2016-05-11

رأس المال ومفهوم العمل المستدام





سلام الربضي: باحث ومؤلف في العلاقات الدولية \ اسبانيا

صحيفة البناء اللبنانية\ بيروت\  10\ 5\ 2016



التغيرات العالمية على الصعيد الاقتصادي والسياسي تطرح تساؤلات عدة حول العديد من المفاهيم والنقاشات الدائرة حول واقع العمال العالمي، في وقت لم يعد بالإمكان اعتماد المقاربات التقليدية في تحليل ودراسة الظواهر الجديدة في عالمنا المعاصر. إذ أن التعامل مع التنمية من قبل الاقتصاديين على أساس أن لا علاقة لها بالأفكار السياسية وفلسفة الحكم، وكأنها ليست أكثر من تمرين في الاقتصاد التطبيقي، أمر في غاية الخطورة. فقد حان الوقت كي يتم الجمع بين النظريات السياسية والاقتصادية، وذلك ليس فقط لاعتبار الطرق التي يصبح فيها المجتمع أكثر إنتاجاً، ولكن لاعتبار جودة المجتمعات التي من المفروض، أن تصبح أكثر إنتاجاً لتنمية البشر، بدلاً من تنمية الأشياء.


إذ لا بد من الإشارة، إلى إشكالية جدلية العلاقة بين عالم العمل والتنمية المستدامة ورأس المال. فثمة أسئلة لا بد من التفاعل معها ومحاولة تقديم الأجوبة عليها: 

فهل سيقود التطور الاقتصادي إلى رفاهية مجتمعية جوهرها الارتقاء بمبادئ المواطنية والعدل الاجتماعي؟ وما هو أفق مفهوم التنمية المستدامة: أفق الإنسان الفرد أم التكافل المجتمعي؟

فلم يعد مجدياً النظر للاقتصاد من باب الزيادة الرقمية للإنتاج القومي أو الدخل الفردي فحسب، بل لا بد من بناء أساس مادي علمي وتقاني، قرين فكر وثقافة جديدين، دعامته تكون قائمة على الاستثمار في رأس مال القدرة البشرية، بدلاً من رأس المال البشري، وذلك كهدف وأساس للتنمية المستدامة. فعلى سبيل المثال، النظرة للمستقبل الزراعي، هي نظرة تقع الزراعة فيها تحت سيطرة الشركات الزراعية الكبيرة، وتقوم على تفريغ الأراضي من الفلاحين، أي أنها عملية الإلغاء التدريجي لنمط الإنتاج الزراعي. فحالياً يخسر المزارع هويته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كمنتج وكعامل ليتحول لمجرد مستهلك. إذ يبدو أن انقراض طبقة العمال الفلاحين، كان هو التغيير الاجتماعي الأكثر دراماتيكية وشمولية في النصف الثاني من القرن العشرين.


ومن هنا، تأتي أهمية التمعن بكيفية مساهمة العمل في تعزيز التنمية المستدامة، في ظلّ تغيّرات متسارعة تطال عالم العمل. وذلك انطلاقاً من مفهوم واسع للعمل، لا يقتصر على الوظيفة، بل يتجاوزها إلى تعميق الصلة بمفهوم العمل المستدام. إذ أنّ ما بين العمل والتنمية ليس صلة تلقائية، فالعمل يسهم في تعزيز التنمية البشرية عندما توسّع السياسات فرص العمل المنتج، وتصون حقوق العاملين ورفاهيتهم.

وهذا كله يتطلب وجوب بناء فضاءات إنسانية، لاعتماد عقد اجتماعي جديد، قادر على مواجهة التحديات العالمية المرتبطة بجدلية التفاوت ما بين مراكمة ثروة رأس المال ومراكمة فقر العمال. فإذا أخذ بعين الاعتبار أن النسبة الكبرى من المواطنين هم فلاحون أو عمال أو موظفين يعملون بأجر، يمكن القول إن الاقتصاد لم يعد يعمل لمصلحة المجتمع المستدام. وبناء على ذلك، من البديهي، أن تؤدي الهوّة بين مُلاّك الثروة من ناحية، ودخول العمال من ناحية أخرى، إلى تزايد الشكوك حول سلامة المجتمع ووحدته.

فالنظام الاجتماعي العالمي حالياً، يشهد أزمة ذات أبعاد مختلفة: بعد اقتصادي قائم على الركود، وبعد سياسي يتصل بهيكل وموازين علاقات القوة. فلم يعد مقبولا ً التعاطي مع الواقع المتأزم لأسواق العمل، من منطلق أيديولوجي يعبّر عن مجرد موقف الرفض، بدون وجود برنامج عملي. فأكثر ما يقلق قوى السوق هو أن يضطروا إلى تحديد موقفهم من مشروع عالمي اجتماعي. فمثلاً، يمكن اعتبار مقترحات الدول النامية في منظمة التجارة العالمية _ تسمى بالنموذج رقم 4 والتي تهدف الفوز بتنازلات تمنح عمالها حرية تنقل أكبر، لعرض خدماتهم في أسواق الدول المتقدمة_ خطوة في الاتجاه الصحيح، لتحقيق الكثير من المكاسب العمالية. فعلى عكس الكلام البليغ السائد حول جنوح الرأسمالية، فإن ما نشهده هو محاولة ولادة نظام توازن بين رأس المال وعالم العمل، حتى لو لم يتم بعد تجاوز كثير من التساؤلات والشكوك.



وفي هذا الإطار، هنالك حركات نقابية واجتماعية فاعلة وذات نفوذ عالمي، على الرغم من كل ما يشوبها من التباسات. وهي الآن تقوم بمعارضة حادة، ضد حتمية سيطرة الرأسمالية المطلقة، وتحاول تقديم رؤية واضحة لإعادة التنظيم الاجتماعي والاقتصادي الضروري، من أجل خلق حالة من الاستقلال النسبي، عن قوى رأس المال، لتكون قادرة على التغيير، ولتؤكد على أن العمال والفلاحين والموظفين، ما زالوا يشكلون العمود الفقري للمنظومة الاقتصادية العالمية.

ومع أنه، لم يتبلور بعد أي بديل استراتيجي منسّق ومتكامل، يمكن أن يقارع النمط الرأسمالي الفكري المسيطر، إلا أن هامش الحركة المتاح للمجتمع هو دائماً أوسع بكثير، من ذلك المتاح للاقتصاد، وقد يكون هذا التصوّر بادرة أمل. حيث إن مصير المجتمع هو بين أيدي أبنائه، وقانون الجاذبية الاقتصادية يفعل فعله الطبيعي، على صعيد النموذج الاجتماعي، فهو يكيّفه ولكنه لا يحدّده. ونحن الآن نعيش عصر اقتصاد المعرفة، ولكن مجتمع اقتصاد المعرفة ما زال أرضاً مجهولة، يمكن بناءها على أساس منطق إنساني متين. ولتكن أولى تلك الأسس المتينة قائمة على محاولة الإجابة عن التساؤل المنطقي التالي: 

لماذا هنالك الكثير من الأفكار عن كيفية توزيع الدخل وليس عن كيفية توليد الدخل؟؟؟؟



2016-03-22

المسألة المائية ونسق دبلوماسية الموارد الطبيعية في العلاقات الدولية







سلام الربضي : باحث ومؤلف في العلاقات الدولية \ اسبانيا

صحيفة البناء \ بيروت \ 22-3-2016

تشير التقارير العالمية، أن موارد المياه المتاحة لكل فرد في العالم، سوف تتقلص بنسبة لا تقل عن 50% مع حلول العام 2025. كما تشكل المياه وسطاً معقداً وهشاً. فمنذ القدم لجأت الدول إلى المياه لرسم حدودها. حيث هذه الحدود الطبيعية تم التوصل إليها، بعد حروب ومعاهدات صاغت تاريخ العلاقات الدولية. ومن هذا المنطلق، تم استخدام المياه كوسيلة استراتيجية في الصراعات الدول. وفي خضم هذا الواقع العالمي، الذي يعاني من مشكلة نقص حاد في الوضع المائي، أصبح تقاسم مصادر المياه ضرورياً أكثر فأكثر، وصعباً بفعل تنوع الحاجات والاستخدامات واللاعبين، وباتت المياه رهاناً استراتيجياً يدخل في صميم الأمن القومي لأي بلد، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي. 

وعلى ضوء ذلك، هنالك الكثير من الإشكاليات التي تطرح مستقبلياً، لكيفية تعاطي الدبلوماسية مع هذه المسألة:

إذا كانت معظم الدراسات والتقارير الاستراتيجية تتنبأ بصراعات مائية فهل ستكون أزمة المياه المستقبلية بمثابة نموذج للصراع الحتمي أم تكون بمثابة نموذج لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية القائمة على التعايش الحتمي؟ فهل تحتم طبيعة هذه النزاعات المائية العودة إلى الجغرافيا التي سوف تضع الدول أمام خيارات غير تقليدية، كما هو حال واقع الصراع العربي الإسرائيلي؟ وهل يمكن لنا التنبؤ بطبيعة العلاقة العربية العربية في ظل الخيارات المائية الصعبة؟ فمثلاً ماذا سيحدث في المستقبل بين مصر والسودان أو العراق وسوريا أو الأردن وسوريا...الخ؟ إذ هل هناك رؤية واضحة للمستقبل المائي ولكيفية التعامل مع الحتمية المائية التي سوف تفرض نفسها؟ وبالتالي هل أن العصر القادم هو عصر الدبلوماسية الجغرافية المائية – إذا جاز التعبير –  الباحثة عن السبل لكيفية حل هذه المعضلات تقنياً وسياسياً وقانونياً بشكلٍ خاص؟

ستبقى المسألة المائية تحت رحمة موازين القوى، في غياب تشريع دولي حقيقي ملزم في مجال المياه. بالإضافة، إلى غياب الآلية الواضحة لكيفية التعامل مع المخالفين لهذه الاتفاقيات أو عدم المشاركين فيها. فعلى سبيل المثال كيف يمكن لدولة أقليمية كتركيا لديها هذا الرهان الاستراتيجي أن تتخلى عنه. إذ لا يمكن فهم الدبلوماسية التركية المستقبلية دون فهم الخيارات المائية في محيطها الذي يعاني من تحديات مائية وغذائية مصيرية؟



وفي النهاية يستوجب على ضؤ ما تقدم ومن منطلق الواقعية السياسية والتفكير الاستراتيجي طرح التساؤل حول دبلوماسية الفعل السياسي الخارجي للدول في مواجهة الهواجس المائية: هل هي الدبلوماسية السلمية أم الدبلوماسية العسكرية؟ فهل نحن أمام نسق دولي جديد في العلاقات الدولية يمكن تسميتة نسق دبلوماسية الموارد المائية وهو شكل جديد من أشكال القوة؟

محاولة الأجابة على ذلك قد تكون من خلال طرح تساؤل تاريخي استشرافي يكون بمثابة مؤشر لما سوف تؤول إليه الأوضاع في المستقبل فهل هناك في عصرنا الحديث نموذج صراعي ما بين الدول – فيما يتعلق بالمياه- قد تم حسمه عسكرياً ؟؟؟

2016-03-09

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة : المجال الحيوي لحقوق المرأة العربية



سلام الربضي: باحث ومؤلف في العلاقات الدولية \ اسبانيا.

إذا كان هنالك من رغبة جدية وصادقة في المجتمعات العربية، للاعتراف للمرأة بحقوقها، بوصفها من الحقوق الأساسية للإنسان، هذا يعني إنه يتوجب علينا إعادة النظر، بكل ما له علاقة بمؤسسات الأسرة والدين والثقافة، بناء على المستجدات الفكرية والإنسانية المعاصرة. والتي تدفعنا إلى محاولة التفكير في تلك الحقوق، بشكل أخلاقي حداثي جدير بالاحترام، يختلف تمام الاختلاف عما كان يتم فهمه سابقاً. حيث لا يمكن لنا الاعتراف بالعديد، من هذه الحقوق، من دون أن تواجهنا بعض التحديات سواء بالنسبة إلى مفهوم الحقوق بحد ذاته،أو بالنسبة إلى بعض المؤسسات الأساسية، كالأسرة والأديان.
وبما أن الكثير من تلك الانتهاكات، يبقى مجالها الحيوي يكمن في الحياة الأسرية، فهذا يتطلب وبشكل حازم، أخضاع  كلاً من الفكر الأسري والثقافي والمتضمن البعد الديني، للفحص النقدي الصريح. وانطلاقاً من ذلك يمكن لنا مقاربة هذا الواقع على هذا النحو:
1-  هل من المنطق والأخلاق تبرير وتسويغ الانتهاكات بحق المرأة العربية، من خلال الالتجاء إلى معايير ثقافية أو دينية؟
2-  إلى متى سوف يتم أتخاذ النساء كدليل على سلامة التكامل الثقافي والأخلاقي؟
3-   ما هو المجال الحيوي الذي يُمكن المرأة العربية من تجاوز منظومة الاستبداد ودوامة االتسلط، ويساعدها على التحليق في فضاء المساواة الإنسانية الشاملة؟
يبدو أن المرأة العربية قد وضعت في رحم دوامة قوى اجتماعية متقابلة ومتنافسة. إذ بات تعريف الثقافات المغلقة في المجتمعات العربية، يؤخذ بوصفها ثقافات تحتفظ بالأشكال التقليدية للأنوثة، واعتبار انتهاك حقوقها الأساسية، أمراً مألوفاً ومقبولاً، ونمطاً شائعاً.
فليس هناك من جديد، في حال رغبنا بتقديم بعض الحقائق والمعطيات عن الواقع المرير للنساء العربيات. إذ إنهن وطبعاً بمعية أطفالهن،يمثلن السواد الأعظم من حالات اللجؤ في الأماكن التي تشهد حروب أو منازعات أو كوارث طبيعية. والمرأة الضحية الأولى لتجارة البغاء والتي تمتد عبر العالم بأسره. وتبقى أجسادهن مشرعة للتجارب لزيادة النسل وإما لتحديده. كما تتزايد النزعة العسكرية إذا جاز التعبير، أو ما يسمى العنف ضد المرأة ( الأغتصاب المنزلي) والمرأة في بعض مجتمعاتنا ما زالت تعاني من ممارسات الختان، ناهيك عن الوهن الاقتصادي وعدم الاستقلالية المادية.
ولكن المتسغرب والمستهجن هو، تقبل بعض نساء العروبة لتلك المظاهر، بحجة أنهن يألفن واعتدنا على تلك الممارسات. بل حتى أن الكثير من نسائنا لا تعرف شيئاً عن مجرد استغلالها. فعند محاولتنا تقييم تلك الإشكالية الهجينة والجدلية المركبة، سوف نصتطدم بكل تأكيد، بقساوة ووطأة  التساؤلات التالية:
1-  لماذا  لا ترتبط وتكتمل رجولتنا كعرب، إلا فقط،  بقمع نسائنا؟
2-  هل يحق لإنسان ما وانطلاقاً من مبادئ حقوق الإنسان، القبول بانتهاك إنسانيته؟
3-   وهل نحن في حاجة إلى محاولة استتنتاج واستنباط، مضامين جديدة لمعتقداتنا من منظور أخلاقي إنساني؟
4-  هل المجال الحيوي الضامن لحقوق المرأة العربية، يجب أن ينبع بالأساس، من منظومة إنسانية أخلاقية قانونية وليس من ثقافة المجتمع الذكوري؟
بناء على ما سبق،وبلغة قاطعة ومطلقة،علينا التفكير والتدبر وبشكل حذر وواعٍ، في كيفية استخدامنا لممطلحات، مثل المرأة والأنوثة والهوية والشرف والرجولة...الخ. فالقمع الأقصى الحقيقي، هو ما يعاني منه رجال المجتمع الذكوري العربي، من فقدانهم لقوة إنسانية روحية فاعلة ذات مغزى، يتسنى لهم _ قبل المرأة _ من خلالها، التحليق في سماء الحرية والفرص والاختيارات المناسبة، والتوقف عن تحديد ما هو خير للمرأة وما ينبغي عليها فعله ؟؟؟؟؟؟؟


For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com