2010-09-03

التآكل في العلاقات التركية الإسرائيلية واستبعاد التغيّر الاستراتيجي





إعداد: سلام الربضي، باحث في العلاقات الدولية [1]  

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات \ بيروت
1 \ 9 \ 2010


العلاقات التركية الإسرائيليّة تشهد في هذه الفترة الخطيرة حالة من التوتر[2]، رغم المحاولات من أجل تصفية الخلافات القائمة. وقد كشفت العلاقات المتوترة بين البلدين عن نفسها بصورة واضحة عندما اتهمت تركيا إسرائيل بممارسة "إرهاب الدولة" ضد الفلسطينيين. وبالطبع فإنّ هذا الاتهام عكس التوتر في العلاقات بين البلدين خاصة بعد حرب غزة، والانتقادات التركية أصبحت أكثر حدّة تجاه إسرائيل منذ احتلال العراق، لتعبّر عن الاستياء التركي من السّياسة الإسرائيليّة في العراق وفلسطين ولبنان[3].
وتثير تركيا في حركتها الناشطة إقليمياً لتصفية الخلافات وعقد التفاهمات، أسئلة متباينة الاتجاهات من قبيل:


- هل تركيا تسعى إلى محور إستراتيجي إقليمي يجمعها بسوريا وإيران ويبعدها عن إسرائيل؟

- هل خيار تركيا الاستراتيجي قائم على رغبتها في تراكم الإحلاف للتقدم إستراتيجياً ؟

- هل تكون الحركة التركية الجديدة منسقة وغير بعيدة عن الإستراتيجية الأميركية مع الاحتفاظ بقدر من الحرية للمناورة في الجزئيات والتفاصيل؟

تساؤلات تطرح ولا تكون الإجابة عليها ممكنة إلا انطلاقاً من التذكير بمسلمات أساسية وتحليل الوقائع مما يساهم في فهم المشهد المستجد في العلاقات الإقليمية التي تنسجها تركيا واثرها على الإستراتيجية الإسرائيلية. 

المبحث الأول: كردستان العراق ولعبة تبدل المصالح والأثمان


تركيا تجد أنّه كلما ازداد التغلغل الإسرائيلي في العراق وتحديداً شمالاً فإنّ ذلك سوف ينعكس سلباً على المستوى الأمني والسّياسي وعلى دورها الإقليمي. والمصالح الإسرائيليّة في شمال العراق المتمثّلة بدعم الأكراد تأتي من منطلق احتواء الخطر على وضع إسرائيل الإستراتيجي؛ فإسرائيل تشعر بالدّرجة الأولى بأنّّّها مهدّدة من إيران سواء على صعيد برنامج التسلح الإيراني أو تعزيز إيران لموقعها الإقليمي، وتحاول من خلال الورقة الكرديّة إيجاد توازن إستراتيجي مع النفوذ الإيراني في جنوب العراق.

وإذا أردنا معرفة مدى تغلغل النفوذ الإسرائيلي في شمال العراق، فما علينا فعله سوى تتبع مسار العلاقات التركية الإسرائيليّة في الآونة الأخيرة، حيث أصبحت تركيا تنظر باستياء شديد لمدى تدخل وتكثيف الوجود الاستخباراتي العسكري والاقتصادي الإسرائيلي في شمال العراق. وهذا ما قد صرّحت به الحكومة التركيّة على لسان رئيس الوزارء التركي أردغان منذ احتلال الولايات المتحدة للعراق. 

ولقد تمّ نشر الكثير من التقارير التي تحدّثت عن قيام إسرائيل بتدريب الميليشيات الكرديّة في شمال العراق، وتورّطها في عمليّات سرّيّة بدول مجاورة ممّا أدّى إلى مزيد من التوتّّر في العلاقات التركية الإسرائيليّة. ورغم نفي كل من إسرائيل والقيادات الكرديّة في شمالي العراق لهذه التقارير، فإنّ تركيا لم تقتنع خاصة مع ورود تقارير أخرى أشارت إلى قيام إسرائيل بإرسال عملاء لها داخل إيران للحصول على معلومات عن برنامجها النووي[4].

حقيقة المصالح الإسرائيليّة في دعم الأكراد تأتي من منطلق تشتيت القرار السياسي والأمني القومي في العراق، وتوزيع الامكانيّات الاقتصاديّة والعسكريّة على أكبر عدد ممكن من الجبهات لتبقى الجبهة الشرقيّة لإسرائيل أكثر أمنا. وتحاول إسرائيل من خلال التغلغل في شمال العراق سدّ الفراغ السياسي والأمني في حال لم تستطع الولايات المتحدة الأميركيّة السّيطرة على العراق أو فشل مشروعها فيه. ومن هذا المنطلق يجب على إسرائيل أن تبحث عن خيارات وبدائل استراتيجيّة لها تحسّباً لأيّ مستجدّ، وهو ما تجده في كردستان شمال العراق [5].

ومن منظور إستراتيجي أمني وسياسي، فإنّ التواجد الإسرائيلي في شمال العراق يعتبر بمثابة ورقة ضغط على كلّّ من سوريا وتركيا وإيران، وخاصّة على المستوى العسكري والأمني حيث أصبحت عملية التجسّس الإسرائيليّة من خلال الأجهزة المتطوّرة أكثر خطورة على تلك الدّول أو من خلال ما يمكن القيام به على صعيد اللّعب بالورقة الكرديّة سياسياً. وتنامي الدّور الإسرائيلي عبر البوابة الكرديّة، والدّور الإيراني عبر البوابة الشيعيّة، يعني أنّ اسرائيل وإيران هما اللاعبان الأساسيّان في العراق بعد الولايات المتحدة [6].

إسرائيل تعمل في شمال العراق وفقاً لما يخدم مصالحها، ومن الطبيعي أن تكون متضاربة مع المصالح التركية فهل سينعكس ذلك على التحالف الاستراتيجي التركي الإسرائيلي؟ وهل هذا الواقع سوف يجعل الولايات المتحدة الأميركيّة مضطرة للاختيار ما بين مصالح إسرائيل في شمال العراق وبين تركيا، حليفتها الإستراتيجيّة؟

دائماً تطرح فكرة أن أمام أميركا خياراً واحداً فقط حين يتعلق الأمر بتركيا وكرد العراق، وهو أنه يجب أن تدعم تركيا على حساب الكرد. هذا الطرح يؤمن به كثيرون في تركيا والمنطقة عموماً والجدل حول هذا الموضوع لم يتوقف منذ قررت الولايات المتحدة إقامة الملاذ الآمن لكرد العراق في ربيع 1991 ودعمها الضمني لتحوله لاحقاً إقليماً لكردستان العراق خارج سلطة بغداد قبل أن يكتسب الإقليم الشرعية بموجب الدستور العراقي الذي أقرّه الشعب في استفتاء 2006، وهذا الجدل اكتسب طابعاً حاداً بعد رفض تركيا مرور القوات الأمريكية عبر أراضيها لاحتلال العراق[7].

من دون الخوض في إشكالية علاقة الولايات المتحدة مع الأكراد وتركيا، فمن الخطأ تأكيد صحة الافتراض القائل أن التحالف الأمريكي التركي يجب أن يعني دائماً ضمناً أو مباشرة، أنه على حساب كرد العراق [8]. وهذا لا يعني بالضرورة صحة افتراض معاكس مفاده أن مصلحة أميركا في التحالف مع الكرد على حساب تركيا. الأصح يتمثل في أن التحالف الأمريكي التركي يمكن أن يعزز أكثر المصالح الإستراتيجية لتركيا في المنطقة، إذا أصبح كرد العراق طرفاً ثالثاً فيه [9]. 

الأكيد أيضاً أن تحقيق الاستقرار والحدود الآمنة بين تركيا وإقليم كردستان يخدم مصالح العراق، إذا أخذنا بالاعتبار الانعكاسات السلبية التي يسببها أي توتر بين تركيا والإقليم الذي هو جزء من العراق على العلاقات بين العراق وتركيا. كذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة االتي لها مصالح مشتركة وبعيدة الأمد في العراق، ويهمها إقامة علاقات إستراتيجية بين العراق وتركيا.

ولكن هل تسمح حكومة إقليم كردستان لحزب العمال الكردستاني أن يقف عائقاً أمام تحالف ممكن مع تركيا وأميركا يخدم مصالحها على المدى البعيد؟

أن آفاق مثل هذا التحالف يستحق من إقليم كردستان العراق تفكيراً براغماتياً وجهداً حقيقياً، لإيجاد السبل الكفيلة بالوصول إلى هذا الهدف الإستراتيجي[10]. وهذه الرؤية تبقى مرتبطة بمقاربة إسرائيل لهذا الواقع على علاقتها مع الأكراد، وكيفية تقيّيم إسرائيل لما يجري في شمال العراق على مصالحها الإستراتيجيّة وأمنها القومي، وتحديداً ما بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني. كما أنّ الخطر الإيراني سيكون هو العامل الرئيسي في تحديد خيارات إسرائيل الإستراتيجيّة في تلك المنطقة. 

أنها قد تكون لعبة تبدّل المصالح والأثمان حيث تتخوف إسرائيل من قدرة إيران على الخروج من أزمتها النوويّة مع مجلس الأمن والولايات المتحدة الأميركيّة بأقل الأضرار، مما يترتّب على إسرائيل ضرورة اتخاذ قرارات قد تكون صعبة للغاية [11].

وفي هذا الإطار تحاول إسرائيل تحريض تركيا على إيران، معتمدة على ملف الدعم الإيراني لحزب العمال الكردستاني من أجل أن تلعب تركيا دوراً في تسهيل ضرب المنشآت النوويّة الإيرانيّة [12].

فمنذ توقيع الاتفاقية الإستراتيجية بين البلدين في عام 1996، كانت تسعى إسرائيل إلى تحقيق عدة أهداف إستراتيجيّة من جرّاء تعاونها الإستراتيجي مع تركيا، من أهمها الضغط على إيران حيث ترى إسرائيل فيها قوّة إقليميّة تشكل خطراً عليها في حال استطاعت إيران امتلاك القنبلة النّووية. بالإضافة إلى أنّ إيران تمتلك بنية عسكريّة متقدّمة وأسلحة دمار شامل وأسلحة كيماويّة. كما أنّّها دولة مصنّّّّعة للأسلحة وبالذّات الصّواريخ البالستيّة، يضاف إلى ذلك أنّ إيران هي داعم رئيسي للمقاومة في لبنان وفلسطين [13].

المبحث الثاني: السياسة التركية الجديدة كقوة ناعمة ومؤثرة في محيطها

منذ وصول الإسلاميين للحكم في تركيا تحاول الحكومة التركية القيام بجهود دبلوماسيّة بارزة لتدعيم العلاقات التركية مع العالم الإسلامي والعربي، والتي شابها الكثير من التوتر بسبب تنامي العلاقات الإسرائيليّة التركية [14]، حيث قامت أنقرة بتسوية خلافاتها مع سوريا وأصبحت هي الوسيط في مفاوضات السلام بين إسرئيل وسوريا كذلك عملت على توثيق علاقتها التجارية مع سوريا من خلال الغاء تأشيرات الدخول بين البلدين [15]. وعلى الرغم من التطورات الإيجابية التي أصابت العلاقة بين سوريا وتركيا في العقد الأخير من القرن الماضي وحتى اليوم. 

ولكن،هل يمكن القول أن البلدين قد تحررا من الصور والمدارك النمطية [16] التي كانت سائدة بينهما؟ وهل التقارب الحالي يوصلهما إلى مرحلة العلاقات الإستراتيجية القابلة للاستمرار؟ [17].

استشراف العلاقة بين الدولتين عمل محفوف بالمخاطر وبمثابة تأمل استباقي للمستقبل، لأسباب تتعلق بخلفيتهما التاريخية وسياستهما الخارجية، بالإضافة إلى البيئة الإقليمية والدولية وبيئتهما البينية. وتتركز العلاقات التركية السورية في الشؤون الإقليمية والدولية من دائرتي نشاط رئيسيتين هما: المنطقة العربية وما يربطها بالصراع العربي الإسرائيلي، والعلاقة بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية[18]. وأنّ الانفتاح العربي على تركيا قد ساعد على إعادة الدّفئ في العلاقات العربية التركية. ولقد جاءت الخطوة السّياسيّة والدبلوماسيّة العربية في تأييد وصول تركي لرئاسة الأمانة العامة لمنظمة العمل الإسلامي محاولة ناجحة نحو اعطاء تركيا دور على المستوى الإقليمي والإسلامي[19].

على الرغم من انزعاج إسرائيل كثيراً من العلاقات الإستراتيجية الجديدة بين تركيا وسوريا من ناحية وعلاقاتها المتميزة مع إيران والعراق من جهة أخرى، فإن تلك البلدان لم تحتج على طبيعة العلاقة بين تركيا وإسرائيل، ولم تضع علاقة تركيا وإسرائيل في الميزان[20]. وتركيا تسعى وبكل جدية لاحتلال موقع متقدم في الشرق الأوسط كانت قد افتقدته منذ قرن تقريباً، وهي تأخذ بعين الاعتبار النفوذ الإستراتيجي الأمريكي في المنطقة. 

وتركيا تراقب تطور الاوضاع وتعلم أن أميركا رغم دخولها المباشر عسكرياً إلى المنطقة منذ عقدين واحتلالها للعراق، فهي لم تستطع أن ترسي الاستقرار بالمنطقة وفي افغانستان. وتركيا في علاقاتها الخارجية تجاوزت خلافاتها التاريخية وخلافات جيرانها البينية، بدءاً من إيران والعراق وسورية حتى إسرائيل وأرمينيا وأذربيجيان واليونان، عبر شراكات وتفاهمات سياسية واقتصادية، فمثلاً سعت تركيا لتجاوز صراعها التاريخي مع أرمينيا عبر شراكات اقتصادية والتوسط في حل مشكلة إقليم ناكورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجيان[21].

تحاول إسرائيل إثارة الأكراد ودفعهم للمطالبة بدولة مستقلة على حساب الدول الثلاث، إيران وتركيا وسوريا، وإسرائيل تقدم مساعدات مختلفة لحزب العمال الكردستاني التركي. الأمر الذي عملت أنقرة على إحباطه، من خلال اتخاذ بعض المبادرات الإدارية والثقافية والاقتصادية لصالح الأكراد، وكان من آخر تلك المبادرات إنهاء الحبس الانفرادي لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وكذلك السماح لعودة بعض المقاتلين الأكراد لتركيا [22].

هذه السياسة الجديدة تحمي حدود تركيا من الأخطار المحتملة، وبخاصة النزعات الكردية الانفصالية، لإنقاذ وتفعيل دورها كقوة ناعمة ومؤثرة في محيطها، ولتحقق لها مصالحها التي تتجاوز أو تجاوزت بها أزماتها الاقتصادية التي سيطرت عليها لعقود. فالعثمانية الجديدة ليست أصولية ماضوية، قدر ما هي إعادة توجية للبوصلة الكمالية خارجياً وداخلياً بدرجة ما، عبر ضبط المسافة يبن المصالح المختلفة والمنافع المشتركة مع أطراف مختلفة ومتصارعة. وقد تكون هذه السياسة التركية المتبعة من قبل حكومة ذات أصول إسلامية، لم يبقى فيها من هذه الإسلامية سوى الضئيل الذي لا يرضي الإسلامية العربية ولو قليلاً، وهي قد تكون العلامة الأولى والأبرز في مرحلة ما بعد الإسلمة، بعد فشل الإسلام السياسي [23].

لا بد من طرح إشكالية الخيار الاستراتيجي لتركيا والمقاومة الفلسطينية اليوم مع بروز الدور التركي في المنطقة باعتباره رافعة للإسلام السني، في ما إذا كانت حركة المقاومة في فلسطين ستبقي على الرافعة الإيرانية؟ أم أنها ستجد في الحاضنة التركية الجديدة فرصة للقفز إلى الضفة المحاذية من النهر ؟ قد يرتبط ذلك الخيار الاستراتيجي على المدى البعيد، بتصور الأتراك أنفسهم لدورهم في منطقة الشرق الأوسط وأبعاده المختلفة، ومدى تفكير الحركة المقاومة باستدارة إستراتيجية في تصوراتها ومواقفها السياسية الكبرى[24].

لقد تصاعد الدور الإقليمي لتركيا في الشرق الأوسط وجاءت حرب غزة لتؤكد هذا الدور، وهي حلقة من حلقاته بعد رعايتها للمفاوضات السورية الإسرائيلية في العام 2008، وهي تعتمد بالأساس على التوازن، والقيام بدور الوسيط لا الطرف وعلى الشراكة مع أطراف الصراع. فهناك شراكة تركية مع سوريا في مجالات مختلفة، وأيضاً الشراكة العسكرية والاقتصادية مع إسرائيل مستمرة [25].


كما أن مواقف تركيا السياسية، وتتمتعها بميزات جغرافية، يؤهلها للأضطلاع بدور كبير في معالجة ثلاث نزاعات خطيرة، ارتسمت منذ أوائل عام 2009 وهي: غزة، والخلاف الروسي الأوكراني على الغاز. وتردي العلاقات الدولية المتصل بالمسألة النووية الإيرانية، ويمكن لتركيا على نحو حاسم الإسهام في إيجاد مخرج للمسائل المتفجرة كلها [26].

وقد يكون لتركيا دور على صعيد أزمة الغاز الأوروبي، حيث يمكن امداد الاتحاد الأوروبي بالغاز الروسي عبر مضاعفة طاقة نقل الغاز من تركيا إلى غرب أوروبا [27] أي طاقة مشروع "نابوكو". ولماذا لا يتم نقل الغاز الإيراني الإضافي إلى الغرب؟

فإذا كان بوسع غاز أذربيجيان بلوغ الأناضول ثم أوروبا من طريق جورجيا، فغاز تركمانستان وغاز كازاخستان بالأحرى يقتضي حلاً آخر [28]، وهذا يؤمن الاكتفاء الأوروبي من الغاز على ثلاث دعائم هي المغرب وأوراسيا الشمال السلافية وأوراسيا الجنوب التركية الإيرانية [29]. ومن أسباب الدخول التركي على خط الأزمة في المنطقة هو إرسال رسائل إلى أوروبا مفادها: أن الحضور والدور الإستراتيجي التركي المتنامي في الشرق الأوسط ستستفيد منه أوروبا، إن هي وافقت على ضم تركيا إلى ناديها. وتسعى تركيا لاسترداد مكانتها ودورها في العالمين العربي والإسلامي إن سدت أوروبا أبوابها في وجه انضمامها للاتحاد الأوروبي [30].

وعليه كي لا تبقى تركيا "محرومة من دخول المسجد والكنيسة" على حد وصف المثل الكردي، اتجهت لاستثمار المشاكل والأزمات في المنطقة والارتداد إلى توظيف خلفيتها الإسلامية والشرق أوسطية، بعد أن قضت أكثر من نصف قرن وهي تحاول الإنضمام للنادي الأوروبي [31].

المبحث الثالث: مستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية وتجاوز مصالح الدولتين

 نتيجة الوقائع المستجدة منذ احتلال العراق والتطور الملحوظ في مقاربة تركيا لمصالحها الإستراتيجية يبقى التساؤل كيف ينعكس ذلك التطور على العلاقات التركية الإسرائيلية؟ فهل ستزداد وتيرت التوتر في العلاقة بين البلدين وصولاً إلى الانحدار الحاد ومن ثم القطيعة؟

السياسة التركية الجديدة تعمل على كسب المزيد من الأصدقاء ولا ترغب أن يكون لها أعداء جدد أو أن تبني علاقاتها الجديدة على أنقاض بعض الأصدقاء الآخرين وخاصة إسرائيل، لأن ثمن ذلك قد يكون باهظاً على عدة مستويات ومجالات، وبالرغم من ردود الفعل التركية المتعددة إزاء الممارسات والمواقف الإسرائيلية المختلفة ومواقف الرأي العام المتشنجة في كلا البلدين وخاصة بعد أزمة قافلة الحرية. ولكن ما زالت الحكومتان تحافظان على علاقتهما الاقتصادية والعسكرية إلى حد ما في جميع المجالات، إذ لم تقم تركيا مثلاً بإلغاء أو تجميد عقود التسليح أو الدفاع أو التجارة مع إسرائيل بشكل نهائي، وهو أيضاً حال العلاقات الدبلوماسية بين البلدين [32].

لا يبدو أن لكلا الطرفين مصلحة في تعميق الخلافات القائمة بينهما أو تطوير مداها ومضمونها بغض النظر عن حجم الضرر أو استفادة هذا الطرف أو ذاك، بل إن أمر العلاقات التركية الإسرائيلية ومستقبلها على ما يبدو قد يتجاوز مصلحة البلدين [33]. إذ أن توتر العلاقة أو القطيعة بين الطرفين قد يُلحق الضرر بكثير من الأطراف الدولية والإقليمية ومنها العربية، وبالتحديد سوريا، فإذا رغبت تركيا الدخول على خط مفاوضات السلام الإسرائيلية العربية ينبغي أن تكون لديها علاقات جيدة مع هذه لدولة [34] .

تركيا على يقين أن أميركا لن تستطيع في المستقبل أن تستمر مستفردة بقرار المنطقة، لذلك اتجهت لاعتماد إستراتيجية خاصة بها في المنطقة لا يكون فيها ارتباط عضوي كلي مع الولايات المتحدة، ولا يكون فيها أيضاً مواجهة أو عداء لأميركا حتى في إطار علاقتها مع إسرائيل. ويعي أحمد داود أوغلو وزير الخارجية التركية، وهو المنظر الاستراتيجي التركي أهمية تركيا الاستراتيجية لواشنطن. حيث يحاول الربط بين مصالح تركيا الوطنية وتحقيق المصالح الأميركية في قوس جغرافي كبير، ممتد من آسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط وحتى شرق المتوسط. ويسند دائماً سياسات تركيا الخارجية إلى تناغمها مع المصالح الأميركية، إذ إن تحقيق تركيا لمصالحها في جوارها الجغرافي يعني تحقيق الولايات المتحدة لمصالحها. 

هذا الواقع ملموس من خلال تتبع الموقف التركي من القضية الأذربيجانية حيث أن سياسة تركيا حيال الصراع الأذربيجاني_الأرميني وانحيازها لمصلحة أذربيجان، من منطلق أن ضعف أذربيجان المهمة جغرافياً والغنية بموارد الطاقة، سيخسر التحالف الأطلسي التوازن في كامل القوقاز وآسيا الوسطى لمصلحة موسكو وتحالفاتها وبالتالي إضعاف للنفوذ الأمريكي[35].

كما أن قدرات تركيا الاقتصادية والعسكرية وتحالفاتها الدولية لا تؤهلها مع ذلك للعب دور إقليمي في كل جهات جوارها الجغرافي، سواء في البلقان أو القوقاز أو الشرق الأوسط أو البحر الأسود وحتى شرق المتوسط، إذ لا يستطيع لعب هكذا دور سوى القوى العظمى، وهي بديهة من بديهيات العلاقات الدولية.وتحاول تركيا أن تخفف من أعباء علاقتها مع إسرائيل حتى تتمكن من ممارسة دور الدولة الإقليمية الكبرى في محيطها. وتركيا تعمل على إمكانية الحفاظ على علاقتهم مع الولايات المتحدة دون المرور بإسرائيل [36].

وفي المنظور الإستراتيجي الإسرائيلي والأمريكي تركيا تشكل ركناً لا يستغنى عنه في أي إستراتيجية تعد للشرق الأوسط، وحاجة يفرضها الموقع الجيوسياسي لتركيا من وجوهه الأساسية خاصة الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية والسياسية فضلاً عن العسكرية. والولايات المتحدة باتت مدركة للصعوبات التي تواجهها في المنطقة وترى في تركيا احتياطاً إستراتيجي يمكن الركون إليه ليشكل عامل استقرار وحاجة ملحة في الأزمات المعقدة  [37].


ولتدعيم الدّور الإسرائيلي في الشرق الأوسط ترى إسرائيل أنّ توطيد علاقاتها الإستراتيجيّة مع تركيا، من شأنه أن يدعم دورها الإقليمي في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والأمنيّة، على الرغم من كل ما تشوب العلاقات بين البلدين حالياً من شوائب. إذ أنّ تلك العلاقة تمنحها بطاقة دخول رسميّة أخرى غير معاهدات السّلام العربيّة الإسرائيليّة، إلى منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى عبر دولة إسلاميّة. كما أنّ تعاونها الاقتصادي مع تركيا سيمنحها القدرة على طرح نموذج لكيفيّة التعاون بين دول المنطقة. إضافة إلى سعيها لمواجهة الدول الإقليميّة في المنطقة وهي إيران،سوريا، مصر، والسعودية التي قد تحاول إيجاد نوع من التوازن الإستراتيجي مع تركيا وإسرائيل.

وتعلق اسرائيل آمالاً من خلال توطيد علاقتها مع تركيا، على أن تكون بوابة دخول لها إلى الدّول الإسلاميّة في آسيا الوسطى، حيث الموارد الاقتصاديّة الهامّة هناك، وبخاصّة البترول وذلك لأنّ تركيا تربطها بتلك الدول علاقات دينيّة وتاريخيّة وقوميّة وجوار جغرافي [38].

الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية تتقن فن الواقعية السياسية والعمل على محورين حتى ولو كان اتجاههما الظاهر متعاكساً. حيث لا يتم الدخول في لعبة سياسة آحادية الاتجاه، بل يتم الاعتماد على الثنائية القائمة على اتجاه رئيسي للحركة المباشرة واتجاه فرعي أو غير مباشر مرادف لبعض القوى الإقليمية صاحبة القدرة على المناورة وصاحبة المصلحة في العمل ذاته. وتطبيقاً لهذا المبدأ فان إسرائيل والولايات المتحدة قد لا ترى خطر إستراتيجي في التحرك التركي الجديد في الشرق الأوسط وتحديداً باتجاه سوريا وإيران، والدخول المباشر على خط القضية الفلسطينية لانتاج تفاهمات إستراتجية معهما، ولا يكون هذا التحرك في نهاية المطاف خطراً إستراتيجياً على كلا الدولتين. 

التفاهم التركي الإيراني السوري بأبعادة اللبنانية والفلسطينية قد يشكل نافذة آمنة للولايات المتحدة وإسرائيل في مرحلة تمهيدية وانتقالية نتيجة الوقائع المستجدة في المنطقة، سواء على صعيد اخفاق الولايات المتحدة في العراق وافغانستان من جهة أو على صعيد اخفاق إسرائيل في مواجهة المقاومة في الجنوب اللبناني أو المقاومة الفلسطينية في غزة. تمهيداً لكسب وقت تحتاجه تحديداً إسرائيل، من أجل إعادة رسم وتحديد إمكاناتها العسكرية واستخلاص العبر من إخفاقاتها العسكرية السابقة.

والولايات المتحدة وإسرائيل حريصتا على علاقاتهما الإستراتيجية مع تركيا والتحرك التركي ونتائجه قد تقدم لهما اهداف إستراتيجية منها :

أولاً: إقامة التوازن مع إيران على مسرح المشرق العربي .

حتى لا تبقى وحدها من الدول الإسلامية ممسكة بهذا الملف، من حيث دعم الفلسطنيين ونقد المواقف العربية المتعاجزة في مواجهة إسرائيل. ولكن هذا الطموح أمامة عقبات كثيرة، أقلها ما يتأتى عن الواقع الجغرافي ووجود قوى مقاومة أساسية، لا يمكن أن تقدّم تركيا على إيران، ولو كانت لا ترفض مساعدة الطرفين معاً. كذلك الآمر فيما يتعلق بتركيا فهل من مصلحتها الإستراتيجية لعب مثل هذا الدور وهل تضمن إسرائيل تركيا على هذا الصعيد الإستراتيجي ؟

ثانياً: تقديم فرصة لسوريا للتخفيف من اعتمادها على إيران كحليف إستراتيجي. 

وهذا المنطق تعول عليه إطراف عدة بشكل بالغ لأنه يشكل المدخل الفعلي لاراحة إسرائيل، عبر تشتيت جبهات المقاومة المدعومة من إيران. ولكن يبقى دون هذا الطموح الإستراتيجي عوائق لا يستهان بها، منها ما يعود إلى طبيعة العلاقة ومنها ما يعود إلى الإستراتيجية السورية، التي ترى قوتها تكمن في ذاتها واتساع مروحة تفاهماتها أو تحالفاتها، الآمر الذي يمنعها من الدخول في عملية الإستبدال ويدفعها في عملية التراكم التحالفي [39].

ثالثاً: إسرائيل لا يمكنها في ظل الواقع الحالي الاستغناء أو التفريط بعلاقتها مع تركيا،.

وقد تكون مضطرة لمراعاة بعض المواقف التركية وتفهمها صوناً لهذه العلاقة. وهنا قد تستفيد أميركا من الآمر دون أحراج لها. فإنشاء قوة ضغط إقليمي على إسرائيل دون أن تتسبب في أحراج الإدارة الأميركية أمام الكونغرس أو الهيئات الاخرى التي تخضع بشكل أو بآخر لضغط اللوبي اليهودي. والولايات المتحدة قادرة لو شاءت الضغط مباشرة على إسرائيل لتدفعها لفعل ما _ خاصة بعد العام 2006 [40]_ لكنها لاتريد ذلك حتى لا تضعف إسرائيل ولكي لا تنكشف اكثر أمام الدول العربية المتحالفة معها.

أمريكا تريد إسرائيل القوية المنيعة ولكن المنضبطة نوعاً ما، وقد يأتي الموقف التركي في هذا السياق وبتقاطع مصالح مع جميع الأطراف دون استثناء. لهذا يأتي الضغط التركي على إسرائيل منحصراً في الشكليات والجزئيات، أما الأساسيات فلن تكون محلاً له حتى اشعار آخر أو تغير جذري في المواقف الإستراتيجية التركية.

الظروف المستجدّة منذ احتلال العراق قد تنعكس على مصالح إسرائيل وتركيا الإستراتيجيّة ممّا قد يتطلب إعادة النظر من قبل الحكومة التركية لسياستها المتّبعة وذلك مع دخول تركيا مرحلة جديدة من حوارها مع أوروبا مستقبلاً حول البدء في مرحلة مفاوضات العضويّة، إذ إنّ تركيا ستكون مضطرّة للبدء في الانسجام مع المعايير الأوروبيّة في السياسة الدوليّة، وفي مقدّمتها إقامة علاقات جيدة مع إسرائيل تماماً كالولايات المتحدة.

وتدرك تركيا أنها مقبلة خلال مفاوضات العضويّة على مطالب أوروبيّة حسّاسة منها الاعتراف بالإبادة الأرمنيّة على الرغم من توقيع اتفاقية سلام مع ارمينيا عام 2009 [41]. وقد تلعب إسرائيل دوراً من خلال علاقاتها ونفوذ اللوبي اليهودي في أميركا وأوروبا في مواجهة بعض هذه المطالب التي تؤرق تركيا. والتنسيق الأمريكي التركي موجود على صعديد تصفية الحكومة التركية لتمرد حزب العمال الكردستاني شمال العراق، من الطبيعي إلا يأتي هذا التنسيق خارجاً عن الإرادة الإسرائيلية[42].

 

الخاتمة 

على الرّغم ممّا طرأ على تلك العلاقات الإسرائيليّة التركيّة من مستجدّات، الا أنه من المستبعد أقله حالياً أن تكون هناك حالة تغيّر إستراتيجي من قبل الطرفين في علاقاتهما الإستراتيجيّة. وهناك سياسة تركية جديدة مفادها إبعاد تركيا عن سياسة المحاور وإقامة علاقات جيدة مع جميع القوى الإقليميّة والدوليّة بالقدر الممكن. وفي هذا السّياق كان الانفتاح التركي على سوريا وإيران وروسيا وقبرص وارمينيا، وإذا كان من المفترض اعتبار ذلك تقليص للعلاقات مع إسرائيل، الا أنّ التعاون بين تركيا وإسرائيل لم ينقطع بشكل نهائي وما زال مستمراً.


كما إن تمتين العلاقات التركية الإسرائيلية من شأنها زيادة نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط نتيجة علاقاتها الإستراتيجيّة مع كل من تركيا وإسرائيل. والعديد من المعطيات تؤكد استمرار العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل وتركيا، منها الإعلان عن مشروع تركي- إسرائيلي مشترك لمد أنابيب نفط وغاز إلى الهند من بحر قزوين مروراً بمرفأي جيهان التركي وإيلات الإسرائيلي. 

هناك خطط وضعت موضع التنفيذ أهمها مشروع القرن الإستراتيجي الذي تشكّل تركيا محوره الأساسي Med Stream Project الذي تفوق كلفتة 12 مليار دولار. الذي يربط البحور الأربعة، قزوين والأسود والمتوسط والأحمر، ويساعد على ربط منطقة آسيا الوسطى بالشرق الأوسط ضمن رؤية تركيّة لدور محوري في مشروع طاقة أكبر يمتد من الصين شرقاً إلى أوروبا غرباً ومن تركيا شمالاً إلى الهند جنوباً التي انضمت إلى المشروع في نهاية 2008. ويتضمن من ضمن ما يتضمن أنابيب لنقل النفط والغاز والماء والكهرباء والألياف الضوئية من تركيا إلى إسرائيل[43].

المؤكّد أنّ هناك تآكلاً في العلاقات الإستراتيجيّة بين تركيا وإسرائيل. ولكنّ إسرائيل تدرك أنّ تركيا ما زالت تعتبر إسرائيل شريكاً إستراتيجياً لها في الشرق الأوسط، وأنّ هناك مصالح إستراتيجيّة قويّة تربط بين البلدين. ورغم مخاوف إسرائيل من التقارب التركي مع كل من سوريا وإيران، فإنّها تراهن على عدم قيام تركيا بمراجعة علاقاتها الوثيقة بإسرائيل على الرغم من التوتر الحاصل في العلاقات بين البلدين، حتى لو وصل الآمر إلى درجة تخفيف مستوى التمثيل الدبلوماسي أو لو حتى تم تجميدها.



الهوامش:

[1] سلام الربضي، باحث في العلاقات الدولية،  www.salamalrabadi.blogspot.comJordani_alrabadi@hotmail.com    



[2] لقد كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بـ "إسرائيل" كحكومة شرعية وطالما ارتبطت معها بعلاقات ودية، وفي بعض الأوقات متوترة.  وقد اعترفت بها في عام 1949.


[3] ودعا اردوغان إلى ضرورة ممارسة الضغط على إسرائيل لانها تستمر في انتهاكاتها الجوية والبحرية للأجواء اللبنانية وقصفها لقطاع غزة  وهذا امر لا يمكن القبول به ابداً. وانتقد التهديدات بتوجية ضربة عسكرية لإيران لأنه لا يمكن القبول بتجربة عراق جديدة في المنطقة، إذ  أن ما تتهم به إيران هو محاولتها امتلاك سلاح نووي، وتركيا لا تؤيد امتلاك أي دولة للسلاح النووي في المقابل هناك سلاح نووي في إسرائيل، والذين ينتقدون إيران لمحاولة امتلاكها سلاحاً نووياً لا ينتقدون إسرائيل التي تمتلك بالفعل سلاحاً نووياً، وهذه مشكلة حقيقية.وذهب اردوغان إلى حد الدعوة إلى اصلاح في هيكلية الأمم المتحدة بسبب  عدم تطبيق إسرائيل لأكثر من مئة قرار صادر عن مجلس الأمن. فالقرارات التي لم تطبقها إسرائيل قد تجاوز عددها 100 قرار الآمر الذي يدعو إلى ضرورة القيام بإصلاح في الأمم المتحدة، لأن لا معنى لهذه  القرارات ولا قيمة لها إذا كان يتم اتخاذها ولا مجال لتطبيقها. واكد على أن تركيا لا تؤيد موقف إسرائيل هذا ولن تبقى صامتة ازاء هذا  الآمر. ولقد نددت إسرائيل بالتصريحات التركية التي ادلى بها رئيس الحكومة التركية ووصفت كلامه الذي تضمن انتقاداً لاذعاً لممارسات إسرائيل بالهجوم العشوائي على اسرائيل, واتهمته بالسعي إلى الاضرار بالعلاقات الثنائية بين البلدين معتبرة إن انتقادات تركيا العلنية الذي كثيراً ما تتسم بالحدة لسياساتها قد تعرض العلاقات الثنائية للخطر. واكدت حرصها على عدم المس بشرف تركيا، وترغب في علاقات ثنائية جيدة. راجع " اردوغان يندد برفض اسرإئيل لـ 100قرار دولي ويدعو لإصلاح الأمم المتحدة"، صحيفة الرأي، عمان، 12-1-2010.
[4] وقد تم نشر الكثير من التقارير التي تشير الى تغلغل النفوذ الإسرائيلي في شمال العراق،ومن تلك التقارير تقرير الكاتب الأمريكي الشهير سيمور هيرش مجلة، نيو يوركر، مجلة نيويوركر، 21-6-2004 .كذلك فقد ذكرت كثير من التقارير الاستخباراتية الغربية ومنها الفرنسية في العام 2007 عن وجود 1200 عنصر من الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية منذ عام 2004 يدربون عناصر البشمركة في مدينتي أربيل والسليمانية وهذا ما كان قد اكدتة صحيفة بديعوت أيضاً بكشفها أن معسكراً للتدريب يعرف باسم المعسكرZ يديره ضباط إسرائيليون أنشئ في منطقة صحراوية شمال العراق. راجع صحيفة الأخبار،بيروت،19-1-2010..

[5] سلام الربضي،العلاقات التركية الإسرائيلية وكردستان العراق، صحيفة خبرني الالكترونية، 7 -2 – 2010. تم الدخول بتاريخ 14-3-2010.

      
[6] سلامة نعمات،"عراق عربي شقيق"، صحيفة الحياة، بيروت، 25-6-2004.

[7] فيما شارك الأكراد بحماسة مع الولايات المتحدة في احتلال العراق وكان لهم دوراً فاعلاً في مناطق الموصل وكركوك .


[8] إن أي استنتاج يقوم على هذا الافتراض قابل للنقاش.


[9] كامران قرة داغي،" تحالف تركي كردي أمريكي؟ لم لا"، صحيفة الحياة، بيروت، 30-3-2008.


[10] لمزيد من المعلومات حول مجمل ابعاد وتداعيات المسألة الكردية يمكن مراجعة كتاب الدكتور موسى ابراهيم، "قضايا عربية ودولية معاصرة"، دار المنهل اللبناني، بيروت،2010، صفحة 127-169.


[11] زهير قصيباتي،" شمس الاتراك والغبار الأميركي الإسرائيلي"، صحيفة الحياه، بيروت، 25/2/2008.


[12] سلام الربضي،العلاقات التركية الإسرائيلية وكردستان العراق، تم الدخول بتاريخ 2172010.


[13] وعليه فانّ إسرائيل ترى في تعاونها العسكري مع تركيا ورقة ضغط على إيران من خلال الأراضي التركية، لتكون قاعدة عسكريّة للتجسّس عليها، وإمكانيّة استغلالها لضرب المنشآت العسكريّة الإيرانيّة، ذلك لأنّ القواعد العسكريّة التركية تتيح لإسرائيل ضرب أيّة أهداف عسكريّة واقتصاديّة في إيران بسهولة لقربها من الأراضي التركية، إذ بإمكان طائرات سلاح الجو الإسرائيلي ضرب تلك الأهداف دون حاجة للتزوّد  بالوقود في الجو. 


[14] خاصة في أعقاب إبرام اتفاقية التعاون العسكري بين البلدين عام 1996، وأهم ما جاء فيها أن يشترك جيشا البلدين في أي معركة  تحدث بين احداهما ودولة ثانبة، مما يسمح لإسرائيل بزيادة عمقها الإستراتيجي.



[15] هذا وقد وقعت سوريا وتركيا إعلاناً مشتركاً لتأسيس مجلس للتعاون الإستراتيجي ويشمل المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والنقل والطاقة ومجالات المصادر المائية والبيئية والثقافة والتعليم والعلم كما تم الاتفاق على إلغاء التأشيرات والسمات المتبادلة على سفر المواطنين بما يسمح للمواطنين في كلا البلدين بالتنقل بينهما دون إجرائات على الحدود. راجع صحيفة السفير، بيروت، 17-9-2009.


[16] ان العلاقات السورية التركية مرت بمراحل متأزمة  في أواسط وأواخر التسعينات ومنها على سبيل المثال: اتهام  تركيا لسوريا بدعم حزب العمال الكردستاني، ومنها أيضاً الخلاف المائي بين البلدين.والجدير ذكره أن تركيا مازالت مسيطرة على لواء الاسكندرونه الذي احتلته عام1939 من سوريا.


[17] في هذا الصدد يمكن مراجعة كتاب سعيد عقيل محفوض ،"سورية وتركيا الواقع الراهن واحتمالات المستقبل"، مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت،2009. الذي يستخلص ان العلاقة بين البلدين تنمو في ظل بيئة إقليمية مخترقة وهشة، على الرغم من التفاصيل والتعليقات اليومية والكتب العامة المنجزة سريعاً، والتي تجعل القارئ يظن انه يفهم ما يدور بين الجارين بمجرد الاطلاع عليها.
[18] عماد الشدياق،" متغيرات دولية  تفرض افقاً تقاربياً جديداً"، صحيفة المستقبل،بيروت،12-1-2010.

[19] حيث تم اختيار التركي كمال الدين إحسان أوغلي أمين عام لمنظمة  المؤتمر الإسلامي.


[20] إذ بدا الأمر طبيعياً خاصة وأن الكثير من الدول العربية ترتبط باتفاقيات وبعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل بشكل علني كمصر والأردن، أو بشكل خفيّ وغير مباشر أحيانا كبعض دول الخليج العربي ودول المغرب العربي.
[21] سيطرت أرمينيا على هذا الإقليم إثر الصراع الدموي الذي تفجر بين أرمينيا وأذربيجان في عام 1992، والذي انتهى عملياً بسيطرة أرمينيا على إقليم ناغورني كراباخ والذي تطالب أذربيجان باستعادته.وتركيا تربط تحقيق المصالحة الشاملة مع أرمينيا بالتوصل إلى تسوية  للصراع الأرميني - الأذربيجاني، باعتبار أن تركيا لها مصالح إستراتيجية  في أذربيجان، فالأذريين هم من أصول تركية. كما أن تركيا  تخشى من أن تؤدي مثل هذه المصالحة دون تسوية الصراع الأذري- الأرميني إلى انقلاب أذربيجان عليها والتحالف مع دول إقليمية كبرى كروسيا، وأن يؤدي كل ذلك إلى تغيير وجهة خطوط أنابيب النفط والغاز التي من المقرر مدها عبر الأراضي التركية. وفي بداية العام  2009 تم افتتاح اذاعة تركية باللغة الارمنية في تركيا تعبيراً عن سياسة الانفتاح التركية تجاه أرمينيا.ولمزيد من المعلومات حول قضية كاراباخ يمكن مراجعة كتاب: شاهين افاكيان ،" كارباخ وجهة نظر قانونية"، ترجمة وتعريب نورا اريسيان،الهيئة الوطنية الارمنية_الشرق الاوسط،2006.
[22] بالإضافة إلى قيام أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي في اواخر العام 2009 بزيارة إقليم كردستان العراق في زيارة هي الأولى من نوعها لمسؤول تركي لكردستان العراق، حيث التقى رئيس الإقليم مسعود برزاني في أربيل وتم افتتاح قنصلية تركية فيها، راجع صحيفة الأهرام،القاهرة،1-11-2009. 
[23] لمزيد من المعلومات حول التطوارات الداخلية التركية والمتغيرات الإستراتيجية التركية في مقاربتها للمستجدات على الساحة الإقليمية والدولية يمكن مراجعة كتاب : محمد نور الدين،" تركيا الصيغة والدور"، دار الريس ،بيروت،2008.

[24] محمد أبو رمان، "هل خرجت حماس أقوى سياسياً أم أضعف"، صحيفة الحياة، بيروت، 29-1-209


[25] هاني نسيره، "اردوغان وفحوى لخطاب عن بني عثمان"، صحيفة الحياة، بيروت، 18-1-2009.


[26] الكسندر ادلر، "تركيا في القلب من أزمات أوروبا الكبرى ومعالجتها"، صحيفة لوفيغارو، باريس،24-1-2009


[27] جورج كيوك ،" تركيا ممر أوروبي للطاقة وبديل من روسيا"،صحيفة لوفيغارو، باريس 22- 6- 2007.


[28]  حيث ينبغي نقله إلى باكو في أنبوب بحري يمر ببحر قزوين وهو باهظ التكلفة.


[29] جورج كيوك، مرجع سابق الذكر.


[30] في حال تم تطوير التفاهمات الإستراتيجية بين تركيا وسوريا وإيران قد يؤدي ذلك إلى انشاء ما يشبه الكومنولث" بين تركيا وسوريا وإيران ودول الجوار الآسيوية بحيث يمكن أن يكون هذا "الكومنولث" بديلاً لرفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ذلك أن بناء منظومة إقليمية تمتد من البلقان والشرق الأوسط. حتى القوفاز يشكل تعويضاً مناسباً عن العضوية في الاتحاد الأوروبي. وقد تستخدم  تركيا هذه المكانة الجديدة التي تتمتع بها لتكون بطاقة دخول إلى الاتحاد الأوروبي باعتبارها حلقة الوصل بين أوروبا وآسيا.



[31] هوشنك أوسي، "اردوغان واعظاً وداعية سلام"، صحيفة الحياة، بيروت، 1-2-2009.

[32] على الرغم من اقدام تركيا على عدم السماح للجيش الإسرائيلي بالمشاركة في المناورات العسكرية لحلف شمال الاطلسي في اواخر العام  2009. حيث كان متوقع أن إسرائيل ستستغل مناورات "نسر الأناضول" لجمع معلومات عسكرية عن سورية وإيران الأمر الذي دفع تركيا، فيما بعد، إلى رفض مشاركة إسرائيل فيها وصولاً إلى إلغائها بعد أن رفضت قوات الناتو "حلف الأطلسي" القرار التركي.


[33] د. عبد اللّطيـف الحنّـاشي،العلاقات التركية الإسرائيلية وانعكاساتها على الأمن القومي العربي،  تم الدخول بتاريخ 26-11-2009

         
[34] وكان قد صرح الرئيس السوري بشار الأسد مطالباً تركيا بتحسين علاقاتها مع حليفها الإسرائيلي، وذلك حتى تضمن مجدداً القيام بدورالوساطة بين سوريا وإسرائيل. كما أكد  إذا رغبت تركيا في مساعدتنا في موضوع إسرائيل فينبغي أن تكون لديها علاقات جيدة مع هذه الدولة.كما تساءل الرئيس السوري كيف يمكن تركيا عكس ذلك أن تلعب دوراً في عملية السلام، صحيفة الخليج ، 9-11- 2009". 

[35] مصطفى اللباد،" مفكر تركيا الاستراتيجي: أحمد داود أوغلو"، صحيفة الجريدة،الكويت،11-4-2009.  


[36] نبيل زكي ،"تركيا تبحث عن مجالها الحيوي"، تم الدخول بتاريخ 25-1- 2010. 
[37] العميد الدكتور امين حطيط ، اين امريكا من اعادة التموضع التركي،  تم الدخول بتاريخ 10-11-2009. 

[38] لمزيد من المعلومات حول التطور التاريخي للعلاقات الإسرائيلية التركية يمكن مراجعة كتاب : مرغريت حلو،," العلاقات التركية الإسرائيلية"،مركز الدراسات الارمنية، بيروت 1994.
[39] امين حطيط ،"اين امريكا من اعادة التموضع التركي"، مرجع سبق ذكره. 
[40] حيث ضغطت الولايات المتحدة على إسرائيل انذاك من خلال وزيرة الخارجية الأمريكية كوندا ليزا رايس من أجل عدم وقف عدوانها على لبنان مما أدى إلى اطالة آمد الحرب لمدة 33 يوم.  


[41] ثمة مشكلات وعقبات تعترض طريق المصالحة النهائية وأهم هذه العقبات محاولة البحث عن أرضية للتوصل إلى حل لقضية الإبادة الارمينية التي وقعت في الربع الأول من القرن الماضي. حيث تم تشكيل لجاناً حكومية وأخرى مشتركة لدفع وتيرة الاتفاق في هذا السياق، فقضية الإبادة الارمينية حفرت نفسها عميقاً في الذاكرة والثقافة الروحية والوجدانية لدى الأرمن في الداخل والخارج. وخلال العقدين الماضيين نجحت اللوبيات الارمينية في أوربا وأمريكا، وبدعم رسمي من أرمينيا في جعل هذا الملف قضية سياسية حاضرة على أجندة برلمانات العديد من الدول، فقد أقر عدد من هذه البرلمانات قوانين بهذا الخصوص تحولت إلى نقطة خلاف سياسية مع تركيا.ولمزيد من المعلومات حول الإبادة الارمنية والواقع الارمني يمكن مراجعة كتاب عدنان السيد حسين،"حق تقرير المصير القضية الارمنية نموذجا"، مركز الدراسات الارمنية, بيروت, 1998. كذلك راجع موقع الهيئة الارمنية الوطنية – الشرق الاوسط على الانترنت: http://www.ancme.net
[42] محمد نور الدين،"العلاقات التركية الإسرائيلية مرحله جديدة"، صحيفة الشرق، الدوحة، 9/1/2005.
[43] تقرير، أمن الطاقة الإسرائيلي والجيوبوليتيك الإقليمية،مركز الجزيرة للدراسات،تم الدخول بتاريخ 13-7-2010.
       




المراجع: 

الكتب

1- ابراهيم موسى ،" قضايا عربية ودولية معاصرة "، دار المنهل اللبناني، بيروت، 2010.
2- افاكيان شاهين ،" كارباخ وجهة نظر قانونية"، ترجمة وتعريب نورا اريسيان ،الهيئة الوطنية الارمنية،2006.
3- حسين السيد عدنان،"حق تقرير المصير القضية الارمنية نموذجا"، مركز الدراسات الارمنية، بيروت، 1998.
4- حلو مرغريت ،" العلاقات التركية الإسرائيلية"،مركز الدراسات الارمنية، بيروت، 1994.
5- نورالدين محمد ،" تركيا الصيغة والدور"، دار الريس ،بيروت،2008.
6- محفوض عقيل سعيد،"سورية وتركيا الواقع الراهن واحتمالات المستقبل،مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت،2009.

التقارير

1- تقرير ،"أمن الطاقة الإسرائيلي والجيوبوليتيك الإقليمية"،مركز الجزيرة للدراسات،2010.
2- تقريرسيمور هيرش، مجلة نيويوركر، 21-6-2004.
3- العميد الدكتور امين حطيط ،"اين امريكا من اعادة التموضع التركي"،موقع التيار الوطني الحر،2009.

المقالات

1- الكسندر ادلر،"تركيا في القلب من أزمات أوروبا الكبرى ومعالجتها"، صحيفة لوفيغارو، باريس،24-1-2009
2- هوشنك أوسي، "اردوغان واعظاً وداعية سلام"، صحيفة الحياة، بيروت، 1-2-2009.
3- مصطفى اللباد،" مفكر تركيا الاستراتيجي: أحمد داود أوغلو"، صحيفة الجريدة،الكويت،11-4-2009.  
4-  عماد الشدياق،" متغيرات دولية  تفرض افقاً تقاربياً جديداً"، صحيفة المستقبل،بيروت،12-1-2010.
5- سلام الربضي،"العلاقات التركية الإسرائيلية وكردستان العراق"، صحيفة خبرني الالكترونية، 7 -2 – 2010.
6- هاني نسيره، "اردوغان وفحوى لخطاب عن بني عثمان"، صحيفة الحياة، بيروت، 18-1-2009.
7- جورج كيوك،" تركيا ممر أوروبي للطاقة وبديل من روسيا"، صحيفة لوفيغارو، باريس،22- 6- 2007.
8- محمد أبو رمان، "هل خرجت حماس أقوى سياسياً أم أضعف"، صحيفة الحياة، بيروت، 29-1-209.
9-  كامران قرة داغي،" تحالف تركي كردي أمريكي؟ لم لا"، صحيفة الحياة، بيروت، 30-3-2008.
10- زهير قصيباتي،" شمس الاتراك والغبار الأميركي الإسرائيلي"، صحيفة الحياه، بيروت، 25/2/2008.
11- محمد نور الدين،"العلاقات التركية الإسرائيلية مرحله جديدة"، صحيفة الشرق، الدوحة، 9/1/2005.
12-  سلامة نعمات،"عراق عربي شقيق"، صحيفة الحياة، بيروت، 25-6-2004.

الصحف

1- صحيفة الحياة، بيروت.
2- صحيفة الأخبار، بيروت.
3-صحيفة الرأي ،عمان.
4- صحيفة الأهرام،القاهرة.
5- صحيفة السفير، بيروت.
6- صحيفة الخليج، الأمارات .



2010-08-30

العراق نقطة التقاء اقتصادي لإسرائيل








سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية.
شبكة الرشيد العراقية - بغداد
15-9-2010

www.alrasheednet.com/index.php?item=read&id=5810


في سياق الغاء العراق لشرط مقاطعة إسرئيل للشركات الأجنبية التي ترغب في المشاركة في معرض بغداد الدولي التجاري السنوي منذ اواخر العام 2009, يمكن القول أنّ المطامع الاقتصاديّة لإسرائيل لم تقتصر فقط على الاستفادة من المساهمة في إعادة إعمار العراق فقط لأنّ ذلك أمر مفروغ منه، خاصّة في ظل النفوذ الأميركي في العراق وما يعنيه ذلك من إفساح المجال لدور إسرائيلي فيه، بل وإعطائها الأولويّة على غيرها من الدول الرّاغبة في المساهمة في عمليّات الإعمار، حيث يمكن للشركات الإسرائيليّة العمل بسهولة، بل هنالك أيضاً أهداف ومصالح استراتيجيّة اقتصاديّة بعيدة المدى يمكن لإسرائيل تحقيقها وجني ثمارها في العراق ومن أهمّها ما يلي:

‌أ-            المساعدة في دعم الاقتصاد الإسرائيلي الذي يتعرض لأزمات متتالية ازدادت سوءًا منذ اندلاع الانتفاضة الثانية،انتفاضة الأقصى، والتي تسبّبت في تراجع النمو في الاقتصاد الإسرائيلي إضافة إلى العديد من القطاعات الاقتصاديّة الإسرائيليّة المتضرّرة من جرّاء الوضع السّياسي المتأزّم في فلسطين، ومنها قطاع الصّناعة والتجارة،بالإضافة إلى الارتفاع في فاتورة الطاقة.

‌ب-       فتح الأسواق العراقيّة والتي يصل حجمها إلى نحو25 مليون نسمة عراقيّة أمام المنتجات الإسرائيليّة وما يعنيه ذلك من ترويج للصّادرات الإسرائيليّة، فضلا عن تشغيل الكثير من المصانع  الإسرائيلية. وهو ما يصبّ في النهاية في خدمة المواطن الإسرائيلي، سواء من ناحية خلق فرص عمل جديدة وخفض معدّلات البطالة التي تعاني منها إسرائيل، أو من ناحية زيادة المدخول الفردي للمواطن.

‌ج-         اعتبار العراق جسراً لبدء الخروج من العزلة العربيّة، وتمهيد الطريق نحو استعادة زخم العلاقات الاقتصاديّة بين إسرائيل والدول العربيّة، وذلك باعتبار العراق نقطة التقاء اقتصادي بين االشركات الإسرائيليّة والعربيّة. وهو ما يمكن أن يمهّد الطريق نحو فتح الأبواب العربيّة المغلقة أمام المنتجات الإسرائيليّة، وكسر حاجز المقاطعة العربيّة لإسرائيل.

‌د-           محاولة بناء علاقة تحالف إستراتيجي طويل الأمد مع العراق الجديد، وذلك عبر النفوذ الأميركي، وهو ما يعني مستقبلاً اعتراف الحكم في العراق بالمصالح الإسرائيليّة في العراق، خاصّة في ظل التفوق والتقدّم التكنولوجي والتقني الإسرائيلي الذي يمكن الاستفادة منه عراقياً لإعادة بناء منشآته وبنيته التحتيّة. وهكذا يصبح هناك اعتماداً عضوياً على التقنيّات والتكنولوجيا الإسرائيليّة في بناء الاقتصاد العراقي الجديد.

‌ه-            الاعتماد على الدّور الأميركي في تسهيل الحصول على حصّة من مشاريع الإعمار، بحيث يصبح للشركات الإسرائيليّة الأولويّة على غيرها من شركات المنطقة، وذلك نظراً لعاملين أساسيين هما: خبرة الشركات الإسرائيليّة في معرفة أسواق المنطقة العربية ومدى احتياجاتها، والعامل الثاني الخبرة التكنولوجيّة العالية التي تتمتع بها الشركات الإسرائيليّة دون غيرها من نظيراتها العربيّة.

‌و-          لقد رافق ذلك ضغط إسرائيلي كبير على مسؤولي الإدارة الأميركيّة لدمج الشركات الإسرائيليّة في عمليّات بناء العراق، وهو ما كان قد طالب به وزير الخارجيّة الإسرائيلي آنذاك سيلفان شالوم، من نظيره الأميركي كولن باول، بعد انتهاء العملّيّات العسكريّة مباشرة واحتلال العراق في 2003 لأهميّة دمج إسرائيل في مشاريع الإعمار في العراق. وربط في ذلك الوقت، رئيس الوزراء السابق لإسرائيل، شارون، هذه المسألة جزئياً بموقفه من الاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري.

‌ز-          الإلمام بكافة تفاصيل الأوضاع في العراق للوقوف على فرص وإمكانات المساهمة الفعليّة في مشاريع الإعمار. ولذا فقد بادرت شركات المعلومات الإسرائيليّة بنشر كثير من الدراسات حول مستقبل نمو الاقتصاد العراقي، ومنها شركة دان إند بردستريت الإسرائيلية (D&B). فوفقاً لها، سيسجّل الاقتصاد العراقي خلال المستقبل نموّاً بمعدل12% سنوياً.

‌ح-             الدخول في مناقصات حول مشاريع الإعمار في العراق ومنافسة الشركات الأخرى، بما فيها الأميركيّة. كما أنّ وزارة الدّفاع الأميركيّة، البنتاغون، لم تبدِ أي اعتراض على مساهمة الشركات الإسرائيليّة في مشاريع الإعمار بالعراق، ولا يوجد أي مانع يحول دون قيام هذه الشركات بالقيام بالأعمال اللازمة لإعمار وترميم العراق. بل انّ البنتاغون قد أوصى بإشراك شركات مصرية وأردنية في المناقصات، إذ سيسهم الأمر في دمج إسرائيل من الناحية السّياسيّة بصفة أكبر.

 قبل أن تحطّ الحرب أوزارها في العراق عام 2003، كان في حكم المؤكد أنّ إسرائيل ستكون عضواً في نادي الدول الرابحة منها، خاصّة على الصّعيد الاستراتيجي. ولكن لا يمكن اغفال المجال الاقتصادي حيث تعمل على حصد المزيد من المكاسب الاقتصادية من خلال اعمار العراق, فيتم جني أرباح طائلة بوسائل عديدة وعبر شركات استثماريّة مختلفة وبناء علاقات تعاون وصداقة مع دول عربيّة مركزيّة كانت حتى الأمس من ألدّ أعدائها، ممّا يفتح المجال واسعاً أمامها مع باقي أرجاء الوطن العربي، وطبعاً لا يمكن حدوث ذلك دون مساعدة الولايات المتحدة.



2010-08-22

علامات استفهام حول حرية التجارة العالمية






سلام الربضي  \ باحث في العلاقات الدولية.

موقع ياهو الاخباري

http://news.maktoob.com/article/5315824
 

29 \ 8 \ 2010

هناك تحولات ملحوظة في الاتجاه المعاكس نحو الاتجاهات الحمائية، حيث يشتد القلق إزاء عمليات الشراء الأجنبية المقترحة في كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كما تتخذ الكثير من الإجراءات التنظمية البارزة لحماية الاقتصادات من المنافسة الأجنبية أو لزيادة نفوذ الدولة في بعض الصناعات. فقرارات التأميم في أمريكا اللاتينية تدخل في هذا الإطار، والسياسة الاقتصادية الروسية في قطاع النفط والغاز لا تخرج عن هذا السياق.

أمام تلك التيارات الجارفة الحاملة عناوين حرية التجارة العالمية، يوجد سياسة حمائية واضحة مما يخلق تضارباً في السياسات والمصالح وهو ما يلحق الضرر بمختلف الدول سواء كانت غنية أو فقيرة، ويطرح علامات استفهام حول حرية التجارة العالمية. وهذه السياسة لها آثارها على الدول الغنية والفقيرة، إلا أن تأثيرها يكون وقعه أكثر على الدول الفقيرة حيث هامش التحرك أمامها ضئيل مقارنة بالدول الغنية خاصة فيما يتعلق بالصادرات الزراعية والمنسوجات القادمة من الدول الفقيرة. وتقوم الدول الغنية بعدة طرق لحماية تلك القطاعات ومنها تقديم المساعدات كالولايات المتحدة الأمريكية التي تقدم مساعدات تصل إلى حوالى 560 مليار دولار في السنة، والمستفيدون سواء كانوا أصحاب الشركات العملاقة أو الأفراد والمؤسسات الصغرى لا يؤثر من حيث المبدأ، إذ إن الموضوع بالمطلق يطرح تساؤل التناقض بين مبدأ حرية التجارة والسياسة الحمائية.
          
من الطبيعي والمنطقي أن تجري الشركات وراء كل دولار تستطيع الحصول عليه. والشركات لا تعطي شيئاً مقابل لا شيء. فالمال يشتري الفعل ويشتري النفوذ. والحكومات في كثير من جوانب هذه القضية تتحمل المسؤولية واللوم. فالمال الذي ينفق على الشركات على شكل إعفاءات أو حوافز هو المال الذي يغدو غير متوافر للخدمات العامة. كما أن جمع الضرائب هو أكثر حقوق الدولة القومية مبدئية وهو الوسيلة لتصحيح عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وحتماً يؤدي تخفيض إيرادات الدول سلباً على متطلبات التكافل الاجتماعي.



2010-08-12

الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية وفن الواقعية السياسية في التعامل مع تركيا






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية.
موقع ياهو الاخباري
news.maktoob.com/article/5123734
15 \8 \ 2010 .

الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية تتقن فن الواقعية السياسية, والعمل على محورين حتى ولو كان اتجاههما الظاهر متعاكساً، حيث لا يتم الدخول في لعبة سياسة إحادية الأتجاه بل يتم إعتماد الثنائية القائمة على اتجاه رئيسي للحركة المباشرة, واتجاه فرعي أو غير مباشر, مرادف لبعض القوى الإقليمية صاحبة القدرة على المناورة, وصاحبة المصلحة في العمل ذاته.
 تطبيقاً لهذا المبدأ فان إسرائيل والولايات المتحدة, قد لا ترى خطر إستراتيجي في التحرك التركي الجديد في الشرق الأوسط وتحديداً باتجاه سوريا وإيران، والدخول المباشر على خط القضية الفلسطينية لانتاج تفاهمات إستراتجية معهما, ولا يكون هذا التحرك في نهاية المطاف خطراً إستراتيجياً على كلا الدولتين. والتفاهم التركي الإيراني السوري بأبعادة اللبنانية والفلسطينية قد يشكل نافذة آمنة للولايات المتحدة وإسرائيل في مرحلة تمهيدية وانتقالية, نتيجة الوقائع المستجدة في المنطقه, سواء على صعيد اخفاق الولايات المتحدة في العراق وافغانستان من جهة, أو على صعيد اخفاق إسرائيل في مواجهة المقاومة في الجنوب اللبناني, أو المقاومة الفلسطينية في غزة، تمهيداً لكسب وقت تحتاجه تحديداً إسرائيل, من أجل إعادة رسم وتحديد إمكاناتها العسكرية واستخلاص العبر من إخفاقاتها العسكرية.
 ولتدعيم الدّور الإسرائيلي في الشرق الأوسط, ترى إسرائيل أنّ توطيد علاقاتها الإستراتيجيّة مع تركيا من شأنه أن يدعم دورها الإقليمي في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والأمنيّة, على الرغم من كل ما تشوب العلاقات بين البلدين حالياً من شوائب. إذ أنّ تلك العلاقة تمنحها بطاقة دخول رسميّة أخرى غير معاهدات السّلام العربيّة الإسرائيليّة. كما أنّ تعاونها الاقتصادي مع تركيا سيمنحها القدرة على طرح نموذج لكيفيّة التعاون بين دول المنطقة. إضافة إلى سعيها لمواجهة الدول الإقليميّة في المنطقة, وهي إيران وسوريا ومصر والسعودية, التي تحاول إيجاد نوع من التوازن الإستراتيجي مع تركيا وإسرائيل. وتعلق اسرائيل آمالاً من خلال توطيد علاقتها مع تركيا، على أن تكون بوابة دخول لها إلى الدّول الإسلاميّة في آسيا الوسطى، حيث الموارد الاقتصاديّة الهامّة هناك، وبخاصّة البترول وذلك لأنّ تركيا تربطها بتلك الدول علاقات دينيّة وتاريخيّة وقوميّة وجوار جغرافي.
 والولايات المتحدة وإسرائيل حريصتا على علاقاتهما الإستراتيجية مع تركيا والتحرك التركي ونتائجه قد تقدم لهما اهداف إستراتيجية منها :
 1- إقامة التوازن مع إيران على مسرح المشرق العربي, خاصة من باب دعم القضية العربية في فلسطين حتى لا تبقى إيران وحدها من الدول الإسلامية, ممسكة بهذا الملف من حيث دعم الفلسطنيين ونقد المواقف العربية المتعاجزة في مواجهة إسرائيل، فنجاح تركيا في إقامة مثل هذا التوازن, وشد انتباه الفلسطنيين إليها, والامساك بالورقة الفلسطنية يؤدي إلى عدم ترك الساحة الفلسطينية خالية أمام النفوذ الإيراني, ورغم أن هذا الطموح امامة عقبات كثيرة, أقلها ما يتأتى عن الواقع الجغرافي, ووجود قوى مقاومة أساسية, لا يمكن أن تقدّم تركيا على إيران, ولو كانت لا ترفض مساعدة الطرفين معاً.
 لكن يبقى التساؤل مشروع فيما يتعلق بتركيا فهل من مصلحتها الإستراتيجية لعب مثل هذا الدور وهل تضمن إسرائيل تركيا على هذا الصعيد الإستراتيجي ؟
 2-  تقديم فرصة لسوريا للتخفيف من اعتمادها على إيران كحليف إستراتيجي, ومن ثم العمل على ابعاد البلدين عن بعضهما. وهذا المنطق تعول عليه إطراف عدة, لأنه يشكل المدخل الفعلي لأراحة إسرائيل، عبر تشتيت جبهات المقاومة المدعومة من إيران.ولكن يبقى دون هذا الطموح الإستراتيجي عوائق لا يستهان بها، منها :
أ- ما يعود إلى طبيعة العلاقة بين سوريا وإيران.
ب- ما يعود إلى الإستراتيجية السورية .
التي ترى قوتها تكمن في ذاتها, وفي اتساع مروحة تفاهماتها أو تحالفاتها، الآمر الذي يمنعها من الدخول في عملية الاستبدال ويدفعها في عملية التراكم التحالفي.
 3- إسرائيل لا يمكنها في ظل الواقع الراهن, الاستغناء أو التفريط بعلاقتها مع تركيا. لذلك قد تكون مضطرة, لمراعاة بعض المواقف التركية وتفهمها, صوناً لهذه العلاقة الإستراتيجية. وهنا قد تستفيد أميركا من الآمر دون أي إحراج لها. فإنشاء قوة  ضغط إقليمي على إسرائيل, دون أن تتسبب في إحراج الإدارة الأميركية أمام الكونغرس, أو الهيئات الآخرى, التي تخضع بشكل أو بآخر لضغط اللوبي اليهودي.
الولايات المتحدة قادرة لو شاءت الضغط مباشرة على إسرائيل لتدفعها لفعل ما _ خاصة بعد العام 2006 حيث ضغطت الولايات المتحدة على إسرائيل آنذاك, من خلال وزيرة الخارجية الأمريكية كوندا ليزا رايس, من أجل عدم وقف عدوانها على لبنان. مما أدى إلى إطالة أمد الحرب لمدة 33 يوم  _ لكنها لاتريد ذلك حتى لا تضعف إسرائيل. ولكي لا تنكشف أكثر أمام الدول العربية المتحالفة معها. فأمريكا تريد إسرائيل القوية المنيعة, ولكن المنضبطة نوعاً ما, وقد يأتي الموقف التركي في هذا السياق, وبتقاطع مصالح مع جميع الأطراف دون إستثناء. لهذا يأتي الضغط التركي على إسرائيل منحصراً في الشكليات والجزئيات. أما الأساسيات فلن تكون محلاً له, حتى إشعار آخر, أو تغير جذري في المواقف الإستراتيجية التركية .
 المؤكّد أنّ هناك تآكلاً في العلاقات الإستراتيجيّة بين تركيا وإسرائيل. ولكنّ إسرائيل تدرك أنّ  تركيا ما زالت تعتبر إسرائيل شريكاً إستراتيجياً لها في الشرق الأوسط، وأنّ هناك مصالح إستراتيجيّة قويّة تربط بين البلدين. ورغم مخاوف إسرائيل من التقارب التركي مع كل من سوريا وإيران، فإنّها تراهن على عدم قيام تركيا بمراجعة علاقاتها الوثيقة بإسرائيل على الرغم من التوتر الحاصل في العلاقات بين البلدين .
 

2010-08-07

لبنان والعروبة (ج1)






سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية

منبر الحرية بالشراكة مع معهد كيتو \ الولايات المتحدة الأمريكية.
7-8-2010.

بادئ ذي بدء لا بد من التوقف عند علاقة الإسلام والمسيحية بالعروبة من خلال الأزمات التي يعانيها الفكر العربي. فالعروبة التي قد تكون تعيش في مرحلة البحث عن اليقظة، ووعي الذات، بعد قرون من الكبت والاغتراب، وتقف في وجه قرون من السيطرة، حيث قاست الأمرين من الاستعمار العثماني، ثم الأوروبي والآن الاستعمار الاقتصادي والتكنولوجي، بالإضافة إلى واقع سياسي لا يخفي المصالح الاستراتيجية السياسية والحضارية التاريخية التي تحيط بنا من قبل إيران وتركيا، بالإضافة إلى الخطر الإسرائيلي الوجودي، كذلك واقع دولي غني عن التعريف.

فالعروبة تواجه عصراً، سقطت فيه الحواجز، واتصلت الشعوب بعضها ببعض، اتصالاً لا انفصال فيه، تتداخل فيه، وسائل الإعلام البصرية والسمعية، المقروءة والمكتوبة حيث الثقافات ممزوجة ومتداخلة ومتواصلة. عصر يشهد ولادة ثقافة بشرية، مشتركة، لا هي مسيحية فحسب، ولا هي إسلامية فحسب، لا هي ماركسية فحسب، ولا هي ليبرالية فحسب، لا هي روحانية فحسب، ولا هي مادية فحسب، ولا هي تجريدية فحسب، ولا هي تكنولوجية فحسب.

إنها ثقافة الإنسان وكل إنسان، ثقافة الإنسانية وكل الإنسانية، وكل محاولة للانفصال عن هذا التيار العالمي الجارف محاولة يائسة أو مضيعة للوقت وهدر للجهود.

من هذا المنطلق فالعرب لا يمكن أن يكونوا مسلمين فقط، ولا المسيحيون العرب يمكن أن يكونوا مسيحيين فقط. حيث إن الاستقلالات الوطنية ستصبح تقسيماً جغرافياً فحسب، وليس تقسيماً حضارياً بفوارق أساسية على الصعيد العربي.

من خلال مراقبة المشهد السياسي اللبناني، نجد أن العروبة هي من المصطلحات الأكثر رواجاً من قبل الكثير من السياسيين تارة للتبرير وتارة أخرى للتخوين وأصبحت الحرب اللبنانية النموذج بالنسبة لهؤلاء السياسيين للاستشهاد بها عند الضرورة.

وإذا كانت هناك حسنات تذكر للحرب اللبنانية والأزمة اللبنانية الأخيرة، فهي أنها عرت الوضع اللبناني ودفعت باللبنانيين نحو مواجهة مباشرة ومكشوفة مع الحقائق التاريخية والتي يحاول البعض والبعض الاخر في فترات طمسها والتستر عليها وإخفائها تحت ألف ستار ودافع، وتارة أخرى تجد من يحاول الاستشهاد بها تحقيقاً لألف غرض ومصلحة وغاية . وجوهر هذا الواقع يمكن التعبير عنه بالسؤال الاتي:

أين هي العروبة من انتماء لبنان الحضاري؟

لقد نتج عن هذه التفاعلات المتداخلة واقع مسيحي وإسلامي في لبنان ما زال حاضراً حتى يومنا هذا، أدى إلى فقدان الجاذبية القومية الشديدة والشبه مفقودة كي تربط المسيحيي بباقي أبناء وطنه ومجتمعه. وما وقع فيه المسيحي اللبناني وقع بمثله المسلم اللبناني أيضاً، وهكذا ضعفت الرابطة الوطنية لصالح الرابطة الدينية، وغلب الولاء الديني على الولاء الوطني بل وحل محله. وهذا الواقع ليس له مثيل في دنيا المسيحيين الأوروبيين، فالمسيحي الأوروبي مثلا لا يغلب ولاءه الديني على ولائه الوطني، ولقد رأينا كيف قامت كثير من الحروب بين شعوب تنتمي للمسيحية، وهذا الواقع ليس له مثيل أيضاً في دنيا المسلمين، بمن فيهم مسلمي العرب، فالخلافات بين الدول الإسلامية، أكثر من أن تحصى، بل هناك دول إسلامية تتحالف مع دول غير إسلامية، ضد دول إسلامية وبالتالي فإن الرابطة الدينية خارج لبنان قد تأتي بعد الرابطة القومية.

طرح القضايا الفكرية والحضارية وعلى مستوى إنساني أو سياسي وبأسلوب راق هو تنوع وغنى. ونحن العرب بأمس الحاجة إلية، ولكن هذا الطرح من أجل أن يكون سليماً وصحيحاً ويخدم المجتمعات المتنوعة والمفتوحة سواء على صعيد لبنان أو على صعيد الوطن العربي, لا بد أولاً أن يتم على صعيد لبنان من خلال  أمرين:
أ - التخلي عن الحكم على العروبة بمقاييس هذه الدولة العربية أو تلك والرجوع إلى جوهر العروبة الحضاري الذي لم يتجسد بصورة كاملة في أي دولة.
ب - رفض تقسيم الشعب اللبناني داخل لبنان إلى قسمين مع أو ضد العروبة ومن خلال تلك الملاحظة يرى بأن لبنان أقل ابتعاداً عن العروبة من عدد كبير من الأقطار العربية.
فإن أكثر ما يفقد العروبة بعدها الحضاري هي تلك المواقف الانتهازية والاتهامات المسلطة في وجة اللبنانيين على أنهم عملاء للخارج ومعادون للعروبة.

أما على صعيد الوطن العربي فكرة العروبة يمكن فهمها من خلال :

أ -أن الأمة المتمثلة بالعروبة لا يمكن أن تكون ثمرة أبداع فكري مجرد .

حيث تنزل من العقل البشري المبدع فتلتحق بالمجتمع، بل تظهر من واقع المجتمع وتظهر لعقل المراقب الواعي. فالعروبة ليست إذن عملية ذهنية بل واقعية وتوضيحاً نقول : هل إن أحداً من رجال الدولة أو الفكر تمكن عبر الأجيال من تركيب أمة في ذهنه ومن ثم تطبيقها فيما بعد في المجتمع ؟ ومن يحاول فعل ذلك يكون واهماً يصدمه الواقع ويفسد أبداعه فكيف بحال الانتهازيين؟ كما إن القضايا الحضارية لا تعالج بمرسوم ولا تلغى أو توضع موضع التنفيذ بانقلاب عسكري ولا حتى بثورة، فالقضايا الحضارية موضوع شائك ومعقد لما هي عليه من اتساع في المدى وتنوع المعطيات.

ب - العروبة هي جماعة لها وجود واقعي وتاريخي، وشخصية مجسدة، 

بالتالي ليست مجرد فكرة مجردة جوهرية، ماهوية بل فكرة واقعية محددة ومجسدة بواقع الفكرة، وبالمظاهر الفعلية، لها شخصية قانونية، لغة مشتركة، أرض مشتركة، سلوك نفسي جمعي.والعروبة هي التعبير الفكري الذهني عن الواقع العيني للجماعة السياسية الأمة، فإذا كانت الأمة هي فكرة قومية لها مسوغاتها فلأنها قبل أي اعتبار تعبر عن واقع وجودي، عن كينونة الأمة في زمانية وواقعية الوجود التاريخي الاجتماعي. والجدل حول مفهوم العروبة، وحتى فكرة العروبة هي جزء لا يتجزأ من وجود العروبة.
الأمة وجود وكيان وشخصية عيانية، والجدل حول مفهوم الأمة، لا يغير، ولا يبدل من حقيقة وجود الأمة المادي والروحي.

ج - يجب علينا مجابهة الفكر، الماهوي الجوهري، الصوري.

الذي لا يميز بين الأمة الوجودية وهي الوطن العربي الطبيعي، بقومه وأرضه، وبين التعبيرات الفكرية الأيديولوجية الكلية عن وجود العروبة . وبالتالي يجب تحرير الفكر العربي من أسطورة الحتمية الوحدوية وأشكالها المختلفة، ومن المفهوم الوجودي القومي الواحد، الذي يفرز بوجوده الحتمية وأشكالها المختلفة، وتلك هي الخطوة الأولى على طريق محاربة عملية الانزلاق في الإقليمية والمحلية، كما يحدث الآن في كثير من البلاد العربية. كما أنه لا يمكن أن يقوم أي شكل من أشكال الوحدة العربية على أساس عاطفي، أو ديني أو عرقي، وهذا يعني خلق الإنسان العربي متحرراً من كل الرواسب والسلفيات، والعصبيات وحتى الخرافات والأسطورات.

العروبة ببعدها الحضاري والإنساني لا يمكن أن تتحقق سوى بشرط أساسي وهو المواطنة والعلمنة وهذه عبرة من العبر التي يعلمنا إياها التاريخ أو الواقع الحاضر، ولا تترك أمامنا سوى سبيل واحد ألا وهو النظام العلماني أو المدني، نظام الحرية الدينية والكرامة الإنسانية، القائم على حياد السلطة وإعطاء الحرية الدينية للفرد، وإعطاء أصحاب الأديان حرية التملك اللازمة لممارسة أنشطتهم وحاجاتهم، وبالتالي فصل الدين عن الدولة، ففصل الدين عن السياسة ضرورة تعلمنا إياها التجارب، وهو حال التاريخ العربي.

ولكن هل سنتعلم من الأيام أم نتركها تعلمنا وتتعلم بنا ؟؟

وهل سنعتبر من التاريخ ؟ أم نكون دائماً عبرة لمن يعتبر؟





For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com