2010-11-15

الاقتصاد العالمي غداة الحرب العالمية الثانية






سلام الربضي \ باحث في العلاقات الدولية

الاوضاع الاقتصادية عند نهاية الحرب العالمية الثانية فرضت نفسها وكان لها تأثير كبير في التطورات اللاحقة للنظام الاقتصادي العالمي. ولقد ظهرت هذه الاحداث عندما وضعت الحرب أوزارها ولم تكن مطروحة في السابق، ولهذه الاحداث أثر كبير في اتجاهات السياسات الاقتصادية اللاحقة وهي تمثل مع المؤسسات الدولية المنشأة نقطة بداية للنظام الاقتصادي المعاصر.

أولاً: الأوضاع الاقتصادية.

بعض المعطيات فرضت نفسها وكان لها تأثير في التطورات الاحقة للنظام الاقتصادي العالمي ومنها :

1- إعادة التعمير، وقضايا النمو الاقتصادي.

من الواضح أن حلفاء الحرب قد استفادا من الدروس السابقة وخاصة على مستوى كيفية التعاطي مع الخصم المهزوم وعدم إعادة تجربة فرض عقوبات على الدول المنهزمة كما حدث مع ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى. بالإضافة إلى الخراب وحجم التدمير الكبير الذي حل بروسيا وألمانيا واليابان الذي يتطلب استثمارات هائلة لاستعادة النشاط الاقتصادي. كما أن الحرب جاءت بعد ذلك بخطر جديد كان لا بد من مواجهته، وهو خطر الشيوعية الذي بات يهدد أوروبا المنهكة من الحروب.

أن هذه الظروف الصعبة واستمرار الاوضاع الاقتصادية المنهارة لأوروبا هو بمثابة تدعيم للحركات الشيوعية التي وجدت في تلك الظروف المناخ الملائم لدعوتها، ومن هنا كان التحرك الأمريكي وأخذ زمام المبادرة من خلال ما يعرف بمشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا اقتصادياً. بما فيها الدعوة أيضا الى الاتحاد السوفيتي للمشاركة، ولكن قد لا تكون هذه هي الاسباب الوحيدة وراء مشروع مارشال، ذلك أن الاقتصاد الأمريكي كان بحاجة لهذا المشروع خاصة أن الاقتصاد الأمريكي منذ 1929 يعاني ركود وجاءت الحرب لتنعش الاقتصاد الأمريكي حيث أضافت طاقة إنتاجية كبيرة .

وعلى عكس معظم الدول المحاربة التي اضطرت إلى تحويل جزء من اقتصادها المدني إلى المجهود الحربي، فقد نجحت الولايات المتحدة في أن تضيف إلى طاقاتها الإنتاجية طاقات جديدة لأغراض الحرب دونما أي تأثير ملموس في إنتاجها المدني القائم. وبعد نهاية الحرب، بدأت تصفية اقتصاد الحرب، وظهرت مخاوف الانكماش من جديد حيث كان لا بد من تحويل الموارد المستخدمة للأغراض العسكرية إلى الاغراض المدنية. بالاضافة إلى أن خروج أوروبا محطمة من الحرب أضعف كثيراً من قدرتها على الاستيراد من الولايات المتحدة. ومن الواضح، أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب باقتصاد قوي جداً، مقابل عالم بالغ الضعف، من حيث القدرة على الإنتاج والتبادل، ومن هذا المنطلق كانت الدعوة إلى تعمير أوروبا خدمة للاقتصاد الامريكي.

وعلى الرغم من التجاذب ما بين البعض الذي يرى أن هذا المشروع قد حقق نجاحاً لا مراء فيه، والبعض الاخر الذي يرى أن سبب نجاح هذا المشروع يعود بالدرجة الأولى إلى القدرات الأوروبية، فأن هذا المشروع كان بمثابة النواة التي ساعدت على توجيه التطورات الاقتصادية اللاحقة لأوروبا في اتجاهات حرية التجارة والتعاون الإقليمي، والآخذ باستراتيجية النمو الاقتصادية.

أهمية مشروع مارشال تكمن بما ترتب على تنفيذه من توجهات في السياسة والمؤسسات الاقتصادية، حيث كان من الممكن للدول الأوروبية أن تتجه نحو الاّخذ بسياسات التقييد والرقابة التي عرفوها أثناء الحرب. ولكن جاء المشروع قائماً على أساس النظام الاقتصادي العالمي القائم على حرية التجارة وحرية انتقال رؤوس الاموال .

2- المواجهة الأيديولوجية والاستقطاب بين نظم التخطيط المركزي ونظم السوق.

نهاية الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة خاتمة لمرحلة تاريخية انتهى معها النظام القديم القائم على الدولتين الصناعيتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا، وإحالتهما إلى دولتين من الدرجة الثانية. في حين قفز إلى المقدمة كل من الولايات المتحدة الأمريكية وتدعو إلى النظام الحر من ناحية والاتحاد السوفيتي ويدعو إلى الاشتراكية من ناحية أخرى.

من الظريف ذكره، أن قبل مائة عام من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعلى وجه التحديد في عام 1835 كتب المفكر الفرنسي (Alexis de Tocqueville) في كتابه "الديمقراطية في أمريكا" يقول :
" إن الشعبان الروسي والأمريكي ومع بدايتهما المجهولة يحتلان فجأة مقدمة الصفوف، وهما مع ذلك مختلفان فالأمريكيون في صراع مع الطبيعة وقيودها، والروس في صراع مع البشر. إحداهما يحارب الصحراء والبربرية والاخر يحارب بالسلاح، وهما على رغم اختلافهما مدعوان بدور حاسم في مستقبل العالم".

وبغض النظر عن تفضيلات توكفيل فقد كانت كلماته وقبل أن يسمع العالم بماركس، أشبه بالنبؤة، التي تحققت بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأت المواجهة بين النظامين عند نهاية الحرب. وكانت المواجهة الأولى بينهما حول أزمة ألمانيا وأزمة برلين، ولم تلبث أن قامت مواجهة أخرى في الكوريتان. وأصبح على كل كتلة أن تمتد وتنتشر وتزيد من نفوذها، مما أدى الى قيام الحرب الباردة وانقسام العالم إلى كتلتين غربية رأسمالية وشرقية اشتراكية.

لقد كانت هذه الاحداث من أهم العوامل المؤثرة في التطورات الاقتصادية العالمية اللاحقة. وساعد الاستقطاب بين المعسكرين على حركات التحرير السياسية، واستقلال العديد من المستعمرات القديمة وطرح قضايا التنمية الاقتصادية.

3- الانقسام بين الشمال والجنوب وظهور قضية التنمية.

أن تاريخ الانسان قائم على الانقسام ما بين الأفراد والجماعات إلى أغنياء وفقراء. وهذا الانقسام هو قديم قدم المال، ففي كل عصر وفي كل مكان يوجد فقراء لا يملكون وعادة لا يعرفون وأغنياء يملكون وبعضهم يعرف أيضاً. فتعايش الفقر والثراء والتقدم والتخلف والجهل والمعرفة هو تاريخ الإنسانية ولم يكن ذلك نقمة أو عذاباً دائماً، بل كثيراً ما كان حافزاً للتغيير وأحياناً للتقدم كما كان في أحوال أخرى سبباً للحروب والدمار.

لكن في المجتمعات السابقة هذا التمايز والاختلاف، كان محدوداً من ناحية القوة والثراء. وهذه المجتمعات كانت محدودة الاتصال فيما بينها، وكانت متقاربة على مستوى أدوات الإنتاج، وجاء العصر الحديث فإذا بالفوارق بين الأغنياء والفقراء تصبح بالغة الخطورة حتى يمكن القول أنها تكاد تكون فروقاً في الطبيعة وليس في الدرجة.

ولقد ازداد الوعي بهذه الفروق مع نهاية الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى البروز على السطح قضية الانقسام بين الدول المتقدمة والدول النامية أو المتخلفة. ولقد طرحت القضية التنموية الاقتصادية نفسها على المجتمع الدولي وأصبحت أحد هموم الاقتصاد العالمي، وقد تأثرت معالجة هذه القضية بالاوضاع السائدة لاسيما بالصراع الايديولوجي السائد بين الغرب والشرق وأصبحت جزءاً من لعبة التوازن الدولي.

ثانياً: المؤسسات الدولية الاقتصادية.

هنالك أوجه اختلاف بين النظام المؤسسي الدولي السياسي من ناحية الأمم المتحدة، والنظام المؤسسي الدولي الاقتصادي من ناحية آخرى. فالأول بدأ واستمر على أساس عالمي، بينما النظام الدولي الاقتصادي الممثل بصندوق النقد والبنك الدولي قد تأثر بالانقسام الأيديولوجي بين الكتلتين، وبالتالي فإن الحرب الباردة كان تأثيرها في النظامين السياسي والاقتصادي مختلفاً، حيث الدول الاشتراكية استمرت في عضويتها في الأمم المتحدة بالمقابل قاطعت النظام الاقتصادي.

كما أن النظام الدولي السياسي قائم على المساواة على الأقل نظرياً، وبالمقابل فالنظام الاقتصادي بدأ منذ إنشائه وفقاً للمبدأ الرأسمالي الذي يحدد أصوات الدول الاعضاء على أساس حصصها أو مساهماتها في المنظمة. مما فتح المجال أمام الدول الرأسمالية الكبرى لفرض سيطرتها لدرجة ما على النظام الاقتصادي . ومؤسسات النظام الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية هي :

1- البنك الدولي للإنشاء والتعمير:

تم إنشاء هذا البنك بعد المشاورات البريطانية الأمريكية، ولقد كان هذا النظام الاقتصادي وليد حصيلة التفاعل بين أراء كينز ووايت. حيث كينز مسلح بخيال واسع وقدرة نظرية هائلة، ووايت يستند للقوة الاقتصادية التي تمثلت ببلادة أمريكا، ولقد ظهر أن النظام الاقتصادي قد تأثر بآراء وايت أكثر من كينز، مما يؤكد قوة السلطة في مواجهة الفكر في كثير من الاحيان. وقد كان تركيز هذا البنك على تمويل الجهود الرامية إلى إعادة بناء الاقتصادات المهدمة في أثناء الحرب ثم التركيز على جهود التنمية. ومنذ نهاية الخمسينيات بدأ البنك يركز عملياته على قضايا التنمية في دول العالم الثالث.

ومن خلال تتبع حقوق الدول الأعضاء، فالمساواة غير موجودة حيث تستمد الحقوق من مدى المساهمة في رأس المال، مما يجعل الدول الصناعية أقوى. وإذا كانت الدول الأوروبية هي المستفيدة من نشاط البنك في 16 السنة الأولى، ثم أصبحت دول العالم الثالث هي الأكثر استفادة بعدما تحولت عمليات البنك إلى التنيمة. وفي أثناء رئاسة روبرت ماكنمارا تحول الاهتمام إلى قضايا التوزيع والعدالة. فلم يعد النمو وحده كافياً وساد وقتها شعار النمو، ومع إعادة التوزيع ومع ظهور أزمة المديونيات في الثمانينيات اتجه الاهتمام الأكبر إلى تمويل برامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي.

الملفت للانتباه، أن قروض البنك الدولي تتم مع شروط للسياسة الاقتصادية حيث قروض البنك خاصة على صعيد الإصلاح الاقتصادي والهيكلي، هي قروض لضمان تنفيذ سياسات اقتصادية محددة بأكثر مما هي قروض لتنفيذ مشروعات معينة. وفي ذات الإطار، تمخض عن هذا البنك مؤسسات شقيقة تعمل معه في إطار ما يسمى بمجموعة البنك الدولي. وهي تشمل مؤسسة التمويل الدولي IFC وهيئة التنمية الدولية IDA والوكالة متعددة الأطراف لضمان الاستثمار MIGA .

2- صندوق النقد الدولي :

لقد عهد للصندوق الدولي أخطر مهمة في فترة ما بعد الحرب، وهي العمل على استقرار أسعار الصرف وحرية التحويل العملات. كما أن الصندوق كان معني بأمور الدول الغنية بينما البنك الدولي كان منهمكاً في أمور الدول النامية. ولقد تجاذب إنشاء هذا الصندوق، تباين النفوذ الأمريكي والبريطاني. وما بين آراء كينز ووايت، أيضا تم الآخذ بمقترحات وايت، وأصبحت هي أساس النظام الجديد الذي تم الاتفاق عليه في بريتون وودز 1944 حيث تم اعتماد مشروع وايت القائم على أساس مبدأ الإيداع، في حين كان مشروع كينز قائم على مبدأ فتح الاعتماد.

لقد تم اعتماد ثبات أسعار الصرف، ولكن هذا الثبات لم يكن مطلقاً، حيث أجيز تعديل هذه الأسعار، إذا توافرت ظروف خاصة. ومع مرور الوقت تم تغيير هذا المبدأ، فأحكام الصندوق التي جاءت نتيجة للأوضاع الاقتصادية السائدة عند نهاية الحرب، فهذه الاوضاع تغيرت ولم تلبث أن انعكست على نظام الصندوق، الذي أخذ بنظام مختلف منذ منتصف السبعينيات نظام أسعار الصرف المتغير.

3- الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة ..الجات..  :

تم إنشاؤها كحل مؤقت لحين إنشاء منظمة التجارة العالمية، وقد تم توقيع اتفاقيتها في1947. والجدير ذكره، الجات لم تكن منظمة دولية بل مجرد اتفاق بين الدول الموقعة، وقد كان الهدف المعلن لها زيادة حجم التجارة عن طريق تخفيف العقبات الجمركية. ومع ذلك، لجأ العديد من الدول وخاصة الصناعية إلى الاحتماء بنصوص "الوقاية" لوضع قيود على واردات الدول الآخرى.

وقد قدر عدد المرات التي تم استخدام فيها سلاح الوقاية 151 مرة حتى عام 1993 منها 136 مرة من الدول الصناعية المتقدمة. ناهيك عن استخدام إجراءات مقاومة سياسات الاغراق، مما أعادنا إلى الآخذ بالسياسات الحمائية. وعلى الرغم، من الترتيبات الخاصة للدول النامية القائمة على توفير معاملة تفضيلية، إلا أن الدول النامية عانت بشكل كبير جراء القيود الكمية التي فرضتها الدول الصناعية على الواردات الزراعية والمنسوجات، وهما يمثلان أهم صادرات الدول النامية.

ومن الملاحظ، أن الجات كتدبير مؤقت قد حكمت معظم العلاقات التجارية في النظام الاقتصادي خلال النصف الأخير من القرن العشرين، ومع نهاية الحرب الباردة تم إنهاء هذا التدبير المؤقت والانتقال إلى استكمال هذا النظام بمؤسسة منظمة التجارة العالمية.

4- مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية...الاونكتاد 1964 :

بعد تحول الجات عملياً إلى أداة في أيدي الدول الصناعية، تم إنشاء مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عام 1964 كجهاز يضم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ويتبع الجمعية العامة. وجاء إنشاء هذا الجهاز كمسار جذب وإغراء بين الدول النامية والصناعية، ولعب راوول بربيش R. Prebisch صاحب نظرية تدهور معدلات التبادل في غير مصلحة الدول النامية، دوراً مهماً في بلورة أفكار هذا المؤتمر وأصبح أول سكرتير عام للجهاز.

ولقد ساهم جهاز الانكتاد في دعم جهود الدول النامية في الدفاع عن مصالحها التجارة، مثل نظام التفضيلات المعمم 1971، والنظام العالمي للتفضيلات المعممة للتجارة 1989، وشبكة نقط التجارة 1994، وعلى الرغم من عدم وجود سلطات تنفيذية للمؤتمر إلا أنه ساعد على رفع صوت الدول النامية في أهمية ربط قضايا التجارة بأحتياجات التنمية.


هناك 26 تعليقًا:

  1. مشكورين الله يوفقكم في حياتكم ان شاء الله

    ردحذف

For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com