2015-11-05

الأمن الحقيقي لإسرائيل والحرب على سوريا






سلام الربضي : باحث ومؤلف في العلاقات الدولية \ اسبانيا

صحيفة البناء \ بيروت \ 3-11-2015



إنطلاقاً من مجريات الأحداث في جنوب سوريا والقنيطرة تحديداً، لا يمكن لنا تجاهل دور تل أبيب 
الإستراتيجي الداعم للمنظمات الإرهابية منذ العام 2011، من خلال:

 1-  التدخل العسكري المباشر لصالح المجموعات الإرهابية عبر الضربات الجوية المباشرة .

2-  التنسيق والتعاون مع الإرهابيين في مجالات عدة منها الاستخباراتي واللوجيستي والصحي. 

 3- التسهيلات التي تقدمها للإرهابيين على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة والجولان السوري.



      فإذا أردنا الغوص في حيثيّات الحرب على الدولة العربية السورية لا يمكننا فصلها عن  المشاريع الشرق أوسطية التي كانت مطروحة سابقاً. فمشروع الشرق الأوسط ذائع الصيت سيكون لزمن غير قصير وسيبقى الخيار الثقافي الدّولي الذي ترغب الدّول الكبرى في جعله برنامج عمل وتنفيذ لدول المنطقة _ على الرغم، من كل تلك التغيرات في الدول العربية _  وهو المشروع الذي سيصبح ضرورة دوليّة سياسيّة، ثقافيّة اجتماعيّة اقتصاديّة وأمنيّة بأمتياز في المنطقة الأكثر اشتعالاً في العالم، للألتفاف على التغيرات العربية المجتمعية النسبية الإيجابية، وكل ما يليها مستقبلاً. وإذا كان هذا المشروع قد نال أول هزيمة له في الحرب الإسرائيلية على المقاومة اللبنانية في العام 2006، فإن الحرب الدائرة حالياً على سوريا، تعتبر الامتداد الطبيعي لإعادة الأمل لتحقيقه.
     
      وبغضّ النظر عن التسميات والأحجام لهذه الحرب ومدى إمكانية تحقيق أهدافها مستقبلاً، فإنّ إسرائيل تحتل موقع المحور والقاعدة الإستراتيجيّة فيها حيث تكمن مصالحها في كل طيّاتها. فهي ترى ومنذ بداية الحرب أنّ انخراطها في هذه الأزمة سيعود عليها بفوائد سياسيّة جمّة. ومنها على سبيل الذكر لا الحصر:

1- فتح المجال أمام  إسرائيل التخلص من سوريا الدولة والرقم الصعب والمحوري في معادلة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.
2-  الخروج السوري من الملف الفلسطيني،على الصعيد الأمني والسياسي. وبالتالي، سيمكّنها من تدوير الزوايا الحادّة في القضايّا المصيرية : القدس،اللاجئين وحق العودة.
3- الفوز في هذه الحرب سيكبح مسار فكرة التكامل العربي، حتى ولو، من باب التمني.
4- الانخراط في إطار متعدّد القوميّات وعلى نحو متكافئ مع الهويّات الأخرى ليعطي الدولة العبرية شرعية على أساس كونها دولة يهودية. ويسهل قيامها بعلاقات طبيعية مع جيرانها
5-  سوف تصبح إسرائيل جزءًا من الأمن الإقليمي، بدلاً من كونها خطراً وعدواً له.
6- التقاطع والتوافق التام مع سياسات كثير من الأنظمة العربية، والتي تأخذ – وبكل أسف - موقف عدواني تحريضي ضد الدولة العربية السورية.

ويبدو أن، المصالح الإستراتيجيّة لإسرائيل ومنذُ الحرب الأميركيّة على العراق في العام 2003، تتجلى في الدّرجة الأولى، بالعمل على تفتيت الدول العربية، من قناعة لا ريب فيها أنّ أمنها لا يمكن أن يتحقق على المدى البعيد، بما أنّ لهذه المنطقة هويّتها العربيّة. وطالما أيضاً، وجدت دول كبيرة نسبيّاً كالعراق وسوريا ومصر. مما يقتضي تغيير هويّة المنطقة الثقافيّة الحضاريّة السّياسيّة إلى "شرق أوسطية". وبالتالي، لا بدّ من تغيير تركيبتها الاجتماعيّة إلى فسيفساء طائفيّة وإقليميّة. ففي حال، بقيت المنطقة عربيّة، ستبقى إسرائيل غريبة فيها، أمّا إذا أصبحت هويّة المنطقة أوسطيّة أي أصبح وضع كل المنطقة شاذاً، فإنّ وجود إسرائيل سيصبح طبيعيّاً. 

والتطورات في المنطقة بداية من حرب تموز 2006 ووصولاً إلى ما يسمى بالربيع العربي 2011، وتحديداً الحرب على سوريا حالياً، جاء ليصبّ في هذه الخانة إلى حد ما. فإسرائيل ترى بأنّ  الوطن العربي المقسّم والمفتّت، إلى مذاهب وطوائف ودويلات متعدّدة، هو النموذج والبداية، لما يجب أن تكون عليها المنطقة بأسرها مستقبلاً من أجل خلق فراغ إقليمي يسمح لها لعب الدّور السّياسي الاقتصادي الثقافي الأمني الذي تطمح له. وبالتالي، خلق محيط تابع تستمدّ منه القوّة وتحوله إلى مجال حيوي استراتيجي.

 والوثيقة الإسرائيليّة التي وضعتها المنظمة الصهيونيّة العالميّةWorld Zionist   Organization في الثمانينات، والتي ترجمها البروفيسور إسرائيل شاحاك، تعكس رؤية إسرائيل الشرق أوسطيّة للمنطقة برمّتها. والتي تختصر الكثير من التحاليل، وتغني عن محاولة بذل الجهود، في التأكيد على واقع تغلغل إسرائيل في  الحرب على سوريا. ومن المقتطفات الرئيسيّة في هذه الوثيقة التاريخيّة الاستراتيجية :
مصــر:
إنّ تفكيك مصر إقليمياً، إلى مناطق جغرافية متمايزة، هو الهدف السياسي لإسرائيل في الثمانينات على جبهتها الغربية. فإذا أسقطت مصر، فإنّ دولاً مثل ليبيا والسودان، وحتى الدول الأبعد لن تتمكن من البقاء بشكلها الحالي، وسوف تلحق بسقوط وانحلال مصر. أنّ الرؤيا التي تتمثل بدولة قبطية مسيحيّة في أعالي مصر، إلى جانب عدد من الدول الضعيفة ذات السلطات المحليّة، التي لا ترتبط بحكومة مركزيّة، هي مفتاح التطور التاريخي، الذي أجّله فقط اتفاق السّلام، والذي سوف يتبدّد حتميّاً على المدى الطويل.
سـوريـا :
سوف تتناثر بالتطابق مع تركيبتها الإثنيّة والدينيّة إلى عدد من الدول. بحيث يكون هناك دولة شيعيّة علويّة على السّاحل ودولة سنّيّة في مناطق حلب ودولة سنيّة أخرى في منطقة دمشق تعادي جارتها السّنيّة في الشمال. أمّا الدروز، فسيكون لهم الدولة الخاصة بهم أيضاً ربّما حتى في الجولان وبالتأكيد في منطقة حوران وأجزاء من شمال الأردن. وهذه الحالة سوف تكون ضمانة الأمن والسّلام في المنطقة على المدى البعيد.
العــراق :
غني بالنفط من جهة والممزّق داخلياً من جهة أخرى مضمون كمرشح لأحد أهداف إسرائيل. إن انحلاله أكثر أهمية بالنسبة لنا من انحلال سوريا. فالعراق أقوى من سوريا وعلى المدى القصير تشكل القوّة العراقية الخطر الأكبر على إسرائيل وكل خلاف عربي داخلي سوف يساعدنا ويمهّد الطريق لتحقيق الهدف الأهم أي تحطيم العراق إلى طوائف كما في سوريا ولبنان. أن تقسيم العراق إلى أقاليم على أساس خطوط إثنيّة دينيّة كما كان الحال في سوريا خلال الزّمن العثماني، هو أمر ممكن وهكذا ستقوم ثلاث دول أو أكثر حول المدن الأساسية الثلاث: البصرة، بغداد والموصل. وستنفصل المناطق الشيعيّة في الجنوب، عن السّنة والأكراد في الشمال، ومن الممكن أنّ المواجهة العراقية – الإيرانية الحالية قد تعمّق هذا التبلور.
السعوديـة :
الجزيرة العربية بأسرها مرشحة طبيعياً للتفكك بسبب الضغوطات الداخليّة والخارجيّة، وهذا الأمر محتوم خاصّة في السعودية وبغضّ النظر عمّا إذا بقيت قوّتها الاقتصاديّة أم تضاءلت فإنّ الانشقاقات الداخليّة والانهيارات ستكون تطوّراً طبيعياً وماثلاً في ضوء التركيبة السّياسيّة الحاليّة.
الأردن :
إنّ الأردن يشكل هدفاً استراتيجياً آنياً على المدى القصير ولكن ليس على المدى الطويل. فالأردن لا يمثل خطراً جدّياً بعد انحلاله ونقل السلطة إلى الفلسطينيين. وليس هناك أيّة فرضيّة لاستمرار الأردن بتركيبته الحاليّة مدة طويلة. وسياسة إسرائيل في الحرب والسّلام يجب أن تتوجّه نحو تصفية الأردن بنظامه الحالي، ونقل الحكم للأغلبيّة الفلسطينيّة وتغيير النظام شرق النهر فيكون الأردن لهم والمناطق غرب النهر لليهود. وسيكون هناك تعايش وسلام حقيقيين فقط عندما يفهم العرب أنه بدون حكم يهودي بين النهر والبحر لن يكون لهم أمن ولا وجود فإذا أرادوا دولة وأمناً فإنّ ذلك سيكون لهم في الأردن فقط.

وفي هذه الوثيقة أيضاً، هنالك تصوّر من النمط التفكيكي ذاته، عن دول المغرب العربي والبربر وعن السودان وجنوبه وعن لبنان وطوائفه.

فهل هنالك شخص ما، ما زال غير مقتنع بالأبعاد التدميرية للحرب التي تشن على الدولة السورية وما مدى التورط الاستراتيجي الإسرائيلي بها؟



2015-10-08

نسق الهندسة الثقافية الديمغرافية والحرب العالمية على سورية





                                سلام الربضي:  باحث ومؤلف في العلاقات الدولية \ اسبانيا
  
صحيفة البناء اللبنانية \ بيروت \ 6-10-2015






الكثير من النماذج والنظريات، لم تعد تتناسب مع الظروف الديمغرافية والثقافية الجديدة. وهذا يعني، أن القضايا الديمغرافية تفرض علينا، موضوعاً جديداً كل الجدة، لم تعرفه الفلسفة السياسية من قبل؟ وتأسيساً على ذلك، يجب إعادة قراءة المسألة الديمغرافية، من زوايا إشكاليّة متعدّدة، في الإطر الثقافية والسياسيّة، وما ينتج عنها من انعكاسات مصيرية. وبالتالي لا بد من توسيع دائرة قراءة تأثير الديمغرافيا في مجال: اختلاف هوية المجتمع / ترسيم حدود الدول/  معادلات وموازين القوى ، وما يتفرّع عنها من تأثيرات استراتيجية، على مستوى العلاقات الدولية. 

ففي وقتنا الحالي، لم يعد هنالك مجال لتطبيق الاستراتجيات التقليدية أو الكلاسيكية، وبتنا في عهد أو عصر خلط الاستراتيجيات بالمطلق. وفي هذا الإطار، أصبحت الأنساق الديمغرافية أو ما يمكن تسميته بالهندسة الثقافية الديمغرافية، أدوات تستخدم من قبل الدول لتسهيل تنفيذ مخططاتها الجيوسياسية. وانطلاقاً من ذلك، يمكن إدراك الحراك والمتغيرات في عالمنا العربي منذ العام 2010 .

فهذه الموجة الإرهابية المتسترة بالدين، والتي تقودها المنظمات الإرهابية الإصولية والمدعومة بشكل كامل وواضح لا لبس فيه وعلى كافة المستويات المالية والعسكرية والإعلامية، من قبل أمريكا والدول الأوروبية وتركيا وبعض الأقطار العربية، والقائمة على أيديولوجية سياسية ترتكز على مبدأ السيطرة والتقسيم الديمغرافي قبل الجغرافي، ما هي سوى نموذج ودليل قاطع وساطع على تبلور هذا النسق الديمغرافي الجديد.

وكل الشواهد تشير إلى أن هناك خطوات عملية منهجية، لتدمير مرتكزات الدولة السورية وبنية المجتمع الثقافية، والتخلص تماماً من أي مؤسسات سيادية وعلى رأسها الجيش العربي السوري، تمهيداً لتطبيق مبدأ النسق الديمغرافي الثقافي بما يشمل من استقبال وتوطين المرتزقة الجدد من إرهابي الصين وآسيا الوسطى وأفغانستان وشمال القوقاز، إضافة إلى مجموعات الإرهاب من مختلف الدول العربية والغربية.

ولعل أكثر الوقائع غرابة على هذا المستوى هي:

1-  مشاركة وتشجيع المنظمات العالمية الإنسانية على النزوح الديمغرافي. حيث مارست تلك المنظمات _ وما زالت _ وبوسائل العصا والجزرة سياسات تحث السوريين للتوجه إلى الدول المجاورة بهدف التغيير والتلاعب بالمعطيات الديمغرافية في المنطقة.
2-   مضمون سياسات الدول الغربية وتحديداً الأوروبية التي تشجّع على طلب الهجرة واللجوء منذُ بداية الأزمة! 

ومن هذا الباب، يمكن الدخول وفهم قضية اللاجئين السوريين، التي ظهرت للعيان بشكل ملفت مؤخراً. ففي المحصلة، الحرب العالمية على الدولة السورية منذ العام 2011، تطرح تساؤلات ديمغرافية سياسية وفكرية جوهرية، ليس حول مستقبل الشرق الأوسط فحسب؟ بل أوروبا والعالم بآسره ؟ إذ أن المشهد برمته بحاجة إلى توضيح؛ لناحية كيفية وصول اللاجئين من تركيا باتجاه اليونان، ومنها إلى بعض الدول الأوروبية الثرية؟

إنها رؤية ديمغرافية استراتيجية بإمتياز؟ سواء كانت أوروبا تبحث عن بعض الحلول المؤقتة لمستقبل تشييخ ديمغراقيتها المؤكد؟ أو سواء كان هناك من يبحث عن تأزيم الوضع في أوروبا؟ أو سواء كان هنالك مخطط لاستغلال هذه القضية الإنسانية من قبل هذه الدول جميعاً، لتبرير عدوان وحرب جديدة على الدولة السورية؟ وسواء إن لم تكن الدول الأوروبية قد استوعبت هذه المخاطر المحدقة بها منذ 5 سنوات؟ وسواء أيضاً، أن لم تكن أوروبا نفسها تعي الأن، تلك النتائج الاستراتيجية السياسية على مستقبلها الديمغرافي الثقافي الأمني، ليس أقله للسنوات العشرين القادمة؟




2015-09-17

العلاقات الدولية وفخ إشكالية تعبئة الفراغ الفكري






سلام الربضي: مؤلف وباحث في العلاقات الدولية \ اسبانيا

الواقع العالمي يعبر عن مرحلة إنتقالية، تتميز بها معظم الملفات السياسة والفكرية. والقضايا المطروحة راهناً مثل: الديمغرافيا والهجرة، الأسلحة النووية، المسألة البيئية، التنمية المستدامة، إصلاح الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، الإرهاب، نفوذ منظمة التجارة العالمية، التكنولوجيا...الخ تجعلنا نتساءل، عن جدلية الواقع النظري المفسر للعلاقات الدولية؟

ومن خلال محاكاة واقع المجتمع العالمي، نجد أنه أصبح زاخراً، بكثير من التطورات، وعلى كافة الأصعدة والمستويات، حيث انتقلنا من المجتمع الصناعي الى مجتمع المعرفة، بالترافق مع صعود ما يسمى باقتصاد المعرفة، بالإضافة لانتقالنا من: الثنائية القطبية إلى الأحادية النسبية، ومن الحداثة إلى ما بعد الحداثة، ومن مفهوم مجتمع الأمن النسبي إلى مفهوم مجتمع الخطر. وهذه التحولات العميقة في بنية المجتمع، يمكن التعبير عنها، من خلال طرح الإشكاليات التالية:

هل ما زالت الدولة وحدها، قادرة على تحديد العلاقات الدولية؟ وهل يمكن تحليل هذا الواقع المستجد، من خلال الإرتكاز على معيار القوة المادية فقط؟ أم يجب التركيز على الجوانب الثقافية، عند التحليل؟

وانطلاقاً من، منظور فن التساؤل حول الواقع النظري، المفسر لقضايا العالم،لا يمكن أن يقتصر النقاش، حول ملامح هذا النسق الجديد فقط ، بل التحدي الحقيقي، يكمن في التساؤلات التالية: 

كيف وما هي السبل لمواجهة هذا النسق الجديد؟ وهل تحمل النظريات التقليدية في طياتها، ومنها نظرية الواقعية في العلاقات الدولية، الإجابة؟ وعلى سبيل المثال، كيف يمكننا وضع حد، لانتهاك الموارد الطبيعية والبيئية، الذي قد يقضي نهائياً على إمكانيات التنمية المستدامة، وعلى حظوظ ومستقبل الآجيال القادمة، من دون عقد ثقافي؟ وما هي السبل التي نملكها، لمواجهة وتحديد متطلبات أخلاقية، تتضمن إطاراً ومفهوماً جديداً، للأمن البشري؟ وإذا كانت كل تلك التحولات الشاملة، تستوجب جهداً إضافياً على الصعيد النظري، فهل نحن في حاجة إلى نسق فكري جديد، في إطار النهج الفلسفي، الذي يفسر العلاقات الدولية؟



على ما يبدو، فإن القرن العشرين قد إعاد النظر في ثوابتنا اليقينية، في كل ما يتعلق بالمجتمع والتاريخ والإنسان والقيم. ويوجد الكثير من النظريات، التي تحاول ملء الفراغ الفكري لعالمنا، ومنها نظرية نهاية التاريخ، ونظرية صراع الحضارات، ونظرية ما بعد الحداثة. ولكن، قد يكون أخطرها على الأطلاق، نظرية يحلو للبعض أن يطلق عليها تسمية "ما بعد الإنسانية".

فلقد دخلنا، مرحلة تطور ثوري لعلوم الحياة، خصوصاً في مجال البيوتكنولوجي، مما سينتج تحولات جذرية في حياة الإنسان، والتي قد تتيح في الأساس، إمكانية تغيير الطبيعة الإنسانية. لندخل بذلك مرحلة تاريخية، يكون لها تأثيرات إجتماعية، أخلاقية، سياسية، اقتصادية جذرية. مما يستوجب علينا، في المستقبل القريب، مواجهة خيارات أخلاقية حاسمة، في مجال الهندسة الوراثية. وهنا، يكمن جوهر طرح جدليات العلاقة، بين إلانسان والتطور العلمي والتكنولوجي :
فإلى أي حد ومدى، يمكن إستعمال التكنولوجيا لتحسين الخصائص الوراثية؟

فإذاً مستقبلاً ، نحن أمام عالم، ما بعد الإنسانية. وسيكون أكثر تراتبية، ومليئاً بالصراعات. ولن يكون في داخله، مكان لأي مفهوم حول إنسانيتنا المشتركة. إذ سيتم تركيب، جينات بشرية مع جينات أخرى، بشكل يجعلنا لا نعلم، ما معنى الكائن الإنساني.
وبناء على هذا الواقع المستجد، الذي يعبر عن ملامح مجتمعنا العالمي، وإذا كان الطموح، هو نشوء نسق كوني من القيم، يحكم سلوك الشعوب والمؤسسات، فهل ستكون مسألة القيم وتحولاتها، في صدارة الأسئلة الفكرية، الراهنة والمستقبلية؟ وهل إنتقل التركيز والاهتمام في تحديد العلاقات الدولية، من العوامل الاقتصادية والسياسية، إلى العوامل الثقافية، باعتبارها القوة المؤثرة والدافعة في مقاربة القضايا العالمية، سواء على صعيد تفسيرها أو إيجاد الحلول لها؟

ووفقاً للمنهج التاريخي، إذا كان الإطار الزمني لكل هذه الأنساق الجديدة لم يتجاوز 20 عاماً، وتلك الفترة الزمنية، لا يمكن ان تعطينا دلالات ثابتة، يمكن البناء عليها، فهل نكون قد سقطنا في فخ، إشكالية الاستعجال في  تعبئة الفراغ النظري، الذي يفسر قضايا العالم؟




For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com