2010-03-19

الدبلوماسية ومسألة المياه





سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية


http://news.maktoob.com/article/3406211


21-3-2010       موقع مكتوب الاخباري

منذ القدم لجأت الدول إلى المياه لرسم حدودها ولحماية نفسها من المعتدين أو لشن الهجوم على العدو ولقد تم استخدام المياه كوسيلة استراتيجية وتكتيكية وكسلاح للضغط والدعاية. وتكمن أهمية مسألة المياه على عدة مستويات :
أولاً: الامثلة التاريخية الدالة على تطبيق نظرية الحدود على الأنهار والبحيرات كثيرة جداً، ويكفي القول على أن 52% من الترسيمات الحدودية في أمريكا اللاتينية تتطابق مع مواقع هيدروغرافية، في مقابل 34% في أفريقيا، و25% في أوروبا، و23% في آسيا أي بمتوسط عالمي قدره 32%. حيث هذه الحدود الطبيعية تم التوصل إليها بعد حروب ومعاهدات صاغت تاريخ العلاقات الدولية منذ ما قبل الميلاد ومن هذا المنطلق تم استخدام المياه كوسيلة دفاعية وهجومية استراتيجية وتكتيكية في الصراعات بين الأمم أو الدول.
ثانياً: المياه تغطي 71% من مساحة الكرة الأرضية ولكن 98% منها تحتوي على نسبة عالية من الملوحة تجعلها غير صالحة لمعظم الاستخدامات كما تشكل المياه وسطاً معقداً وهشاً وهي مصدر حياة الكائنات الحية وهناك القليل جداً من النشاطات البشرية سواء في الإنتاج أو الاستهلاك لا يستخدم المياه كمادة لا بديل لها.
تشير التقارير الدولية أن موارد المياه المتاحة لكل فرد في العالم سوف تتقلص بنسبة لا تقل عن 50% خلال الفترة الواقعة بين عامي 2000 - 2025 وتكمن الخطورة عند معرفة أن نسبة الاستهلاك العالمي للمياه تزداد بمعدل 8.4% سنوياً. وفي خضم هذا الواقع العالمي الذي يعاني من مشكلة نقص حاد في الوضع المائي أصبح تقاسم مصادر المياه ضرورياً أكثر فأكثر وصعباً بفعل تنوع الحاجات والاستخدامات واللاعبين. وفي ظل التقارير والدراسات التي تشير إلى أن القرن الحالي سيشهد حروباً داخلية وخارجية للسيطرة على المياه مثلما شهد القرن الماضي حروباً على النفط وتبدو المياه رهاناً استراتيجياً تدخل في صميم الأمن القومي لأي بلد سواء على الصعيد السياسي، الاستراتيجي، الاقتصادي الاجتماعي.

على ضوء ما تم التوصل إليه عالمياً من اتفاقيات ومعاهدات لتنظيم هذا الوضع إلا أن هناك كثير من الإشكاليات لتي تطرح مستقبلياً لكيفية تعاطي الدبلوماسية مع هذه المسألة, فإذا كانت التقارير تتنبأ بوجود أزمات وصراعات مائية مستقبلية فهل هذا مؤشر على أهمية الدور الدبلوماسي في المستقبل؟ 
هل هذا الوضع المائي الجديد المستقبلي يعبر عن حتمية الصراعات والنزاعات؟ 
أم أن طبيعة هذه النزاعات والصراعات المائية تحتم علينات العودة إلى الجغرافيا؟م
هل تفرض الدبلوماسية الجغرافية – إذا جاز التعبير – نفسها وتضع الدول أما خيارات غير تقليدية كواقع الصراع العربي الإسرائيلي؟ 
هل هذا يدفعنا إلى القول أن العصر القادم هو عصر دبلوماسية الجغرافية المائية؟ 
ما هو حيز التحرك الدبلوماسي والسياسي لكل من الدول الغنية في مصادر المياه أو الدول شحيحة الموادر المائية؟
هل يمكن فهم الاستراتيجية التركية المستقبلية دون فهم السياسة المائية لتركيا الباحثة عن دور إقليمي متعاظم في منطقة يعاني 14 بلداً فيها إضافة إلى ثماني بلدان في الاتحاد السوفييتي سابقاً من مشاكل مائية وغذائية؟
كيف يمكن للدبلوماسية الكويتية التعاطي مع الثمن السياسي الذي سوف تدفعه الكويت مقابل الحصول على الماء في المستقبل سواء عن طريق إيران أو العراق؟
ما هو انعكاس أزمة المياه على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي؟
هل ستكون أزمة المياه المستقبلية بمثابة عود الثقاب الذي سوف يشعل فتيل الانفجار والصراع الحتمي؟ 
أم تكون تلك الأزمة بمثابة الباب الذي سوف يتم الدخول عن طريقه إلى مرحلة جديدة من العلاقات القائمة على التعايش الحتمي؟

تكمن الخطورة في مسألة المياه بأنها تدخل في صميم الأمن القومي الأمن الغذائي, وتعتبر المياه كأحد المصادر الأكثر تفاوتاً في التوزيع في العالم حيث تتقاسم عشرة بلدان 60% من المياه العذبة في العالم وهي بالكيلومتر المكعب سنوياً كالأتي :
1- البرازيل 5670     2 – روسيا 3904      3- الصين 2880
4- كندا 2850        5- أندونيسيا 2530     6- الولايات المتحدة 2478
7- الهند 1550        8 - كولومبيا 1112   9- الكونغو الديمقراطية 1020
على سبيل المقارنة، فإن كل دول الاتحاد الأوروبي ما عدا النمسا وفنلدا والسويد تستفيد من 816كلم3 في السنة, وعلى النقيض الآخر فإن البلدان الأكثر افتقاراً هي البلدان الأصغر أو الأكثر وعورة وهي من أسفل إلى أعلى بالكلم3 سنوياً:
الكويت والبحرين صفر تقريباً من المياه العذبة المتجددة،
مالطا 25، سنغافورة 600, كل من ليبيا والأردن 700, قبرص 1000.
وعلى طرف ونقيض آخر فإن سيرينام تملك تدفقاً سنوياً معدله مليوني متر مكعب لكل نسمة وإيسلندا 708000 م3، ومتوسط دول الاتحاد الأوروبي 2530م3.

على صعيد عالمنا العربي فإن معظم مصادر المياه العربية تنبع من مصادر غير عربية مما يجعل الأمني القومي العربي قابل للاختراق من قبل كثير من الدول منها على سبيل المثال تركيا، أثيوبيا، إسرائيل. وكثيراً ما يتم استخدام المياه كسلاح تهديد ضد العرب والضغط عليهم وهو ما حدث فعلاً عام 1998 الضغط التركي على سوريا, وكما حدث أيضاً بين مصر وأثيوبيا. ولكن يبقى الأمر أكثر تعقيداً على مستوى الصراع العربي الإسرائيلي حيث أمام هذا الوضع المائي الصعب فإن إسرائيل تقترح تعاوناً مائياً في المنطقة من فرضية أن العقدين القادمين من القرن الحادي والعشرين سيكونان على الأرجح عقدي صراع وتشاحن على موارد المياه في الشرق الأوسط وتعتبر أن حل أزمة المياه بالطرق التقليدية لم يعد يجدي نفعاً، وأنه لا مفر من أدوات وأساليب جديدة لإدارة هذا الصراع قبل أن يتحول إلى أزمة حادة يصعب حلها. 

تدخل مسألة المياه بالنسبة إلى إسرائيل في صميم الأمن القومي بل هي مسألة وجود بكل ما تحمله الكلمة من معنى وتحاول إسرائيل من خلال هذا الوضع المعقد أن تأخذ المياه كنموذج حتمي للدخول في سلام وتطبيع مع الدول العربية يخدم مصالحها الاستراتيجية. ونتيجة لتلك الوقائع والمعطيات لا بد من طرح ومواجهة تلك التساؤلات المستقبلية :

هل هناك استراتيجية عربية واضحة فيما يتعلق بالأمن القومي المائي العربي؟ 

هل الأمن القومي المائي لبعض الدول العربية سوف يفرض عليها خيارات قد تكون خارج إطار العمل العربي المشترك؟ 

هل يمكن لنا التنبؤ بطبيعة العلاقة العربية العربية في ظل الأزمة المائية مثلاً ماذا سيحدث في المستقبل بين مصر والسودان، العراق وسوريا، الأردن وسوريا؟ 

هل هناك رؤية واضحة للمستقبل المائي ولكيفية التعامل مع الخيارات الحتمية المائية التي سوف تفرض نفسها على الصراع العربي الإسرائيلي؟

ووفقاً لما يرسم من صورة قاتمة للوضع المائي العالمي والإقليمي يبقى التساؤل مشروع عن كيفية إيجاد السبل لحل هذه المعضلة سواء على الصعيد العالمي أو الإقليمي أو على صعيد القانون الدولي، طبعاً بالإضافة إلى السياسة العامة الداخلية في كل بلد؟ فمسألة المياه في الإطار العام ولكونها أزمة عالمية فإن السبيل لحل هذه المعضلة يكمن على ثلاث مستويات :
أولاً- محلياً:
الحلول التقنية التي يمكن لكل دولة أن تنتهجها للحد من تفاقم الأزمة، ومنها ما هو قائم على سياسة ترشيد الاستهلاك، وإقامة السدود، تحلية مياه البحر، وإتباع سياسة زراعية قائمة على أخذ بعين الاعتبار الوضع المائي. والتوعية الوطنية القائمة على التربي على احترام هذه المادة الحيوية ثقافة خلقية المياه وهذا مثلاً ما فعلته الحكومة الكويتية رافعة شعار الماء عديل الروح.
ثانياً – عالمياً:
أحد أسباب أزمة المياه عالمياً هو ما يحدث على صعيد عالمي من تلوث بيئي ينعكس يومياً على الوضع المائي وأقل ما يمكن قوله في هذا الإطار ما ينتج عن التلوث البيئي من ارتفاع في درجة حرارة الأرض مما يترك آثاراً خطرة للغاية على الثروة المائية العالمية. ومن هذا المنطلق تكمن أهمية الفاعلين الدوليين ومنهم المنظمات غير الحكومية المدافعة عن البيئة. ومسألة المياه عالمياً نموذج يؤكد - ويجب علينا أن نقر بذلك – بأن هناك دبلوماسية جديدة تظهر على الساحة الدولية وهو ما يعرف بدبلوماسية المنظمات غير الحكومية.
ثالثاً – قانونياً :
أشواطاً كبيرة قد قطعت عالمياً لوضع معاهدات واتفاقيات دولية لتنظيم مسألة المياه ومن آخرها اتفاقية عام 1997 اتفاقية الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية إلا أنه في ظل استمرار التوزيع غير المتكافئ للموارد المائية والنمو المتزايد للطلب تبدو المياه رهاناً استراتيجياً مولداً لأوضاع نزاعية بين الدول تبقى تحت رحمة موازين القوى في غياب تشريع دولي حقيقي ملزم في مجال المياه، بالإضافة إلى غياب الآلية الواضحة لكيفية التعامل مع المخالفين لهذه الاتفاقيات أو عدم المشاركين فيها فمثلاً هل يمكن لدولة كتركيا لديها هذا الرهان الدولي الاستراتيجي أن تتخلى عنه؟

في النهاية علينا محاولة الإجابة عن تساءل استذكاري فيما إذا كان هناك في عصرنا الحديث نموذج صراعي ما بين الدول – فيما يتعلق بالمياه- تم حسمه عسكرياً ؟


قد تكون الإجابة على هذا التساؤل التاريخي  بمثابة المؤشر الذي على ضوئه يمكن رؤية وتحليل ما سوف تؤول إليه الأوضاع في المستقبل؟




2010-03-17

الأمن الحقيقي الإسرائيلي وهوية المنطقة العربية






سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية
موقع خبرني الالكتروني
www.khaberni.com/more.asp?ThisID=31647&ThisCat=63
5\4\2010

 
ترى إسرائيل أنّ انخراطها في مشاريع شرق أوسطية سيعود عليها بفوائد سياسيّة، اقتصاديّة وأمنيّة وهي محطة انطلاق جديدة في مسار وجودها وتطوّرها. وإذا أردنا الغوص في حيثيّات أقدميّة المشاريع الشرق أوسطية وإلى من تعود فكرته، يمكن الاكتفاء بقراءة كتاب شمعون بيريس "الشرق الأوسط الجديد" وربطه بما يطرح الآن لنرى أنّ إسرائيل هي الأساس المحوري في النظام الشرق أوسطي حيث يطرح بيريس أفكاراً قائمة على إقامة نظام إقليمي تكون إسرائيل جزءاً محورياً فيه وهذا النظام قاعدته الأمن والاقتصاد وإشاعة الديمقراطيّة وهذه الأفكار هي دعائم النظام الشرق أوسطي الكبير أو الأوسع ذائع الصيت .
 

بغضّ النظر عن اسم وحجم هذا المشروع وامكانية تحقيقة فإسرائيل تحتل موقع المحور والقاعدة الإستراتيجيّة فيه. والمصالح الاستراتيجيّة لإسرائيل تكمن في كل طيّاته حيث أنّ انخراطها في هذا المشروع سيعود عليها بفوائد سياسيّة جمّة، إذ سيفسح في المجال أمام قيام علاقات طبيعيّة بينها وبين جيرانها وسيمكّنها من تدوير الزوايا الحادّة في القضيّة الفلسطينيّة، كا قضية القدس، اللاجئين وحق العودة. وهذا المشروع سيكبح مسار التكامل العربي ويسهّل أيضاً لإسرائيل الانخراط في إطار متعدّد القوميّات على نحو متكافئ مع الهويّات الأخرى.
 

من الناحية الاقتصاديّة هذا المشروع يؤدّي إلى تحويل إسرائيل إلى شريك اقتصادي في أسواق المنطقة ومياهها وبنيتها التحتيّة. وفي ظل اقتصادي عالمي قائم على المعرفة والتكنولوجيا، فإنّ إسرائيل ستكون من منطلق تفوّقها التكنولوجي صاحبة الموقع المتميّز في هذا النظام. وعلى الصّعيد الأمني فالأمن الإسرائيلي هو على قائمة المصالح التي يضمنها ويحققها المشروع لتصبح إسرائيل جزءًا من هذا الأمن بدلاً من كونها خطراً وعدواً لهذا الأمن العربي.
 

الإستراتيجيّة الإسرائيليّة من بعد الحرب الأميركيّة على العراق تعمل في الدّرجة الأولى على تفتيت الدول العربية من قناعة لا ريب فيها لدى إسرائيلي مفادها أنّ الأمن الحقيقي لإسرائيل لا يمكن أن يتحقق على المدى البعيد طالما أنّ لهذه المنطقة هويّتها العربيّة والإسلاميّة، وطالما وجدت دول كبيرة نسبيّاً كالعراق، سوريا ومصر فالأمن الحقيقي لإسرائيل يقتضي تغيير هويّة المنطقة الثقافيّة، الحضاريّة والسّياسيّة إلى "شرق أوسطية". وبالتالي لا بدّ من تغيير تركيبتها الاجتماعيّة إلى فسيفساء طائفيّة وإقليميّة. 


طالما بقيت المنطقة عربيّة ستبقى إسرائيل غريبة فيها أمّا إذا أصبحت هويّة المنطقة شرق أوسطيّة، أي أصبح وضع كل المنطقة شاذاً، فإنّ وجود إسرائيل سيصبح طبيعيّاً فيها. والاحتلال الأميركي للعراق جاء ليصبّ في هذه الخانة فإسرائيل ترى بأنّ العراق المقسّم والمفتّّت إلى مذاهب وطوائف ودويلات متعدّدة هو النموذج والبداية لما يجب أن تكون عليها المنطقة بأسرها مستقبلاً لتضمن بذلك أمنها الحقيقي في المستقبل البعيد.
 
الأمن الحقيقي الإسرائيلي على المدى البعيد يتطلب تنفيذ مشروع تفتيت التفتيت أو تجزئة التجزئة، من أجل خلق فراغ إقليمي يسمح لإسرائيل أن تلعب الدّور الإمبراطوري السّياسي والاقتصادي والثقافي والأمني الذي تطمح له وخلق محيط تابع تستمدّ منه إسرائيل القوّة والحيويّة من خلال تحويل التهديد المحتمل إلى مجال حيوي يصل إلى أطراف الصين.


الوثيقة الإسرائيليّة التي وضعتها المنظمة الصهيونيّة العالميّة organization world zionist  التي ترجمها البروفيسور إسرائيل شاحاك عن مجلة كيفييم تعكس رؤية إسرائيل الشرق أوسطيّة للمنطقة برمّتها. ومن ال مقتطفات الرئيسيّة في هذه الوثيقة التاريخيّة الاستراتيجية: 

مصــر: 

إنّ تفكيك مصر إقليميّا إلى مناطق جغرافية متمايزة هو الهدف السياسي لإسرائيل في الثمانينات على جبهتها الغربية. فإذا أسقطت مصر، فإنّ دولاً مثل ليبيا والسودان وحتى الدول الأبعد لن تتمكن من البقاء بشكلها الحالي وسوف تلحق بسقوط وانحلال مصر. والرؤيا التي تتمثل بدولة قبطية مسيحيّة في أعالي مصر إلى جانب عدد من الدول الضعيفة ذات السلطات المحليّة التي لا ترتبط بحكومة مركزيّة، هي مفتاح التطور التاريخي الذي أجّله فقط اتفاق السّلام، والذي سوف يتبدّد حتميّاً على المدى الطويل. 
 

سـوريـا : 

إنّ سوريا سوف تتناثر بالتطابق مع تركيبتها الإثنيّة والدينيّة إلى عدد من الدول، بحيث يكون هناك دولة شيعيّة علويّة على السّاحل ودولة سنّّيّة في مناطق حلب، ودولة سنيّة أخرى في منطقة دمشق تعادي جارتها السّنيّة في الشمال. أمّا الدروز، فسيكون لهم الدولة الخاصة بهم أيضاً، ربّما حتى في الجولان، وبالتأكيد في منطقة حوران وأجزاء من شمال الأردن. وهذه الحالة سوف تكون ضمانة الأمن والسّلام في المنطقة على المدى البعيد. 
 

العــراق: 

العراق الغني بالنفط من جهة، والممزّق داخلياً من جهة أخرى، مضمون كمرشح لأحد أهداف إسرائيل. إن انحلاله أكثر أهمية بالنسبة لنا من انحلال سوريا. فالعراق أقوى من سوريا، وعلى المدى القصير، تشكل القوّة العراقية الخطر الأكبر على إسرائيل... وكل خلاف عربي داخلي سوف يساعدنا على المدى القصير، وسوف يمهّد الطريق لتحقيق الهدف الأهم، أي تحطيم العراق إلى طوائف كما في سوريا ولبنان. ان تقسيم العراق إلى أقاليم على أساس خطوط إثنيّة دينيّة كما كان الحال في سوريا خلال الزّمن العثماني هو أمر ممكن. وهكذا ستقوم ثلاث دول أو أكثر حول المدن الأساسية الثلاث: البصرة، بغداد والموصل. وستنفصل المناطق الشيعيّة في الجنوب عن السّنة والأكراد في الشمال، ومن الممكن أنّ المواجهة العراقية – الإيرانية الحالية قد تعمّق هذا التبلور.

السعوديـة : 

الجزيرة العربية بأسرها مرشحة طبيعياً للتفكك بسبب الضغوطات الداخليّة والخارجيّة، وهذا الأمر محتوم خاصّة في السعودية، وبغضّ النظر عمّا إذا بقيت قوّتها الاقتصاديّة أم تضاءلت على المدى الطويل، فإنّ الانشقاقات الداخليّة والانهيارات ستكون تطوّراً طبيعياً وماثلاً في ضوء التركيبة السّياسيّة الحاليّة.
 
الأردن:

يشكل هدفاً استراتيجياً آنياً على المدى القصير، ولكن ليس على المدى الطويل. فالأردن لا يمثل خطراً جدّياً على المدى الطويل بعد انحلاله ونقل السلطة إلى الفلسطينيين. ليس هناك أيّة فرضيّة لاستمرار الأردن بتركيبته الحاليّة مدة طويلة. وسياسة إسرائيل في الحرب والسّلام يجب أن تتوجّه نحو تصفية الأردن بنظامه الحالي، نقل الحكم للأغلبيّة الفلسطينيّة وتغيير النظام شرق النهر، فيكون الأردن لهم، والمناطق غرب النهر لليهود. سيكون هناك تعايش وسلام حقيقيين فقط عندما يفهم العرب أنه بدون حكم يهودي بين النهر والبحر، لن يكون لهم أمن ولا وجود، فإذا أرادوا دولة وأمناً فإنّ ذلك سيكون لهم في الأردن فقط . 

في هذه الوثيقة أيضاً هناك تصوّر من النمط التفكيكي ذاته عن دول المغرب العربي والبربر, وعن السودان وجنوبه وعن لبنان وطوائفه
        
           



2010-03-09

الإسلام والعروبة والأسس الحضارية






سلام الربضي \ باحث ومؤلف في العلاقات الدولية

موقع خبرني الالكتروني - عمان 

www.khaberni.com/home.asp?mode=more&NewsID=30254&catID=65

10-3-2010

يجمع علماء الأنتروبولوجيا على أن البلاد العربية تشكل أعرق بقعة حضارية في العالم، انتقل فيها الإنسان إلى العصر الحضاري في 1000 الخامس قبل الميلاد, وبالتالي يجب النظر إلى الحضارة العربية من منظارين، منظار تعددي ثابت، ومنظار متداخل متحرك.

أ- المنظار التعددي الثابت:

لقد توالت عى أرض العرب ثقافات متعددة أهمها :


أولاً ثقافة وادي النيل: وتميزت بنظرة روحانية وأخلاقية للوجود.


ثانياً ثقافات بين النهرين: واتصفت بنظرة قانونية وحقوقية للعلاقات الإنسانية .


ثالثاً ثقافات أخرى: منها العبرانية والفينيقية والآشورية، ولقد تأثرت بالحضارات التى سبقتها.


رابعاً: الثقافات المسيحية: وتأثرت بالروحانية المصرية، وتقسم إلى الثقافة المسيحية السريانية والثقافة المسيحية الهيلينية . 


خامساً الثقافة الإسلامية: وتقوم على تراث العرب القبلي، تراث العرب المدني: أمويين، عباسيين إلخ، وتراث الشعوبيين كالفرس، الترك وغيرهم.


سادساً الثقافة الغربية: منذ بداية القرن التاسع عشر وهي ما زالت تؤثر في البلاد العربية في مجالات مختلفة منها المؤسسية والمعاملات والأخلاق العربية، ولقد وصلت الثقافة الغربية إلى الوطن العربى عبر موجات حضارية ثلاث: الثقافة الغربية الدينية, الثقافة الغربية الليبرالية، الثقافة الغربية الماركسية.

ب- المنظار المتداخل والمتحرك :

إن الحضارات التي سبق تعدادها لم تلتصق إحداها بالأخرى فحسب بل تداخلت وامتزجت واقتبست اللاحقة الكثير من السابقة لها وتطورت نتيجة لهذا الامتزاج والاقتباس ومجموع هذه الثقافات بتعددها وتداخلها وانصهارها الواحدة في الأخرى تشكل الحضارة العربية.

ويمكن توضيح علاقة الإسلام بالعروبة من خلال أربعة مراحل تاريخية وهذا التقسيم غايته التوضيح أكثر ما هو ترتيب زمني قاطع ذلك لأنه لا يمكن ضبط الحدود الزمنية ضبطاً دقيقاً بسبب تداخلها وتكاملها وتواصلها. 


المرحلة الأولى الجزيرة العربيه والإسلام :


الجزيرة العربية بظروفها ومناخاتها الطبيعية والإنسانية هيأت لظهور الإسلام كما أن للقبائل العربية المسيحية واليهودية والوثنية بصماتها في الكثير من المواقف والتعاليم والعقائد التي تضمنها القرآن الكريم إذ نزل القرآن بلغتها ومن الجزيرة انطلقت الدعوة فإذاً الصلة بين الجزيرة العربية والإسلام صلة جذور ومصير ولولا الإسلام لما خرج العرب من الجزيرة العربية ولما اتخذت اللغة العربية حجمها الضخم. 

وعندما ننظر لتعلق العرب المسلمين بدينهم، إنما نرى فيه كل تلك الخلفيات التاريخية العميقة إلى درجة المزج العضوى بين العروبة والإسلام بل إلى حد التوحيد بينهما.


المرحلة الثانية العهد الأموى والعباسي :


تميزت الدعوة الإسلامية بأنها كانت رفيقة العمل السياسي فكانت فتحاً دينياً عسكرياً ونشر معتقدات وبناء دولة، وتحولت فيما بعد إلى إمبراطورية عربية واسعة الانتشار وامتدت أيام الأمويين لتصل إلى أفريقيا والأندلس غرباً وإلى خراسان وما حولها شرقاً ومع هذا الاتساع برزت الحركات الدينية والأحزاب السياسية وأصبحت الخلافة وراثية وتأثرت الإدارة العربية بالإدارة الفارسية واليونانية والقبطية وأصبحت العربية ليس فقط لغة الدين بل أيضاً لغة الدولة والإمبراطورية وتم قطع عملة عربية إسلامية استبدلت مكان الدنانير والدراهم البيزنطية والفارسية.

ما يميز حكم الأمويين أن المسلمين من غير العرب لم يكن لهم حظ في الحكم ولا نصيب في الحياة الاجتماعية وعندما تسلم العباسيون الحكم بعد سقوط الأمويين تبدلت نوعية الحكم ونشأت أوضاع جديدة وهامة على صعد مختلفة أهمها التجزئة وتقلص الرابطة العربية لصالح الرابطة الاسلامية حيث استعان العباسيون بالمسلمين غير العرب في مختلف المراكز وأعلاها فضعف الدور الذي يلعبه العنصر العربى وزالت الرابطة الوثيقة التي كان يستند عليها في الحكم أبان الخلفاء الراشدين والأمويين إذ أن العامل الديني إن لم يكن مدعماً بعصبية قومية متحدة يضعف فعله وظل هذا الوضع على ما هو عليه حتى جاء المغول وأزالوا الدولة العباسية في المشرق كله .

وبالرغم من انحسار وضعف العنصر العربى فى الحكم إلا أنه تم التعويض عنه في العهد العباسي بقيام حركة فكرية زاخمة شارك فيها العرب وغير العرب من خلال اللغة العربية وجعلوا من ذلك العصر العصر الذهبي من تاريخ الفكر العربي _ على الرغم من أن تاريخ الفكر العربي يرقى إلى ما قبل العباسيين بوقت طويل _ حيث لمعت أسماء كبار العلماء والفلاسفة والشعراء والمؤرخين أمثال الجاحظ، الفارابي، الخوارزمي، الكندي، الرازي، ابن سينا، أبو العلاء المعري، جابر بن حيان، الغزاني، ابن طفيل، ابن رشد، ابن خلدون .


الإشكالية تكمن عندما يتم التساؤل حول ما يمكن تسميته فكراً عربياً أم فكراً إسلامياً؟

فهنا نواجه معضلتين فهذه الفلسفة مكتوبة باللغة العربية ولكن كثير من رجالها غير عرب بل هم ترك كالفارابي، وفرس كالغزالي، ويوجد عند الفرس والأتراك أساليب مختلفة للتفكير حسب بيئتهم، فكيف يحق لنا أن نسمي هذه الفلسفة عربية ورجالها أكثرهم من غير العرب، وإذا أردنا تسميتها إسلامية، فعلينا معالجة كل ما كتبه المسلمين في لغاتهم المختلفة : الهندية الفارسية ... إلخ ونحن لا نعالج إلا القسم المكتوب باللغة العربية فقط، كما أن هناك أفراد من غير المسلمين ساهموا في الفكر العربي من المسيحيين واليهود, ويلاحظ من استعراض المرحلة الثانية من تاريخ العرب والإسلام ملاحظات رئيسية مهمة جداً :


1- عملياً وبعد انتهاء العصر الأموي لم يعد هناك دولة عربية إسلامية موحدة.


2- من حيث العامل الديمغرافي يصعب القول أن العصر العباسي كان عصراً عربياً بسبب الاختلاط الكبير بين العرب وغيرهم.


3- انفتاح العرب والمسلمين ضمن ديارهم على الحضارات السابقة.


أن العرب والمسلمين في عصورهم الذهبية كانوا عنوان الانفتاح الفكري والثقافي ولم ينغلق العرب والمسلمين على ذاتهم ولم يدعوا يوماً أنه فى خزائنهم الروحية والفلسفية غذاء يكفيهم مؤونة الاتصال بالشعوب والثقافات الأخرى.


المرحلة الثالثة مرحلة الحكم العثماني عصر الانحطاط : 


أسدل الستار على الحكم العربي بجميع أشكاله فدخل العرب عصر انكفاء سياسي رافقه انحطاط فكري حتى القرن العشرين حيث فقدت اللغة العربية دورها وزخمها وتدهورت العلوم والآداب والفنون وسائر النشاطات الفكرية ما عدا القليل منها، وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر بقيادة نابليون تأثر الكثير من العرب بالأفكار والمبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية مما ساعد الكثير من العرب والأتراك على الانتصاب في وجه الاستبداد والنظام التركي وقد ظهرت أربعة اتجاهات سياسية تصادمت فيما بينها :

1- اتجاه عثمانى أو جامعة عثمانية.
2- الاتجاه التركي الجمعية الطورانية.
3- الاتجاه العربي.
4- الاتجاه الإسلامي.


المرحلة الرابعة اليقظة العرببه والإسلامية :


بعد زوال الحكم العثماني، نشأ في المشرق العربي حركة قومية متنامية برزت على الصعيدين السياسي، والفكري، فظهرت محاولات إقامة الدولة العربية الموحدة، قبل ترك الاستعمار الفرنسي والإنكليزي وبعد الحرب العالمية الثانية، واستقلال العرب اقترن ذلك بقيام الأحزاب وظهور المفكرين لنشر الوعي العربي وثم تمت الدعوة لإحياء دور الإسلام وتحديد دوره في العصر الحديث والبحث في علاقة الدين بالقومية وخاصة الإسلام بالعروبة.


2010-02-23

مشروع اسرإئيل الجديدة أي إسرائيل اليهودية






سلام الربضي

موقع خبرني الاخباري

22-2-2010
http://www.khaberni.com/home.asp?mode=more&NewsID=29391&catID=63&writerID=774


عندما تتكلم إسرائيل عن مصالحها ومجالها الحيوي لا يمكنها التمييز بين حدود 1948 وحدود 1967 لأنّ المهم بالنسبة لها هو أن تكون حدودها آمنة بصرف النظر عن موقع هذه الحدود وطبيعتها على الخريطة. فالحدود ترتبط في إسرائيل ارتباطاً عضوياً برؤيتها لطبيعة دولة إسرائيل، الدولة اليهوديّة. فإسرائيل لا تكتفي وفقاً لإستراتيجيّتها بتفتيت تلك المنطقة فقط بل أيضاً إعادة رسم حدودها السياسيّة وإعطاء نفسها الحق في التمدّد وفقاً لمقتضيات إستراتيجيّتها ومجالها الحيوي، واضعة نصب عينيها القنبلة الديموغرافيّة التي سوف تواجهها وفق رؤيتها لمشروع إسرائيل الجديدة أي إسرائيل اليهوديّة.

والحدود الآمنة بالنسبة لإسرائيل هي الحدود التي تمكّن إسرائيل من السّيطرة على كل المنطقة الواقعة بين النهر والبحر، وهذا الفهم الخاص جداً للحدود الآمنة هو الذي يحدّد المصالح الإستراتيجيّة الإسرائيليّة والموقف من قضيّة التسوية مع العرب. والسّيطرة بالمفهوم الإسرائيلي ليست السّيطرة بالمعنى العسكري بل تشمل السّيطرة السّياسيّة، الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والسّيطرة الديمغرافيّة بالدّرجة الأولى.
فلا وجود ولا مستقبل بالمنظور الإستراتيجي الإسرائيلي للدولة العبرية إلا بالسّيطرة الفعليّة والكليّة بالوجود السّكاني الخالص لليهود في حدودها. وتعتمد إسرائيل في تحديد مصالحها الاستراتيجيّة وإدارة صراعها مع دول المنطقة على منهج واضح ودائم يرتكز على الدّعامات التالية:

1- اعتماد إسرائيل في المقام الأوّل على قواها وقدراتها الذاتيّة وأن تعمل باستمرار على تطويرها بحيث تحقق التفوّق على كل من يعتبر أو يشكل تهديداً لأمنها القومي الحيوي.

2- ادراك إسرائيل حاجتها إلى حلفاء أقوياء تعتمد على خدماتهم، ولكن يجب عدم ربط الأمن القومي الإسرائيلي بمصير أحد.
اعتقاد حلفاء إسرائيل بأنّ كل ما يحقّق مصلحة إسرائيل هو شعور يجب زرعه لدى الحلفاء وجعلهم يؤمنون به.

3- اعتماد الحلفاء على إسرائيل منهج يجب ترسيخه فبوسعهم الاعتماد على إسرائيل بمقدار اعتمادها عليهم وبالتالي حاجتهم لإسرائيل هي بمقدار حاجتها لهم ان لم يكن أكثر, حيث تبقى القوة هي حجر الزاوية لكل جهد إسرائيلي يستهدف كسب حلفاء جدد، والمحافظة على تحالفات قائمة.

4- كلّ ما هو عربي أو إسلامي وليس فلسطينياً فحسب يشكل تهديداً حاضراً أم مستقبلاً للأمن القومي الإسرائيلي. فالسّمة الأيديولوجيّة لأي نظام لا تعني إسرائيل بشيء بمقدار طبيعة سلوك وممارسة تلك الأنظمة تجاه المصالح الإسرائيليّة الإستراتيجيّة القوميّة.

5- لا تهتم إسرائيل كثيراً بما إذا كانت الدّولة العربيّة أو الإسلاميّة المعنيّة ديمقراطيّة أو غير ديمقراطيّة، وطنيّة أو قوميّة، رأسماليّة أو اشتراكيّة، علمانيّة أو غير علمانيّة. انّ كل دولة تقع في إطار مجالها الحيوي الإستراتيجي وتعتمد نظاماً سياسياً قوياً ومتماسكاً, لديه سياسة مستقلة يمكن أن تشكل خطراً أمنياً أو مستقبلياً على الأمن القومي الإسرائيلي. وذلك بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا النظام السّياسي مرتبطاً مع إسرائيل بمعاهدة سلام أو حسن جوار. 

المصالح القوميّة العليا لإسرائيل نابعة من عقدة أمنيّة وديمغرافيّة قد تكون مستعصية على الحل. ومن هذا المنطلق تعتقد إسرائيل بأنّه عليها عدم الثقة والاعتماد على أي كان بل العمل على اضعاف وتفتيت المحيط مهما كانت النتيجة .

وبالتالي يجب إقامة إسرائيل الكبري ذات الهوية اليهودية النقية، كقوة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط، ولتحقيق ذلك مستقبلياً – وفي ضوء ما يسمي بعملية السلام التي قبلها العرب- فإن على إسرائيل أن تسعي من خلال معاهدات السلام وترسيم الحدود إلى ضم ما تستطيعه من المناطق التي احتلتها في عام 1967، والتي تحقق متطلبات أمنها من وجهة النظر الجيوإستراتيجية، ويكفل لها الحصول على مصادر مياه إضافية، وفرض شرعيتها على تلك الأراضي، مع إخلائها من السكان العرب حفاظاً على الهوية اليهودية، على أن تعمل الإستراتيجية العسكرية على تحقيق ذلك من خلال الردع الوقائي ، وتأمين عمليات الضم والاستيطان وتهويد الأراضي، والتحكم في المنطقة سياسياً واقتصادياً وثقافياً مع الاعتماد على الذات عسكرياًًًً واقتصادياً.


2010-02-19

الأمن العالمي






الكاتب \ سلام الربضي

منبر الحرية 18 \ 2 \ 2010

www.minbaralhurriyya.org/content/view/979/705
 

أن الرهانات الدولية في ظل العولمة اضحت مرتبطة بشكل أقوى بالقضايا الاجتماعية وأقل تفاعلاً مع الاستراتيجيات السياسية والعسكرية . والفاعلون الاجتماعيون أكثر حضوراً على الساحة الدولية حيث المجال الدولي لم يعد حكراً على الحكومات وحدها بل هو فضاءاً عمومياً تتداخل فيه كل من الحكومات والأفراد والمنظمات غير الحكومية, والذي يعبر عن نوع من التصالح ما بين الإنسانية والواقع الدولي.

وهناك منظوراً جديداً للأمن بدأ يفرض نفسه متجاوزاً الإعتبارات الترابية والإقليمية والعسكرية, فالتحديات الجديدة جعلت مفهوم الأمن شمولياً ومتعدد الابعاد وأكثر التصاقاً من الحياة الاجتماعية, وهذا ما جعل برنامج الأمم المتحدة للتنمية يتبنى فكرة "الأمن الإنساني" فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات بل بمدى الاستجابة للحاجيات الاساسية للإنسان.

ونتيجة للظروف الناتجة عن اختلال التوازنات الاجتماعية وتزايد الاعتماد المتبادل بين مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية, تم التعجيل بالتفكير في مبدأ إدارة شؤون الدولة والمجتمع كمنط لتجديد اساليب الحكم وتفعيلها بشكل أفضل من خلال صياغة أشكال جدية في المشاركة , قائمة على التضامن والنهوض بالاحتياجات الاساسية للمواطن.

ومن الواضح بقدر ما هناك قوة في طموحات المشاريع الكونية على كافة الصعد الا أن هناك قصور _ إلى حد ما _ حين تتجسد في الواقع .

فعندما نتكلم عن المضامين الجديدة للأمن العالمي هناك كثير من التساؤلات تطرح:

تاريخيا هل تم تحقيق الأمن العالمي؟؟

المضامين الجديدة للأمن العالمي هل متفق عليها عالمياً ؟؟

هل يمكن مقابلة منظور السيادة الوطنية بمواطنية كونية شبة مكتملة ؟

وإذا كان هناك انماط معقدة من إنسنة الواقع الدولي فهل نكون قد انتقلنا من منظور كلاسيكي يدافع بقوة عن عدم التطابق بين حقوق الإنسان والسياسة الدولية إلى نوع من التجاوب الفعلي والمستمر وغير المستقر بينهما ؟

هل مرجعية المضامين الجديدة للأمن العالمي ستنمو بسرعة واقعية السياسة الدولية؟


عندما يتم التكلم عن المضامين الجديدة للأمن العالمي يجب علينا الاخذ بعين الأعتبار حالتين :

1- الأمن العالمي القائم على العلاقة بين الإنسان والطبيعة ( البيئة ) .

2- الأمن العالمي القائم على العلاقة فيما بين الإنسان واخيه الإنسان من جهه والدول فيما بينها (الأمن السياسي) من جهه اخرى .

فيما يتعلق بالعلاقة القائمة بين الإنسان والبيئة هناك تحديات تواجه الأمن العالمي, وقد يكون التضامن العالمي لإيجاد حلول لمواجهة التحديات في هذا الصدد أكثر إمكانية منه على صعيد الأمن السياسي بين الدول. والعقد الاجتماعي هو أساس شرعية القانون في المجتمعات البشرية, وفي النظام الدولي التقليدي, الدول تتمتع بقدر من الحرية والسيادة , ولا توجد أي سلطة فوقها , ولا قانون دولي الا ما تختاره على أساس اتفاقيات أو معاهدات تم مناقشتها بحرية تامة أو أعراف تم قبولها ضمنياً, فحرية الدولة لا تحدها سوى حرية الدول الآخرى, وإذا كانت الحالة الطبيعية قد تم تجاوزها في النظام الداخلي فليس الامر كذلك في النظام الدولي حيث القوة هي المقياس الوحيد للتصرف, على الرغم من أن الأمور قد تغيرت مع ظهور المنظمات غير الحكومية الا أن علاقة القوة داخل هذه المظومة ستبقى موجودة.

وإذا كان هناك حرص على المصلحة والسلطة والأمن القومي, إلا انه على الجانب الآخر هناك تشديد على الحق والعدالة ومراقبة الحكام والتركيز على حقوق الإنسان ,وهذا ما نجده في الصراع الفكري التاريخي بين هوبز الذي يرفض منح حقوق الإنسان أي اعتبار دولي باعتبار الأمن القومي هو وحده الذي يمنح المعنى للمصالح الوطنية. وبين غروسيوس الذي كان مناصراً للمواطنة العالمية ولنظام عادل يسمو فوق كل السلطات والسيادات.

على صعيد المضامين الجديدة للأمن العالمي هناك إشكالية على مستوى تأقلم الضوابط القانونية مع القضايا أو المشكلات العارضة , فكيف يتم معالجة قضايا في ظل غياب قواعد قانونية تضبط هذه الأوضاع العارضة مثل قضية اللحوم الملوثة هرمونيا التي انقسم حولها الرأي العالمي بين الولايات المتحدة وكندا من جانب والمجموعة الأوروبية من جانب آخر.

هناك كثير من القضايا الشائكة التي تطرح علامات استفهام حول إمكانية الاتفاق عليها خاصة على الصعيد الثقافي , والخلاف الدائر ما بين منظمة الصحة العالمية ومصر حول ختان الإناث يعبر عن واقع هذه التناقضات, حيث تعارض منظمة الصحة العالمية هذه العملية من منطلق الدفاع عن حقوق الإنسان وتحديداً حقوق المرأة , بينما تدافع مصر عن موقفها من منطلق التمتع بالحقوق الثقافية الخصوصية للمجتمعات التي كرسها الأعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الجانب الاستراتيجي والمصلحي ما زال فاعلاً وحاضراً بقوة وكثيراً ما تتحول حقوق الإنسان إلى أداة لضغط الأقوياء على الضعفاء وهو ما يخلق التداخل بين ما هو دولي وما هو إنساني وبالتالي من الطبيعي أن ينعكس ذلك فيما بعد على الأمن العالمي.

ان الأمن العالمي التي بدأت تتضح معالمة يوماً بعد يوم والذي يجعلنا اكثر تفاؤلاً بمستقبل التعاون الدولي, وسيبقى القانون الدولي دعامة لهذا المستقبل وهنا نتساءل :

كيف يمكن للقانون الدولي ان يتطور؟

هل يمكن للقانون الدولي أن يتطور إلا في ظل الحياد السياسي الذي يسمح له بالمحافظة على استقلاليتة ؟
 هل ذلك ممكن ؟

تاريخياً هل تم تحقيق ذلك؟


2010-02-13

الاستراتيجية الإسرائيلية وبناء إيران لقوّتها الذاتيّة







سلام الربضي

http://news.maktoob.com/article/3322171

17-2-2010

لقد صرّح وزير الدّفاع الإسرائيلي السّابق موفاز مشدّداً على أنّ أهمّ هدف ستجنيه إسرائيل من الحرب على العراق وإقامة نظام موالي للغرب فيه هو عمليّة احتواء لكل من سوريا وإيران. وبالتالي سوف يؤدّي الضّغط على إيران لكي لتتخلى عن مشروعها النووي، وهو ما يتم العمل من اجلة حالياً بالإضافة إلى محاولة الضغط على إيران للتّخلي عن حزب الله.

وتشير تقارير مراكز الأبحاث التابعة لجهاز الاستخبارات العسكري الإسرائيلي أنّ وضع إيران وسوريا بعد إسقاط النظام في العراق سيكون أكثر بؤساً. وسيكون فكّا الكمّاشة أكثر ايلاماً على دمشق وطهران حيث يتمّ تطويقهما بأفغانستان وتركيا والجيش الأميركي في العراق بالإضافة إلى إسرائيل، وبالتالي تصبح التهديدات الأميركيّة والإسرائيليّة لكلا البلدين أكثر جدّيّة.

والاحتلال الأميركي للعراق قد جعل سوريا مطوقة ومحصورة ومحاصرة بالقوات الأميركية المحتلة إلى الشرق والقوات الإسرائيلية إلى الجنوب والغرب للبحر ومن فيه وقد أضافت الأزمة السياسية المتفاقمة خطورة في لبنان والتي استدعت الكثير من الدول إليه وغالباً بذريعة حمايته من سوريا أبعاداً دولية تستفيد منه بداية وانتهاء إسرائيل. كما إنّ التعاون الأمني ما بين الموساد والأكراد في شمال العراق يعبّر عن مدى الخطورة التي تتعرّض إيران لها أيضاً، وهي من حيث البعد الأمني والاستراتيجي تعتبر العدو الأوّل للأمن القومي الاسرائيلي، سواء على صعيد امتلاكها لبرنامج نووي ووجود قدرات صاروخية ذات مسافات بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية من جهة أو مواقف إيران المعادية لإسرائيل من جهة أخرى. 

من هذا المنطلق، فانّ إسرائيل أصبحت تعمل على أساس أن تكون إيران الهدف الثاني بعد العراق . ومن خلال متابعة المناورات العسكريّة الإسرائيليّة البحريّة وتطوير قدرات إسرائيل على شنّ عمليّة برّيّة في مناطق ودول تبعد عنها آلاف الأميال، وشرائها لغوّاصات دولفن الألمانيّة القادرة على الإبحار في المحيطات، ووجود طائرات اف- 16واف-15بالإضافة إلى الصّواريخ البالستيّة متوسّطة المدى طراز "اريحا 1" و "اريحا 2" التي تعتبر من أدوات الذراع الطويلة، فانّ إسرائيل قادرة على ضرب أهداف بعيدة في إيران وباكستان مثلاً. كما أنّ ما يتمّ العمل علية من قبل رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي من شراء وبناء سفن انزال برمائيّة كبيرة الحجم تستطيع الإبحار في المحيطات ولمسافات بعيدة وتأدية مهمّات متعدّدة. وهذه السّفن البرمائيّة يصل وزنها إلى 3 آلاف طن وتستطيع نقل نحو600 جندي مع معدّاتهم. ووفقاً لواقع العقيدة العسكريّة الإسرائيليّة فأنّ حرب إسرائيل ضد الإرهاب وسعيها إلى منع انتشار أسلحة الدمار الشامل قد يقودانها إلى خوض هجمات سريعة تبعد آلاف الأميال عنها.

من المنظار المعمّق للبعد الاستراتيجي والعسكري، كثيراً من التساؤلات تطرح من جرّاء تعزيز إسرائيل قدراتها لمهمّات بعيدة المدى؟؟
والتساؤل مطروح عن حاجة إسرائيل إلى أسطول برمائي بهذا الحجم ؟؟
هذا تغيير ينبغي أخذه بالحسبان في بناء القوّة العسكريّة للجيش الإسرائيلي الذي يتكيّف بسبب إيران مع مهمّات بعيدة المدى جداً.

لدى إسرائيل خطط توسّعيّة لفرض هيمنتها على الشرق الأوسط الأوسع الممتد من موريتانيا حتى حدود الباكستان والهند وضمّ أفغانستان وإيران وتركيا. وإذا كانت السّياسة الإيرانيّة تبدو سياسة ردع دفاعي، وإذا كان مضمون الموقف الإيراني من الحرب على العراق كان قائماً على الحياد الايجابي، والتكّيّف مع الواقع الدّولي واعتماد مبدأ القدرة على امتطاء جوادين في وقت واحد، فانّ حدوث عدوان أميركي أو إسرائيلي سوف يبقى وارداً جداً وبأشكال مختلفة. فبالرّغم من المكاسب التي حصلت عليها إيران نتيجة الحرب الأمريكية على العراق واندحار إسرائيل في حرب تموز وحرب غزة ,فهي لا تكفي لتحقيق اطمئنانها الاستراتيجي المفترض. وإيران بشكل خاص لا تزال وستبقى حاضرة في مكوّنات المشهد الأميركي الإسرائيلي.

المنطقة العربية تشهد صراعاً إقليمياً ودولياً بين أطراف مختلفة على رأسها إسرائيل وإيران للسّيطرة عليها وإعادة رسم خارطة القوّة في هذه المنطقة الحيويّة من العالم. ويعتبر النزاع القائم الآن حول الملف النووي الإيراني أحد أهم مظاهر صراع القوّة في المنطقة. فتحجيم إيران اقليمياًًًً هدف استراتيجي إسرائيلي بامتياز من أجل بقائها القوة الكبرى إن لم نقل الوحيدة في المنطقة. وأصبحت إيران تمثل قضيّة إسرائيل الأولى في الشرق الأوسط. 

إيران دولة كبيرة ذات ثروات ماديّة ضخمة وقدرات إنسانيّة، والأهم من ذلك تؤمن بإيديولوجيّة وأفكار تتعارض تماماًً مع المصالح الإسرائيليّة. فإيران لا تنطلق في إستراتيجيّتها من إطار إقليمي فقط، بل أيضاً من عمق حركة التجديد ومسيرة التكامل الفكري والايديولوجي داخلها. فالجيل الثاني من الثورة في إيران يتواصل مع قضيّة إسرائيل على الأقل من منطلق الابتعاد عنها وخارج نطاق الاتفاق الشامل.

إذن ستبقى المواجهة قائمة بين إيران وإسرائيل. كما انّ الجماعات المتديّنة والمحافظة التي تؤمن بالإسلام السياسي في إيران تحتفظ بدورها ووجودها، ولن تسمح لأي شريحة قد تستلم الحكم في إيران في المستقبل بالتوصّل إلى أي اتفاق استراتيجي مع إسرائيل. ومن هذه الزاوية أيضاً، فإنّ إيران تعدّ خطراً حقيقياً على إسرائيل وأمنها. فالخطر الإيراني قد يكون أكبر من الخطر العراقي وفقاًً للإستراتيجيّة الإسرائيليّة. 

استراتيجيّة إسرائيل تتمثل الآن في الإيحاء بأنّ إيران أكبر خطر إقليمي. وإلى حدّ ما قد نجحت في ذلك سواء على صعيد الولايات المتحدة أو دول المنطقة العربيّة، تحت غطاء الخطر من امتلاك إيران للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل وغطاء مواجهة مشروع نشر مبادئ الثورة الإيرانيّة الإسلاميّة الشيعيّة. فعلى الصّعيد الإقليمي تحاول إسرائيل الإبعاد ما بين إيران والدول العربيّة. كما تعمل على القضاء على كل أرضيّة لإقامة علاقات استراتيجيّة مستقرّة، لا سيّما ما بين دول جانبي الخليج,وكثير من المحللين يعزون سبب عدم التحسّن في العلاقات الإيرانيّة المصريّة والسّعوديّة إلى الضّغوطات الإسرائيليّة والأميركيّة، ومنها على صعيد المثال ما تعرّضت له مصر في أواخر عام 2007 وبداية 2008 من ضغوطات جرّاء الانفتاح والحوار مع إيران.

لو أمعنّا النّظر في العلاقات الإيرانيّة العربيّة، سنجد أنّ إيران لا تمتلك علاقات ممكن الرّكون إليها مع أي من الدول العربيّة سوى سوريا وهي العلاقات من النوع الخاص. بل إنّ علاقات إيران مع الدول العربيّة خاصّة بعد الثورة الإسلاميّة في إيران تعدّ من أكثر العلاقات الخارجيّة الإيرانيّة تلاطماً، حيث هناك ترسّبات تاريخيّة وحالات سوء الظن العالقة بين إيران والعالم العربي. فانّ إيران تشعر بالغربة والبعد عن العرب سواء من الناحية الطائفيّة أو السّياسيّة، وأزمة الشرعيّة وإشكاليّة الأمن القومي في العالم العربي عمّقت دوماً الشرخ السّياسي والثقافي، علماً أنّ الثقافة والأمن ركيزتا هذه العلاقات, فكيف الحال مع إسرائيل التي يراد لها أن تسيطر على المنطقة برمّتها وعلى كافة الصّعد العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة؟

نتيجة التطورات الحاصلة في الخليج من ازدياد النفوذ الأميركي، فانّ ارتباط أي حكومة عراقيّة مستقبليّة في علاقاتها مع إيران ستكون محكومة إلى حد ما بعلاقة العراق مع الغرب وأميركا. وقد يكون هناك تأثير لإسرائيل بطرق مباشرة أو غير مباشرة على أي حكومة عراقيّة أكثر من تأثير أي دولة عربية أخرى. ومن هذا المنطلق فإنّ إيران لا تستطيع تعليق آمالها على تحالف أو تكتل إقليمي مع الدول الواقعة إلى الجنوب منها.

وقد لا تشهد منطقة الشرق الأوسط على مدى السّنوات العشر القادمة أو العشرين أي تحالف إقليمي شامل لمواجهة معضلات المنطقة السّياسيّة والاقتصاديّة. فالعلاقات الإيرانيّة في المنطقة ستبقى مرهونة على صعيد الواقع لما ستؤول إليه العلاقات الأميركيّة الإيرانيّة، فمن الممكن لواشنطن من خلال تطبيع العلاقات مع إيران أن تخلط الأوراق في المنطقة بهدف احتواء المنطقة والإفادة من إيران كعامل لإيجاد التوازن بين العرب وإسرائيل وتركيا من جهة، وبين روسيا وإيران في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز من جهة أخرى.

أيضا يمكنها التفاهم مع إيران من أجل تخفيف حدّة المعارضة في العالم الإسلامي للنفوذ الأميركي في المنطقة، ولكن هذا التقارب والتفاهم قد يكون مقبولاً ومعقولاً انّما يبقى رهينة الإستراتيجيّة الإسرائيليّة في الشرق الأوسط. ومن هذا الواقع قد تكون إستراتيجيّة إيران قائمة على أنّ أي تفاهم إقليمي في المنطقة لن يضيف للموقع الإستراتيجي الإسرائيلي شيئاً سواء عملت إيران بصورة مستقلّة أم تحسّنت علاقتها مع أميركا وربّما العامل الأقوى لبقاء مكانتها الإقليميّة هو بناء قوّتها الذاتيّة.

For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com