحاً منذ وصول الرئيس الأمريكي اوباما للرئاسة خاصة حول بناء المستوطنات.

[15]   جوني منيَر،"إسرائيل باشرت حملة ديبلوماسية لإلغاء حق العودة"، صحيفة الديار،بيروت،4-1-2010.

[16]  مرزوق الحلبي، "غزة والإخفاق في قراءة الداخل الإسرائيلي"، صحيفة الحياة، بيروت، 11-1-2009.

[17]  أحمد جابر،"أي مستقبل ينتظر إسرائيل دولة ومجتمعا"ً، صحيفة الحياة، بيروت،6-1-2005.

[18]  يقترب عدد سكان إسرائيل من 7,6 ملايين نسمة، بحسب احصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الرسمي الإسرائيلي  والتي نشرت في إطار الاحتفال بالذكرى الثانية والستين لـ "اعلان قيام إسرائيل".  ومن اصل عدد السكان الاجمالي من 7 ملايين و587 الف نسمة، فان 5 ملايين و726 الفاً أي 75,5%، هم من    اليهود، ومليونا و548 الفا (20,4%) من العرب، بحسب المكتب المركزي الإسرائيلي للاحصاء. . وزاد  عدد السكان بواقع 137 الف نسمة خلال السنة المنصرمة 2009، أي بزيادة 1,8%.وبين السكان العرب نحو 270 الف فلسطيني يقيمون في القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل في 1967 وضمتها وهو ما لم تعترف به الأسرة الدولية حتى الان. وهؤلاء الفلسطينيون الذين  يحملون اذونات اقامة دائمة رفضوا في غالبيتهم الحصول على الجنسية الاسرائيلية.والعرب الاسرائيليون هم المتحدرون من 160 الف فلسطيني بقوا في اراضيهم مع انشاء دولة إسرائيل في 1948.وسلك حوالى 750 الف فلسطيني طريق المنفى وهناك اكثر من 4,7 ملايين لاجىء فلسطيني مسجلين لدى الأمم المتحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة.  راجع صحيفة الرأي الأردنية،عمان .18-4-2010.

[19]  وباتت الإقلية العربية تشكل وزناً ديمغرافياً كبيراً في إسرائيل عشية أية انتخابات إسرائيلية وعلى الرغم من ذلك فإن الوزن السياسي لم يرقى إلى حجمها الديمغرافي خاصة إذا اخذنا بالاعتبار تمثيلها الهزيل في الكنيست الإسرائيلي.

[20]  نبيل السهلي، "إسرائيل عشية انتخاباتها العامة"، صحيفة الحياة، بيروت، 3-2-2009.

[21]    مرزوق الحلبي، "جولة بوش والعبث بالجغرافيا لغرض الإمساك بالديمغرافيا"، صفحة الحياة،21-8-2008.

[22]  حول وضع فلسطينيي 48 خاصة في ظل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكونهم أقلية في ظل محاولة إسرائيل طمس وتهويد الهوية والأرض الفلسطينية يمكن مراجعة كتاب:أسعد غانم، مهند مصطفى،"الفلسطينيون في إسرائيل سياسات الأقلية الأصلية في الدولة الأثنية"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية،رام اللة،2009. والكتاب عبارة عن محاولة لطرح سؤال : ما العمل في قضية فلسطينيي 48.  

[23]  فمثلاً رسم الحدود غربي وادي عمارة في منطقة المثلث المتاخمة للضفة الغربية يتمّ من جانب واحد بإلحاق150ألف فلسطيني في إسرائيل بمناطق الكيان الفلسطيني الذي سينشأ.  

[24]   سلام الربضي،" القلق الوجودي الدائم لنظرية الغالبية اليهودية"،مجلة صوت العروبة،واشنطن،13-9-2010.  

[25]  وفكرة الترحيل القسري للسكان الفلسطينيين من أراضيهم، فكرة شائعة في "إسرائيل"، وجذور هذه الفكرة تعدّت كونها مجرد فكرة إلى خطط مستقبلية وبرامج عمليّة فعمليات الطرد الجماعي التي ترغب إسرائيل بتنفيذها بحق السكان العرب نابعة من شعور قادتها بأن من بقي من العرب ما زال يشكل خطراً عليها. ومن أبرز الخطط التي أثيرت في السنوات الأخيرة، والتي سينبني عليها ترحيل سكان عرب من "إسرائيل"، خطة النقب 2015، وهي التي قُدّمت كونها "الخطة الاستراتيجية لتطوير النقب"، وهدفها زيادة عدد اليهود في النقب إلى 900 ألف خلال عشر سنوات. وهي ترى في وجود البلدات العربية غير المعترف بها مشكلة تعوق التنفيذ، وهو ما يعني عملياً إخلاء وهدم تلك البلدات، وهذا ما يجري حالياً في النقب. لمزيد من المعلومات حول عمليات تهجير وطرد عرب 48 راجع عباس إسماعيل"،عنصرية إسرائيل. فلسطينيو 48 نموذجاً"،مرجع سبق ذكره،صفحة 69-88.

[26]  لمزيد من المعلومات حول الخطر الديمغرافي على إسرائيل يمكن مراجعة كتاب خالد محمود،"آفاق الأمن الإسرائيلي"،مركز الزيتونة للدراسات،بيروت،2007.

[27]   كما أنّ هناك خطط تحمل نفس المضمون تجاه مصر أيضاً.
 
[28]  مجلة الوسط السياسي، صحيفة الحياة، بيروت، العدد 640، 2004. 

[29]  لمزيد من المعلومات حول السياسات العنصرية تجاه عرب 48 يمكن مراجعة،"التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة2009"،مرجع سابق الذكر،صفحة 87-89. 

[30]  راجع المجلة الالكترونية التي تصدر دفاعاً عن قضايا اللآجئين وحق العودة. www.group194.net تم الدخول بتاريخ17-9-  2010.
 
[31]   مايكل فيشباخ،" أسرائيل تطالب العراق بتعويض اليهود"، صحيفة معاريف الاسرائيلية،16\5\2003. 

[32]   نبيل السهيلي،"حق التعويض مقابل حقوق اللاجئين"، صحيفة الحياة، بيروت،12-6-2007. 

[33]  "تعويض اللاجئين اليهود أم محاولة قضاء على حقوق اللاجئين الفلسطينيين"،صحيفة العرب اليوم،لندن،23-2-2010.

[34]   فاضل المسعودي،" لماذا عرض ليبيا تعويض اليهود على رغم أنها غير مسؤولة عن تهجيرهم"، صحيفة الحياة، بيروت، 14-4-2004.

[35]  من الاحصائيات حول اليهود في الوطن العربي يمكن ذكر بعض الامثلة :1- يوجد في البحرين عدد من العوائل اليهودية والتي تحمل الجوازات البحرينية وتعود اصولها إلى العراق وفارس والهند وقد بلغ عدد اليهود في عام 1956 حوالي 400 يهودي وانخفض هذا العدد الى 150 يهودي بعد حرب 1967 وعددهم حالياً 50 يهودي .2- يهود الكويت، عبارة عن عائلات قدمت من العراق في اخر القرن 19وصل عددهم 100 عائلة يهودية عاد بعضهم إلى العراق وبعضهم هاجروا إلى فلسطين. وعرف منهم الموسقيين داوود وصلاح الكويتي. 3- يبلغ عدد يهود تونس 2000 يهودي ولهم دور قوي في الاقتصاد التونسي رغم قلة عددهم وكان لهم امتيازات خاصه في عهد بورقيبة ومازالت في عهد زين العابدين بن علي وللعلم بإنه يوجد في جزيرة جربة التي يقيم فيها معظم اليهود عدد من المعابد ولديهم عدد من الاحبار يهود.4- عدد اليهود المصريين في الوقت الحالي أقل من100 يهودي، وقد كان لليهود وزيراً في عهد سعد زغلول وكان أسمه يوسف قطاوي وكان وزيراً للمالية ويوجد في القاهرة في الوقت الحالي معبد واحد وعدة معابد في الاسكندرية.5- يبلغ عدد يهود العراق120 يهودي ويوجد معبد واحد لهم ويمارسون طقوسهم بشكل طبيعي. 6- يبلغ عدد يهود سوريا 250 يهودي تقريبا وكان يترئس الطائفة اليهودية في سوريا ابراهيم ابوحمرا. 7- معظم اليهود في لبنان قدموا من اسبانيا في نهاية القرن الخامس عشر واستوطنوا دير القمر وعين داره وعين زحلتا والمختارة وراشيا وجزين، وحسب احصائية 1986 بلغ عدد اليهود 50 تواجدوا في بيروت الشرقية وجزين. 8- كانت الجالية اليهودية في عدن عام= =1947 من أهم الجاليات نفوذاً وذلك بسبب تغلغلهم في الحياة الاقتصادية، كما إن بعضهم واثناء الاحتلال البريطاني ذهبوا إلى فلسطين المحتلة للتدريب العسكري ،أما اليهود اليمنيين اليوم يبلغ عددهم تقريبا 500 يهودي.9- بعد استقلال ليبيا منح اليهود الليبين الجنسية واعتبروا مواطنيين ليبيين وفي الفترة ما بين 1948 - 1951 هاجروا من ليبيا وبعد حرب 1967 هاجر معظم اليهود الليبيين، أما في الوقت الحالي فيوجد في ليبيا 6 يهود فقط. وعدد اليهود الليبيين في العالم يبلع 90الف يهودي ينتشرون في كندا وأمريكا وايطاليا وثلثهم في فلسطين المحتلة.10- عدد اليهود في الجزائر لا توجد إحصائية حديثة لهم واخر إحصائية لهم كانت في عام1960حيث كان عددهم 14 الف يهودي هاجر معظمهم من الجزائر بعد حرب 1976 أما في الوقت الحالي يعيشون في الجزائر ووهران.11- عدد اليهود المغاربة 20 الف يهودي يتوزعون في المدن المغربية الرئيسية وبالذات في الدار البيضاء ولليهود في المغرب نشاط كبير سواء في المجال الاقتصادي،أو السياسي. لمزيد من المعلومات حول عدد اليهود في منطقة الشرق الأوسط يمكن مراجعة كتاب مامون كيوان،"اليهود في الشرق الأوسط ،الخروج الاخير من الجيتو الجديد"،الاهلية للتوزيع والنشر،عمان، 1996. 

[36]  وخيراً فعلت السلطات المصرية عندما أحبطت هذه المؤامرة بعدم سماحها بعقد المؤتمر وهي كانت فعلت نفس الشيء عام 2006 فلم توافق وقتها على عقد المؤتمر العالمي ليهود مصر على أراضيها فعقد في جامعة حيفا تحت شعار نحن أبناء الخروج الثاني من مصر

[37]   والحكومة العبرية من جانبها ثبتت فكرة عقد المؤتمر عام 2006 وعام 2008 للمطالبة بتعويضات للإسرائيليين الذين هاجروا إليها أو إلى
       الدول الأخرى .
 
[38]  عيد بن مسعود الجهني، "ماذا وراء المطالبة بالتعويض ليهود أرض الكنانة"، صحيفة الحياة، بيروت، 1-5-2008.

[39]   والدولة العبرية منذ تأسيسها في فلسطين تنفذ عمليات تهجيرداخلية للفلسطينين وخارجية لليهود لتعيد بذلك إلى الأذهان عمليات تهجير 25
       ألف يهودي من روسيا ثم تهجير40ألفاً في عام 1904 وتتابعت أفواج المهاجرين التي كانت سبباً في أكبر نكبة في التاريخ جرى تخطيطها
       ضد شعب آمن في أرضه ووطنه. ولا شك أن العالم ما يزال يتذكر عملية تهريب يهود الفلاشا أو ما يطلق عليها عملية موسى من أثيوبيا إلى  
       إسرائيل عام 1985. ومنذ عام 1975 بدأت أميركا تضغط على الاتحاد السوفياتي كي يسمح لليهود السوفيات بالهجرة واستصدرت تشريعاً
       من الكونغرس يربط تطور العلاقات التجارية المشتركة بمدى فتح الابواب السوفياتية أمام هجرة اليهود السوفيات إلى الخارج. ومن هذا الباب
       فقط حصلت إسرائيل إجبارياً على مليون يهودي مهاجر في السنوات العشر التالية لتفكك الاتحاد السوفياتي وغالبيتهم جامعيون ومهنيون
       وبعضهم علماء وهكذا أصبحت الإضافة إلى إسرائيل مزدوجة: بشرية وعلمية وفوق هذا وذاك مجانية .  

[40]  فهناك نسبة عالية من اليهود من أصل عراقي. بالإضافة إلى ما كانت تخطط له إسرائيل للقيام بعملية "ترانسفير للعراق" منذ حرب 1967 على الأقل .
 
[41]  سليم نصار،" أشكول يطلب نقل اللاجئين إلى العراق وإقامة دولة درزية في سورية"، صحيفة الحياة، بيروت،1-7-2006.  

[42]   نبيل خليفة،مرجع سبق ذكره. 

[43]   صحيفة هارتس الأسرائيلية،16-5-2003. 

[44]   هي حفيدة الحاخام عزرا دنفور الذي خدم كحاخام رئيسي للعاصمة العراقية بغداد. 

[45]   صحيفة الحياة،بيروت،1-4-2004.

[46]   صحيفة الحياة، بيروت،15-3-2004.

[47]   صحيفة الحياة، بيروت،2-6-2004. 

[48]   عيد بن مسعود الجهني، "ماذا وراء المطالبة بالتعويض ليهود أرض الكنانة"، مرجع سبق ذكره.

[49]  سلام الربضي،"مسألة تعويض اليهود العرب أحد أهمّ أوراق إسرائيل المستقبليّة"،   
         www.islamtimes.org/vdciq5ap.t1avq2csct.html تم الدخول بتاريخ 8-10-2020.

[50]  سلام الربضي،"الأمن الحقيقي لإسرائيل وهوية المنطقة العربية"، صحيفة العالم، بغداد،   
        www.alaalem.com/index.php?aa=news&id22=6926 تم الدخول بتاريخ 2- 10 – 2010 .

[51]  سلام الربضي،" إسرائيل والمقاضة الإستراتيجية "، صحيفة الرأي، عمان، 22-11-2010 .

[52]  بالمنظور الإسرائيلي لا يمكن معالجة مسألة اللاجئين العرب عام 1948 دون أن الأخذ بالحسبان عدداً مماثلاً من اللاجئين اليهود الذين طردوا من الدول العربية، فمن وجهة النظر الإسرائيلية جرت عملية تبادل سكاني بين الدول العربية، ودولة إسرائيل: العرب هربوا خوفا من الحرب، بينما طرد اليهود من الدول العربية في أعقاب تلك الحرب. راجع بنيامين نتنياهو،"مكان تحت الشمس"، مرجع سبق ذكره، صفحة281.

[53]  عفيفي رزق، "العرب في إسرائيل رؤية من الداخل"، مرجع  سبق ذكره.

  سلام الربضي،"مشروع اسرإئيل الجديدة أي إسرائيل اليهوديةwww.salamalrabadi.blogspot.com .

[55]  في مقابل موافقة إسرائيل والكونغرس الأمريكي  بعودة اللاجئين الفلسطينيين طبقاً للقرار 194 وتعويضهم .

[56]  مرزوق الحلبي، "عقدة الخوف لدى اليهود أكاليل غار وأكاليل زهور"، صحيفة الحياة، بيروت،3-3-2008.

[57]  نبيل خليفة،" الاستراتيجيون الإسرائيليون نحو حلول جذرية تبادل الأراضي والسكان والترانسفير"، مجلة الوسط السياسي، بيروت،2005
[58]   محمد جابر الانصاري، "لا مخرج للعرب إلا بامتلاك مقومات القوة"،صحيفة الحياة، بيروت، 18-1-2008.

[59]   نايف جواتمة، "فلسطين أمام الاستراتيجية الأميريكية وتقاطع الأهداف مع الكولونيالية الصهيونية"، صحيفة الحياة،12-2-2008

[60]  السيد ولد أباه، منير شفيق،"مستقبل إسرائيل"، دار الفكر، دمشق،2001، صفحة 189.

  ماجد الشيخ، "الحلول العنصرية في البازار الانتخابي الاسرائيلي"، صحيفة الحياة، بيروت، 31-1-2009.

[62]  سلام الربضي،" إسرائيل والمقاضة الإستراتيجية "، صحيفة الرأي، عمان، 22-11-2010 .


المراجع

الكتـب

1-    1- أباه ولد السيد، شفيق منير،" مستقبل إسرائيل"، دار الفكر، دمشق، 2001.
2-      إسماعيل عباس،"عنصرية إسرائيل. فلسطينيو 48 نموذجاً"، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت،2008.
3-     بشارة عزمي،"من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية"، دار الشرق، القاهرة، 2005.
4-  بشارة عزمي،"العرب في إسرائيل رؤية من الداخل"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2008.                                                                                                                                     
5-    غانم اسعد، مصطفى مهند،"الفلسطينيون في إسرائيل:سياسات الأقلية الأصلية في الدولة الأثنية"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، رام اللة،2009.
6-    كيوان مامون ،"اليهود في الشرق الأوسط"، الأهلية للتوزيع والنشر، عمان،1996.
7-    محمود خالد،"آفاق الأمن الإسرائيلي"، مركز الزيتونة للدراسات، بيروت،2007.
8-    نتنياهو بنيامين،" مكان تحت الشمس"، دار الجيل، طبعة ثالثة، عمان،1997.
9-     " التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2009"، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت،2010.

الدوريات

-2  سلام الربضي،" القلق الوجودي الدائم لنظرية الغالبية اليهودية"،مجلة صوت العروبة،واشنطن،13-9-2010. 
2- نبيل خليفة،"الاستراتيجيون الإسرائيليون نحو حلول جذرية تبادل الأراضي والسكان والترانسفير"، مجلة الوسط السياسي، بيروت، 2005.

المقالات
1- نايف جواتمة، "فلسطين أمام الاستراتيجية الأميريكية وتقاطع الأهداف مع الكولونيالية الصهيونية"، صحيفة الحياة،12-2-2008
2-  جوني منيَر، "إسرائيل باشرت حملة ديبلوماسية لإلغاء حق العودة"، صحيفة الديار,بيروت،4-1-2010.
3-    رغيد الصلح، " كم فلسطينياً يجب أن تقتل إسرائيل كي تشعر بالأمن"، صحيفة الحياة، بيروت، 22-1-2009.
4- عفيفي رزق،"العرب في إسرائيل رؤية من الداخل"، صحيفة الحياة، بيروت، 5-11-2008.
5- مرزوق الحلبي، "عقدة الخوف لدى اليهود أكاليل غار وأكاليل زهور"، صحيفة الحياة، بيروت،3-3-2008.
6-   أحمد جابر،"أي مستقبل ينتظر إسرائيل دولة ومجتمعا"ً، صحيفة الحياة، بيروت،6-1-2005.
7-    مرزوق الحلبي، "جولة بوش والعبث بالجغرافيا لغرض الإمساك بالديمغرافيا"، صفحة الحياة،21-8-2008.
8- نبيل السهلي، "إسرائيل عشية انتخاباتها العامة"، صحيفة الحياة، بيروت، 3-2-2009.
9- مرزوق الحلبي، "غزة والإخفاق في قراءة الداخل الإسرائيلي"، صحيفة الحياة، بيروت، 11-1-2009.
10-  سليم نصار،" أشكول يطلب نقل اللاجئين إلى العراق وإقامة دولة درزية في سورية"، الحياة، بيروت،1-7-2006. 
11-  مايكل فيشباخ،" أسرائيل تطالب العراق بتعويض اليهود"، صحيفة معاريف الاسرائيلية،16\5\2003.
12- عيد بن مسعود الجهني، "ماذا وراء المطالبة بالتعويض ليهود أرض الكنانة"، صحيفة الحياة، بيروت، 1-5-2008.
13- ماجد الشيخ، "الحلول العنصرية في البازار الانتخابي الاسرائيلي"، صحيفة الحياة، بيروت، 31-1-2009.
14- محمد جابر الانصاري ، "لا مخرج للعرب إلا بامتلاك مقومات القوة"،صحيفة الحياة، بيروت، 18-1-2008.
15-  فاضل المسعودي،" لماذا عرض ليبيا تعويض اليهود على رغم أنها غير مسؤولة عن تهجيرهم"، صحيفة الحياة، بيروت، 14-4-2004.
16- سلام الربضي،"إسرائيل والمقاضة الإستراتيجية الإسرائيلية"، صحيفة الرأي، عمان، 22-11-2010.

الصحف والمجلات

1- صحيفة معاريف الإسرائيلية. 2- صحيفة هارتس الإسرائيلية. 3- صحيفة الرأي ،عمان .
4-  صحيفة الحياة، بيروت. 5- صحيفة الديار، بيروت. 6- مجلة صوت العروبة، واشنطن.
7- مجلة الوسط ،  بيروت. 8- صحيفة العرب، لندن. 9- صحيفة العالم ،  بغداد.

مواقع على الانترنت







2011-01-28

الدول النامية والاستثمار المباشر وإشكالية الأولوية في التغيير ج3







سلام الربضي | باحث في العلاقات الدولية.
منبر الحرية بالتعاون مع معهد كيتو | الولايات المتحدة الأمريكية
27 | 1 | 2011.

من الخطأ أن يصبح جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة هدف بحد ذاته، بل من الحكمة أن تسخّر الدول النامية إمكانياتها للاستفادة من تلك الاستثمارات في إطار سياسات التنمية الشامل. ولكن لا يمكن تحديد السياسات العامة الأكثر فعالية لتحقيق تلك الاستفادة بشكل مطلق، بل من الضروري استخلاص العبر من تجارب بعض الدول في هذا الصدد مع الأخذ بعين الاعتبار توخي الحذر عند التطبيق، من منطلق أن لكل بلد إطاراً اقتصادياً وتاريخياً وجغرافياً وثقافياً وسياسياً يختلف عن الآخر.

إن عملية جذب الدول للشركات للاستثمار المباشر، تختلف من الدول الغنية إلى الدول النامية، حيث تعمل الدول المتقدمة على تقديم ما يعرف بالهبات المباشرة في كثير من الأحيان. بينما تلجأ الدول الفقيرة إلى حوافز تخفيض الضرائب. كما أن هنالك ترتيبات تفضيلية، مثل اتفاقيات الاتحاد الأوروبي مع كثير من الدول والتي تعرف بأسم اتفاقيات الشراكة، وكذلك مبادرة الولايات المتحدة الأمريكية لحوض البحر الكاريبي. وأيضاً قانون النمو والفرص في افريقيا الصادر عن الولايات المتحدة. ولكن يجب النظر دائماً إلى مثل تلك الترتيبات على أساس أنها منفذاً مؤقتاً وليس دائماً.

التحدي الأكبر يكمن في إمكانية تحقيق تلك الحوافز الفوائد المرجوة؟ وهل يؤدي ذلك إلى خطر إنفاق الأموال العامة؟ وهل هناك خطر من مدى القدرة على ضمان بقاء تلك الشركات في البلد المضيف؟ومن يضمن بقاءها في حال انتهاء الحوافز أو توقفها؟ أو في حال لم يعد بإمكان الشركات الاستفادة من الترتيبات أو التفضيلات الممنوحه للدول من أجل تشجيعها؟

ومن الممكن استغلال منافع الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تضطلع به الشركات عبر الوطنية استغلالاً أكبر، فلقد بدأت التكنولوجيا تتغير، والعمليات والوظائف قابلة للتجزئة بصورة متزايدة، والحدود الفاصلة بين ما هو داخلي وما هو خارجي للمؤسسات تتبدل. والتحدي الذي تواجهة البلدان التي ترغب بالتطور والتقدم هو كيفية الاستفادة من تلك الشركات استفادة أكبر، وهنا تظهر أهمية السياسات العامة المعتمده من قبل تلك الدول.

ومقدار النجاح الذي يحققه البلد المضيف للاستثمارات أصبح يعتمد على قدرة البلد على تطوير القدرات المحلية، والدول الأكثر نجاحاً في مجال استقطاب الشركات عبر الوطنية هي التي لجأت إلى اتباع نهج ثنائي يستند إلى تنمية القدرات المحلية مع استهداف الموارد والأصول للشركات . والصين تعتبر من أكثر الدول المعتمدة على هذا النهج في استراتيجيتها لجذب استثمارات الشركات عبر الوطنية. 

ومن عناصر هذا النهج :

·        توافق ما هو مستهدف في تشجيع الاستثمار مع الاستراتيجات الإنمائية والصناعية الأوسع نطاقاً للبلد المعني.
·        توفير رزمة من الحوافز بطريقة مركزة لتشجيع الشركات عبر الوطنية على الاستثمار في الأنشطة الرئيسية.
·        إشراك الشركات المنتسبة في تطوير ورفع المستوى المهني والتكنولوجي للموارد البشرية.
·        بنية رفيعة المستوى من قبيل مناطق التجهيز والمجمعات العلمية والمدن الصناعية بالإضافة إلى المناطق الحرة.
·        توفير الدعم الهادف للشركات المحلية للانخراط في العملية الإنتاجية من خلال إدماجها مع الشركات وإعطاءها زمام المبادرة في التصدير.

إن قدرة الدول النامية على الاستفادة من الفرص الجديدة الناشئة عن التنافس بين الشركات يعتمد إلى حد كبير على ما تتخذه بنفسها من إجراءات بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى ما تقدمه الدول المتقدمة من مساعدات سواء على صعيد تطوير القدرات المؤسسية، أو إزالة الحواجز أمام صادرات البلدان النامية خاصة في ظل بيئة تنافسية عالمية تزداد حدة. كذلك من الضروري طرح دور منظمة التجارة العالمية، الذي من الممكن أن تلعبه لتشجيع الدول النامية على التصدير والحد من سياسات الحماية المتبعة من قبل الدول الصناعية، كسياسات الدعم والإعانات المتخصصة، والتدابير الوقائية التي تقوّض فعلاً الفرص المتاحة أمام البلدان النامية لاستغلال ميزتها النسبية على أتم وجه.

ولكن الخوف لا يزال مشروعاً فيما يتعلق بالمنافسة المحتدمة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية بين الدول التي قد تؤدي إلى سباق نحو الحضيض من حيث المعايير الاجتماعية والبيئية، وسباق نحو القمة من حيث الحوافز. فالتفاوت في الموارد المتاحة بين الدول الغنية والدول الفقيرة يضع الآخيرة في موضع ضعف.

الكثير من الأفكار والنظريات تعتبر أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتمثلة بالشركات هي من سلبت خيرات وإمكانيات الدول النامية وأنها تبحث فقط عن مصالحها الخاصة، وجعلت الدولة النامية أكثر تبعية لها. لكن في هذا السياق لا بد من التساؤل عن بعض التطورات الحاصلة في هذا الإطار :


هل كان بإمكان الصين الدولة العملاقة ودول أخرى كالهند وكوريا الجنوبية وإيرلندا تحقيق ما حققته في المجال الاقتصادي دون هذه الاستثمارات ؟
إذا كانت الدول النامية تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية فما هي طرق العلاج؟ وإذا كانت محصلة الأوضاع في كثير من الدول سيئة للغاية، فالحصول على شيء أفضل من لا شيء. فمصر لا تملك أية قدرة على مستوى صناعة السيارات، والآن تمتلك مصانع لتجميع سيارات "BMW" وما نتج عن ذلك من انعكاسات على المستوى التصدير، وخلق فرص عمل واكتساب خبرات ومهارات في مجال صناعة السيارات.

فهل كانت مصر قادرة على فعل شيء من ذلك دون الاستثمار المباشر الأجنبي لشركة "BMW" ؟؟؟

بغضّ النظر عن مصالح الشركات عبر الوطنية، وفي حال تمت مقاربة أبعاد الاستثمار المباشر من زاوية البعد السياسي وما يتركه من آثار هيمنة وسيطرة على اقتصاد الدول النامية، وما يرافقه من تأثير على القرار السياسي لتلك الدول، لا بد من تحديد أولويات التغيير إذا كانت نسبة الاستثمارات الأجنبية والصافية أي مجموع هذه التدفقات إلى البلدان النامية لا تتعدى حوالى 5% من التاتج المحلي الإجمالي لها.

وبالمقابل إذا علمنا أن نسبة الفساد الإداري تبلغ من إجمالي الناتج المحلي للدول النامية ما نسبته 5% وفقاً لتقارير الأمم المتحدة ؟ ألا تطرح هذه المقاربة إشكالية الأولوية في التغيير والإصلاح ؟



2011-01-16

العلاقات الدولية من الواقعية إلى ما بعد الإنسانية.






سلام الربضي باحث ومؤلف أردني في العلاقات الدولية.

مجلة مدارات استراتيجية العدد  السادس 2011 \ اليمن



الواقع العالمي يعبر عن مرحلة إنتقالية، تتميز بها معظم الملفات الدولية، إن لم نقل السياسة العالمية، والقضايا المطروحة عالمياً من الإرهاب، الأسلحة النووية، البيئة، الفقر، إصلاح الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، العولمة ...الخ كل تلك القضايا تجعلنا نتساءل عن الواقع النظري المفسر لقضايا العالم؟

لقد بتنا نشهد تحولات عميقة في بنية المجتمع العالمي، حيث انتقلنا من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة، بالترافق مع صعود ما يسمى باقتصاد المعرفة، بالإضافة لإنتقالنا من الثنائية القطبية إلى الأحادية النسبية، والإنتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ولقد انتقلنا أيضاً من مفهوم مجتمع الأمن النسبي إلى مفهوم مجتمع الخطر، خطرالتلوث البيئي،الإرهاب، جنون البقر،البذور المسرطنة،الاستنساخ، التقنيات الحيوية..الخ

من الواضح إن كل تلك المتغيرات والمعطيات على الصعيد العالمي تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية القائمة على نسق وتوازن دوليين. ويقصد بالنسق الدولي بإنه إنتظام آلي يعبر عن طبيعة العلاقة بين الدول، وهذه العلاقة خاضعة لنوع من التوازن تعبر عن واقع القوة. وما يميز تلك الطروحات النظرية إرتكازها على مبدأين :

1- مبدأ الدولة اللاعب الوحيد على الصعيد الدولي.

2- مبدأ القوة أي توازن دولي قائم على القوة المادية.

ولكن من خلال محاكاة الواقع العالمي المعاصر، نجد أنه أصبح زاخراً بكثير من التطورات وعلى كافة الأصعدة، الذي يلزمنا التوقف عند بعض المعطيات التي يمكن التعبير عنها بالسؤالين التاليين :

هل ما زالت الدولة وحدها القادرة على تحديد العلاقات الدولية؟

هل يمكن تحليل هذا الواقع المستجد من خلال الإرتكاز على معيار القوة المادية فقط؟

أولاً، على صعيد الدولة :

إن أكبر إشكالية مطروحة في عصر العولمة هي جدلية العلاقة بين الدولة والعولمة، لدرجة أن كثيراً من النظريات تبشر بزوال الدولة أو تآكل وأفول مكانتها. وكثير من القضايا التي تجعل من مقولة ' الدولة اللاعب الوحيد في العلاقات الدولية' هي موضع تساؤل؟ سواء على صعيد الفاعلين، أم من باب طبيعة القضايا العالقة، فهناك تزايد لنفوذ فاعلين غير دوليين أصبحوا محددين رئيسيين للعلاقات الدولية كالمنظمات غير الحكومية، الأفراد ، الشركات عبر الوطنية، المؤسسات الإعلامية.

تأكيداً على هذا الوضع يمكن مراجعة ومتابعة الكثير من الأحداث منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين كمفاوضات جولة الدوحة لـ ' منظمة التجارة العالمية' لنرى تأثير المجتمع المدني، والاتفاقيات الدولية كـ ' حظر الألغام' 1997، التنوع البيولوجي ' 2000'، ' كيوتو' للبيئة 1998.وحملات الغاء ديون الدول الفقيرة. وكذلك تأثير الشركات عبر الوطنية في الاقتصاد العالمي، يعكس واقع طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة. كما إن القضايا العالقة او المشكلات الدولية تهم العالم كله، ولم تعد وقفاً على الدول بذاتها. وطبيعة تلك القضايا أو الظواهر، خرجت عما هو مألوف في العلاقات الدولية، فمثلاً مشاكل البيئة هي مشكلة بين الإنسان والطبيعة. وليست مشكلة بين الدول، وذلك من خلال التشخيص الدقيق لتلك الظاهرة.

وفيما يتعلق بظاهرة الإرهاب، فنحن أمام وقائع تتم ليست على أيدي دول، إنما على أيدي منظمات أو شبكات أو أفراد غير معروفة العنوان أو الهوية. أو حتى ليس لها مركز واحد لصنع القرار. وبالتالي فنحن أمام علاقات دولية جديدة لا تزال في طور الإكتشاف، وهذا النوع من العلاقات يتناقض مع منطق العقل التقليدي، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم الدولة التقليدي. بالإضافة إلى التغيير الذي يحصل في مواجهة تلك الظاهرة، ومن هنا تأتي إشكاليات تعريف الإرهاب والعدوان.

وبنظرة للواقع العالمي، نرى أنه حدث تحول كبير لمفهوم الأمن الجماعي أو العالمي، بحيث لم تعد النظرة الكلاسيكية المرتكزة على تحقيق أمن الدولة الأمن السياسي بالمعنى الضيق، هي التي تحكم واقعنا، بل أصبح مفهوم الأمن الإنساني بجميع أبعاده الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، هو السائد في عصرنا الحاضر. فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات بل بمدى الاستجابة للحاجيات الأساسية للإنسان.

وأصبح مفهوم التنمية المستدامة اكثر رواجاً وهو الذي يحاول التوفيق بين تلك الحاجيات الأساسية للإنسان، وبين قدرة البيئة على تلبيتها، وفقاً لمبدأ المحافظة على إمكانات أرضنا من أجل إستفادة أحفادنا منها. بنية المجتمع العالمي المعاصر تضعنا أمام تساؤل حول نظرية الواقعية في العلاقات الدولية، فالواقعية ترى العالم على هيئة نظام تهيمن عليه الدولة، وهدف هذه الأخيرة تحقيق الأمن والقوة والسلم. لكنها اليوم لم تعد هي محور النظام وحدها، وأمام هذا الواقع نجد انفسنا أمام حالتين :

1- حال تخضع لدوافع تقليدية في البحث عن القوة والمصالح والسيادة.

2- حال تخضع لدوافع الاستقلالية وتجاوز الدول.

ثانياً، على صعيد القوة:

المشكلة لا تكمن في مدى أهمية القوة في السياسة العالمية، وإنما حول إمكانية تفسير أنماط القوة وأشكال إستمرارها بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية فقط .أم يجب أيضاً، التركيز وإدراج الجوانب الثقافية عند التحليل؟ 

 فالتفاعل على المسرح الدولي هو تفاعل ثقافي وليس تفاعلاً مادياً فقط، فإذا اخذنا أكثر القضايا سخونة على المستوى العالمي كالإرهاب، الأسحلة النووية، البيئة، لا يمكن إيجاد مقاربة نظرية لها، بعيداً من البعد الثقافي سواء في تحليلها أو حلولها. فقضية الأسلحة النووية لم تعد مطروحة من منطلق وجود الأسلحة النووية بحد ذاتها، إنما الأهم في كيفية فهم وجود هذه الأسلحة ؟؟؟ 

فالولايات المتحدة لا تقلق كثيراً من إمتلاك دول مثل بريطانيا أو فرنسا للأسلحة النووية، على عكس موقفها من إيران أو كوبا، أو ليبيا أو كوريا الشمالية. كما إن قضية الإرهاب منذ احداث 11 أيلول تعطي دلالات جديدة ليس أقلها التعبير عن إنبثاق الثقافة كعامل أساسي في تحليل وتحديد العلاقات الدولية. والعولمة بالمفهوم الواسع أصبحت مسكونة بهاجس التعايش الثقافي، لا بالاقتصاد والتكنولوجيا فحسب، فنحن أمام مفهومين نقيضين :

1- مفهوم الأمبريالية الثقافية ويقصد بها حصراً ' الأمبريالية الثقافية الأميركية'.

2- مفهوم الأصولية الثقافية، ممثلة بالأصوليات الدينية، كالأصولية الإسلامية اليوم, كما الأصولية الأرثوذكسية البارحة والكاثوليكية من قبلها.

وبالتالي فإن مسألة الإرهاب لا يمكن إيجاد مقاربة لها وفقاُ لمبدأ القوة المادية ( التوازن).

وفي ما يخص مسألة البيئة والتنمية المستدامة، فإنها تطرح وبإلحاح مسألة القيم وتحولاتها، فلم تعد القضية تقف عند حدود الدول بل أصبحت مرتكزة إلى الإنسان بذاته. فالبيئة ومخاطرها تعكس علاقة الإنسان بأرضه، وقضايا التنمية المستدامة والفقر، فلم يعد بالإمكان إيجاد حلول لها على صعيد الدول فقط. والمسألة ليست مطروحة عملياً وعلمياً بين دول غنية ودول فقيرة، بل بين إنسان فقير وآخر غني.

تقارير الأمم المتحدة زاخرة في تحليل هذا الواقع، كما إن التنمية المستدامة قائمة على هاجس السؤال الآتي :

كيف يمكننا وضع حد لانتهاك الموارد القائمة الذي قد يقضي نهائياً على إمكانيات التنمية المستدامة؟

وهل يمكن حدوث ذلك للحفاظ على حظوظ الآجيال القادمة، من دون عقد ثقافي أخلاقي؟

وما هي السبل التي نملكها لمواجهة متطلبات أخلاقية وإنسانية تتضمن إطاراً عاماً للأمن البشري؟

البعد الثقافي أصبح في صلب التحولات العالمية، وإستدعاؤه في التحليل ضروري لفهم هذه الديناميات الجديدة التي يتحول بها العالم. وإذا كانت العلاقات الدولية قائمة على المصالح وستبقى كذلك في كثير من المجالات، ولكن لا بد من دراسة المثل وهويات الدول وليس فقد المصالح، فالهوية تعبر عن الواقع الاجتماعي( من هم الفاعلون)، أما المصالح فتعبر عن الرغبة وعن ماذا نريد. بالتالي فالهوية تسبق المصالح، حيث الشخص لا يمكن أن يحدد ما هي رغباته وأهدافه ومصالحه من دون معرفته هويته من هو أولاً.

إن التحديات العالمية الجديدة، تتطلب أجوبة جديدة، أي علينا أن نعرف ما إذا كان العالم الجديد الذي ترسم ملامحه، يفترض منا إعادة تقويم جذرية للعقود الاجتماعية التي تشكل عماد مجتمعاتنا المحلية والعالمية؟ 

وتلك التحولات الشاملة تستوجب جهداً إضافياً على الصعيد النظري، فهل نحن في حاجة لنسق فكري جديد؟

من الواضح أن الإنساق الفكرية المغلقة على طراز مقولة أن ' الماركسية' هي الحل أو أن 'الرأسمالية' هي الحل، وأيضاً من يقول بأن ' الإسلام' هو الحل، هذه الإنساق المغلقة، لم تعد أبواب عالمنا المعاصر مفتوحة لها، كما إن الثنائيات الزائفة التي سادت القرن العشرين، أما الرأسمالية أو الماركسية، أما القطاع العام أو القطاع الخاص، أما العلمانية وأما الدين، أيضاً كلها سقطت إمام دينامية الواقع الحالي. لقد انتقلنا، ولا مجال للشك، إلى مرحلة الإنساق الفكرية المفتوحة، وجديدها الأهم, هو أنه سيحصل تركيب بين عناصر متضادة ما كان يمكن الظن يوماً إنه يمكن أن تتركب منها أطروحة واحدة.

هذه الأطروحة التي تجنح نحو القول بأن تفكيك الإنساق المغلقة يستبقه تشكيل'منظومات', تجتمع فيها عناصر متضادة لم يكن يحسب يوماً لها أن تجتمع. ألا تستحق التجربة الصينية التوقف عندها؟ فإن واقع الصين الراهن، وكيف تتجاوز وتتعايش الرأسمالية في أكثر أشكالها تجلياً ووضوحاً في النظام الاقتصادي مع نظام سياسي شيوعي، إذ لم يكن يدور في ذهن أحد أن يقود هذا النظام عملية تنمية رأسمالية.

وهناك نموذج آخر ليس ببعيد عن عالمنا العربي، ألا وهو تركيا، فالإسلام التركي حيث تتجاور الفكرة العلمانية مع الفكرة الإسلامية، في مشهد سياسي لا تشهد فيه إضطراباً أو تنازعاً أو تضاداً أو تجافياً ما بين الفكرين. ونحن في إنتظار عامل الزمن الذي سوف يحكم على تلك الإنساق المفتوحة التي سيكون لها التأثير الكبير، على الصعيد النظري المفسر لقضايا العالم، كما بالنسبة لتجديد موازين القوى في العلاقات الدولية.

لقد إعاد القرن العشرين النظر في ثوابتنا اليقينية في ما يتعلق بالمجتمع والتاريخ والإنسان والقيم. وإذا كانت العلمانية حاولت أن تكون البديل عن إخلاقيات الديانـات الكبرى ( العلم، التقدم، التحرر، الإنسانوية). لكن على ما يبدو فإن تطور العلم والتكنولوجيا وهو العامل الحاسم وغير المتوقع، والذي لا يمكن كبح جماحة في التغيير، يهدد مستقبلنا ويؤدي بنا إلى إنسانية لا نعرف ماهيتها .

فهناك كثير من النظريات التي تحاول ملء الفراغ الفكري لعالمنا المعاصر، منها نظرية نهاية التاريخ، نظرية صراع الحضارات، نظرية ما بعد الحداثة، ولكن قد يكون أخطرها نظرية يحلو للبعض أن يطلق عليها تسمية 'ما بعد الإنسانية'. فلقد دخلنا مرحلة تطور ثوري لعلوم الحياة خصوصاً ' البيوتكنولوجيا'، مما سينتج تحولات جذرية في حياة الإنسان, تتيح في الأساس إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية. لندخل بذلك مرحلة تاريخية يكون لها تأثيرات إجتماعية، أخلاقية، سياسية، اقتصادية جذرية.

فهل في المستقبل القريب علينا أن نواجه خيارات أخلاقية في الثورة البيوتقنية أي في مجال التقنيات الحيوية ومنها الهندسة الوراثية؟

والسؤال الذي يطرح هو: 

إلى أي حد يمكن إستعمال التكنولوجيا لتحسين الخصائص الوراثية؟

وإذا كانت تلك الأبحاث قائمة على إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية، فجدليات عديدة فلسفية وسياسية سوف تطرح حول العديد من المفاهيم الأساسية :

أ- المساواة بين البشر.


ب- القدرة على الاختيار الأخلاقي.


ج- تغيير إدراكنا وفهمنا للشخصية والهوية الإنسانية.


د- التأثير في وتيرة التطور الفكري والمادي، وفي السياسة العالمية بصفة عامة.

وقد يكون أخطر ما في جعبة تلك الثورة ' البيوتقنية' هو أنها تزيد من الهوة الموجودة بين المجتمعات والأفراد، الأغنياء والفقراء، حيث بإمكان الأغنياء توظيف ثرواتهم للتحكم في الجينات، وإعادة الهندسة الوراثية لهم ولأولادهم. وبالتالي فإن التحولات ' البيوتقنية' قد تزيد من حدة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء، بحيث تضاف إلى الهوة الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والرقمية، هوة بيولوجية، ستكرس للامساواة على مستوى تكويننا البيولوجي.

إذاً مستقبلاً نحن أمام عالم ' ما بعد الإنسانية' سيكون أكثر تراتبية ومليئاً بالصراعات الاجتماعية. ولا مكان في داخله لأي مفهوم حول ' الإنسانية المشتركة'، إذ سيتم تركيب جينات بشرية مع جينات أخرى، بشكل يجعلنا لا نعلم ما معنى وماهية الكائن الإنساني.

هذا الواقع المستجد الذي يعبر عن ملامح مجتمعنا العالمي، وتحديداً من منظور فن التساؤل حول الواقع النظري المفسر لقضايا العالم، لا يمكن أن يقتصر النقاش فيه حول ملامح هذا النسق الجديد، بل إن التحدي الجديد في زمن العولمة يكمن في :

كيف وما هي السبل لمواجهة هذا النسق الجديد؟

وهل تحمل النظريات التقليدية ومنها الواقعية في طياتها الإجابة؟

وإذا كان الطموح، هو نشوء نسق كوني من القيم, يحكم سلوك الشعوب والمؤسسات. فهل ستكون مسألة القيم وتحولاتها في صدارة الأسئلة الفكرية الراهنة والمستقبلية؟

وهل إنتقل التركيز والاهتمام في تحديد العلاقات الدولية، من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية إلى العوامل الثقافية، كقوة مؤثرة ودافعة في الشؤون الدولية؟

وإذا كانت المسافة الزمنية لملامح هذا النسق الجديد لم تتجاوز 20 عاماً، وهي مدة، وفقاً للمنهج التاريخي، لا يمكن أن تعطي دلالات ثابتة يمكن البناء عليها، فهل نكون سقطنا في فخ إشكالية الاستعجال في ملء الفراغ النظري المفسر لقضايا عالمنا المعاصر ؟؟؟؟؟

2011-01-12

مشروع مارشال دروس وعبر للتاريخ






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية

الاوضاع الاقتصادية عند نهاية الحرب العالمية الثانية فرضت نفسها وكان لها تأثير كبير في التطورات اللاحقة للنظام الاقتصادي العالمي. ولقد ظهرت هذه الاحداث عندما وضعت الحرب أوزارها ولم تكن مطروحة في السابق، ولهذه الاحداث أثر كبير في اتجاهات السياسات الاقتصادية اللاحقة وهي تمثل مع المؤسسات الدولية المنشأة نقطة بداية للنظام الاقتصادي المعاصر.

بعض المعطيات فرضت نفسها وكان لها تأثير في التطورات الاحقة للنظام الاقتصادي العالمي ومنها : إعادة التعمير، وقضايا النمو الاقتصادي. ومن الواضح أن حلفاء الحرب قد استفادا من الدروس السابقة وخاصة على مستوى كيفية التعاطي مع الخصم المهزوم وعدم إعادة تجربة فرض عقوبات على الدول المنهزمة كما حدث مع ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى. بالإضافة إلى الخراب وحجم التدمير الكبير الذي حل بروسيا وألمانيا واليابان الذي يتطلب استثمارات هائلة لاستعادة النشاط الاقتصادي. كما أن الحرب جاءت بعد ذلك بخطر جديد كان لا بد من مواجهته، وهو خطر الشيوعية الذي بات يهدد أوروبا المنهكة من الحروب.

أن هذه الظروف الصعبة واستمرار الاوضاع الاقتصادية المنهارة لأوروبا هو بمثابة تدعيم للحركات الشيوعية التي وجدت في تلك الظروف المناخ الملائم لدعوتها، ومن هنا كان التحرك الأمريكي وأخذ زمام المبادرة من خلال ما يعرف بمشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا اقتصادياً. بما فيها الدعوة أيضا الى الاتحاد السوفيتي للمشاركة، ولكن قد لا تكون هذه هي الاسباب الوحيدة وراء مشروع مارشال، ذلك أن الاقتصاد الأمريكي كان بحاجة لهذا المشروع خاصة أن الاقتصاد الأمريكي منذ 1929 يعاني ركود وجاءت الحرب لتنعش الاقتصاد الأمريكي حيث أضافت طاقة إنتاجية كبيرة .

وعلى عكس معظم الدول المحاربة التي اضطرت إلى تحويل جزء من اقتصادها المدني إلى المجهود الحربي، فقد نجحت الولايات المتحدة في أن تضيف إلى طاقاتها الإنتاجية طاقات جديدة لأغراض الحرب دونما أي تأثير ملموس في إنتاجها المدني القائم. وبعد نهاية الحرب، بدأت تصفية اقتصاد الحرب، وظهرت مخاوف الانكماش من جديد حيث كان لا بد من تحويل الموارد المستخدمة للأغراض العسكرية إلى الاغراض المدنية. بالاضافة إلى أن خروج أوروبا محطمة من الحرب أضعف كثيراً من قدرتها على الاستيراد من الولايات المتحدة. ومن الواضح، أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب باقتصاد قوي جداً، مقابل عالم بالغ الضعف، من حيث القدرة على الإنتاج والتبادل، ومن هذا المنطلق كانت الدعوة إلى تعمير أوروبا خدمة للاقتصاد الامريكي.

وعلى الرغم من التجاذب ما بين البعض الذي يرى أن هذا المشروع قد حقق نجاحاً لا مراء فيه، والبعض الاخر الذي يرى أن سبب نجاح هذا المشروع يعود بالدرجة الأولى إلى القدرات الأوروبية، فأن هذا المشروع كان بمثابة النواة التي ساعدت على توجيه التطورات الاقتصادية اللاحقة لأوروبا في اتجاهات حرية التجارة والتعاون الإقليمي، والآخذ باستراتيجية النمو الاقتصادية.

أهمية مشروع مارشال تكمن بما ترتب على تنفيذه من توجهات في السياسة والمؤسسات الاقتصادية، حيث كان من الممكن للدول الأوروبية أن تتجه نحو الاّخذ بسياسات التقييد والرقابة التي عرفوها أثناء الحرب. ولكن جاء المشروع قائماً على أساس النظام الاقتصادي العالمي القائم على حرية التجارة وحرية انتقال رؤوس الاموال .





For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com