2014-05-15

الاقتصاد العالمي وعالم العمل بين إشكالية الأولويات ومسألة الإمكانيات





سلام الربضي: باحث في العلاقات الدولية \ اسبانيا

    
لا توجد عولمة حقيقية ولو بالحد الأدنى، فيما يتعلق بالعمل البشري. فعلى الرغم، من حرية انتقال السلع والخدمات ورأس المال، ولكن مختلف العراقيل والقيود، توضع لمنع انتقال أو هجرة قوى العمل. ناهيك، عن زيادة الضغوط في عالم العمل،نتيجة الظروف الصعبة الداخلية، لكافة البلدان على مستوى العمل، وضغوطات الموازنات الحكومية، التي تعاني من العجز،مما ينعكس سلباً على عالم العمل. كما أن كل الجهود التي يبذلها السياسيون والاقتصاديون، للعثور على بدائل لفرص العمل الضائعة في كافة القطاعات، لم تحقق النتائج المرجوة. فكلما ازدادت وتيرة المتاجرة في البضائع والخدمات عبر الحدود الدولية بكل حرية، تزداد المصاعب في عالم العمل، حيث هناك تقليص وترشيد، يؤديان إلى فقدان العمل البشري قيمته.

ولقد ساعدت قوانين العمل والتجارة، الشركات على تحقيق استراتيجياتها، القائمة على الربحية العالية. وهذه الاستراتيجيات، تشكل سبباً جوهرياً في تردي الأوضاع، الاجتماعية والاقتصادية لقطاع العمل. إذ يجب الإقرار بحقيقة، أن التجارة الحرة تنمو بمنأى عن سوق العمل. بل إنها تترك آثاراً سلبية، على سوق العمل. وبالتالي، لا بد من الإشارة، إلى الإشكالية الأساسية في عالمنا المعاصر، في إطار العلاقة بين التنمية والنمو الاقتصادي :

أي إشكالية الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فهل نحن في عصر الاقتصاد، من أجل الاقتصاد وليس من أجل المجتمع؟

وبعيداً عن التنظير، ووفقاً للإحصائيات والمعطيات حول الهوّة الاقتصادية، وإذا أخذ بعين الاعتبار، أن النسبة الكبرى من المواطنين هم عمال أو موظفين يعملون بأجر. فمن هذا المنطق يمكن القول إن الاقتصاد لم يعد يعمل لمصلحة الجمهور العام. فالوقائع القائمة، على مصلحة الجمهور، ستبقى هي المعيار الأساسي، لتقييم السياسة الاقتصادية الناجحة. ولقد نتج عن التقدم التكنولوجي وما يصاحبه من استخدام التقنيات بدل الأيدي العاملة، انخفاض نسبة حصة العمل، من العائد المتحقق في الاقتصاد. وبالتالي من البديهي، أن تؤدي الهوّة بين دخول أصحاب المشاريع، ومُلاّك الثروة من ناحية، ودخول العمال من ناحية أخرى، إلى تزايد الشكوك حول سلامة المجتمع ووحدته.


ومستقبلاً، هذا الواقع سينعكس سلباً، على مشاركة العمال في الحياة الاجتماعية. فالمستوى المعيشي للمواطن،لا يتوقف على الدخل الذي يحصل عليه المرء فقط، وهذه حقيقة تتأكد باستمرار. فانتفاع المواطن من التقدم الاقتصادي والتكنولوجي يزداد كلفة، وأمسى أكثر صعوبة، أو على وشك أن يتلاشى كلياً. ويلاحظ أن الدول بمعظمها تسير في هذا الاتجاه، ويبدو أن الكثير من الدول، أضحت اليوم رهينة سياسة لم تعد تسمح بأي توجه آخر. 

 فإذا كانت التجارة الحرة وانتقال رؤوس الأموال والبضائع والخدمات عبر الحدود، هي التي تحقق النمو والرفاه. وفي حال، تم تحقيق أهداف منظمة التجارة العالمية، بألغاء القيود الكمية وتوحيد كافة الضرائب الجمركية، وجعل العالم منطقة تجارة حرة بحلول العام2020:

فهل هذه السياسات والأهداف سوف تؤدي إلى تعميق أزمة سوق العمل ؟ أم أنها ستكون بمثابة نقطة التغيّر والتحوّل الإيجابي؟  
  


كما إن، احتدام المنافسة بين الدول _ سواء كانت صناعية كانت أم نامية _  على خفض الأجور إلى أدنى المستويات، لن يودي إلا إلى نتائج وخيمة. وسوف ينشئ على مستوى العالم أجمع، حركة لولبية تدفع الأجور إلى المزيد من الانخفاض، وهذا لن يزيد من مجمل رفاهية العالم والمجتمعات، بل سيزيد من تحجّر الوضع الاجتماعي المؤلم. وكذلك، التخفيض في الأجور، ينعكس على أسعار السلع، ويستفيد منه بشكل مباشر، المستهلك صاحب الدخل المرتفع، الذي لم يخسر شيئاً يذكر من دخله، في مقابل تخفيض تكلفة الإنتاج. في حين، أن الطبقات المتوسطة والفقيرة، هي التي تخسر جزءاً من دخلها، وتكون أكثر تضرراً.

وانطلاقاً من ذلك، لا يمكن تجاهل قضية أو معضلة مَن يتحمل الأعباء: رأس المال أم العمل؟

فالحكومات ترمي الأعباء الضريبية، على كاهل عنصر العمل أكثر فأكثر، والإعفاءات والتسهيلات والمنح الضرائبية المقدمة للشركات، ينتج عنها انخفاض في إيرادات الدولة المالية، والتي تعوّضه عن طريق زيادة الضرائب على الطبقات الاجتماعية الأخرى. أو عن طريق تقليص الخدمات والرعاية الاجتماعية والصحية. فإذا كانت العبارة، الأكثر تعبيراً عن اتّساع الهوّة بين الأغنياء والفقراء هي القائلة: الأغنياء يزدادون غنى، بينما الفقراء يزدادون فقراً. ولكن هذه العبارة في ظل الوقائع الحالية القائمة، لم تعد تكفي لتوضيح الصورة، حيث من الواضح ظهور صيغة جديدة تقوم على مبدأ :

الأغنياء يصبحون أغنى، والفقراء أفقر، بمعدل أسرع؟

إذ تفاجئنا السرعة الفائقة، في توفير المبالغ الخيالية لحل الأزمات المالية والاقتصادية العالمية _ كما حدث مؤخراً في أزمة الرهن العقاري 2008_  مقابل العسر الشديد، الذي يعرف عادة عند تمويل برامج متواضعة لفائدة الإنسانية. فعلى سبيل المثال، يكفي مبلغ لا يتعدى العشرات من المليارات سنوياً، للقضاء على الجوع وسوء التغذية في العالم كله. ولقد أقرت الأمم المتحدة، عدة برامج مختلفة لتحقيق هذا الهدف، ولكنها بقية حبراً على ورق  بحجة عدم توفر التمويلات الضرورية. 



هذه الحقائق المآساوية، وبعيداً عن الأبعاد الايديولوجية في مقاربة عالم الاقتصاد، تضعنا أمام التساؤل الجدلي المنطقي التالي: 

هل الإشكالية تكمن في الأولويات؟ أم هي مسألة الإمكانيات؟؟؟



2014-04-28

مفاوضات المسألة البيئية قضية سياسية لم يعد بالإمكان تجاهلها \ج2







سلام الربضي : باحث في العلاقات الدولية \ اسبانيا

يمكن القول أن سياسات التفاوض البيئية عبارة عن مغامرات، قائمة على اعتقاد أن من الممكن فصل التفاصيل الفنية عن القضايا السياسية رفيعة المستوى. إلا أنه، في ظل ما أوصلتنا إلية مجمل المفاوضات البيئية فليس من الواضح أن كان هناك أية بدائل عملية. ومسألة إن كان ذلك سينجح أم لا، يبدو أنها معلقة على إذا ما كان بإمكان بعض الدول _ أولاً وقبل أي شيئ _ حل بعض خلافات الفهم والإدراك الأساسية، وما يتصل بها من قضايا جوهرية، تبين الطبيعة المتداخلة للأمور الفنية والسياسية .


يلاحظ أن التعقيدات الشديدة الخاصة بقضية التغير المناخي، آخذة في استنفاذ طاقة العمليات التفاوضية إلى أقصى حد. وبالتالي تواجه المفاوضات جداول أعمال شديدة التعقيد، منها:

1- إيجاد مؤسسات جديدة للتمويل ونقل التكنولوجيا .

2- تفعيل آليات الاتفاقيات البيئية، لتحديد المسؤول عن الانبعاثات العالمية وتبادلها.

3- تنوع استراتيجيات التفاوض البيئية، تسفر عن نصوص تفاوض موسعة، لعدد كبير من القضايا، مما يعيق المفاوضات .



ولقد أصبح مسار المفاوضات البيئية، تحت تأثير الجداول الزمنية، عبارة عن عملية تفاوض بالإنهاك . وفي كثير من الأوقات، بدت مفاوضات اتفاقيات البيئة ومنها كيوتو شائعة، لدرجة افتراض أن القضايا سوف تحل تحت ضغط المواعيد النهائية، وأن الدول مستعدة حقاً للتوصل إلى التسويات اللازمة للاتفاق. ولكن، وفقاً للتجربة العملية، يلاحظ وقوف الكثير من المفاوضات والمؤتمرات البيئية، عند حاجز امتناع الفنيين عن الوصول لقرارات، حتى وصول السياسيين، مما يفقد جوهر القضايا حيويتها، وتغرق تلك الاجتماعات في المفاوضات البيروقراطية، بدلاً من الدخول المباشر، في عقد الاتفاقيات.



لذلك، ينبغي إدخال عملية الإرشاد السياسي، في عملية التفاوض. فالمتخصصون أو الموظفون الذين يقودون المفاوضات_ في معظم الأحيان _ يفتقرون إما إلى التفويض السياسي أو الخبرة في حل معظم القضايا البيئية. وكثيراً ما يواجه التقنيون جدول أعمال محير، حيث يحتوي على مواقف سياسية، لا يمكن لهم حلها. وأيضاً، مواقف فنية وتقنية، بحيث لا يفهمها السياسيون. إذ لا بد للموظفين، المزيد من السلطة للتوصل إلى حلول وسط، بشأن القضايا الفنية، ولا بد للسياسيين أن يستثمروا المزيد من الوقت، لفهم التفاصيل الفنية. والأكثر أهمية من ذلك، هو أن عملية مزج، المشورة السياسية التي يقدمها الوزراء للقرارات الفنية_ التي تقرها الاتفاقيات البيئية _ لا بد أن تكون واضحة منذ البداية.



والمفارقة، أنة في حال تم التوصل إلى اتفاق ما من قبل الوزراء، بشأن القضايا السياسية الجوهرية _ والتي يسلمونها على شكل قرارات إلى الخبراء، لإدخالها ضمن النصوص القانونية لاستكمالها_ قد يؤدي إلى مخاطر استراتيجية في عمليات التفاوض البيئي. ومن هذه المخاطر :

أولاً: عدم وجود مواعيد نهائية واضحة لختام المفاوضات الحقيقية. يؤدي إلى عدم حل أكبر القضايا في الشريحة الوزارية.

ثانياً : إمكانية تحقيق عملية الالتفاف والمماطلة في القضايا البيئية. عن طريق فك الارتباط السياسي، على امتداد خط التماس الخاص بأي لبس في المعاني. مما يحول دون الاتفاق على التفاصيل القانونية.



وبالرغم من كل تلك الإشكاليات المطروحة، يمكن وضع سيناريوهات محتملة، بالنسبة لمستقبل الدول على المستوى البيئي. فلا تزال هناك إمكانيات لأن تؤثر الضغوط، على بعض الدول، لاعتماد استراتيجية واقعية لمفاوضات المناخ العالمية، لتتضمن احتمال انضمام الجميع بشكل إيجابي. فتنفيذ استراتيجية دبلوماسية بيئية، ليس بالأمر اليسير. وأصبح لازماً توفر ذكاء سياسي، وقدر كبير من المهارة والحنكة التكتيكية، لاقناع الأطراف بالأثر المدمر لعدم الإسراع في تنفيذ المتطلبات البيئية. فالمفاوضات تحتاج إلى زعامات تتحلى بالمهارة والحنكة والتصميم. فمن بعض السبل المحتملة للعمل البيئي، والتي تتلائم مع الإطار المؤسسي الحالي، وتزيد من عملية التطوير للعمل البيئي، يمكن ذكر الآتي:

1- استكشاف إمكانات تحقيق مزيد من الدعم للقاعدة المؤسسية والتمويلية لنظام السياسات البيئية. إذ يبدو، أن الهياكل الراهنة ليست كافية للتعامل مع عملية، بهذا القدر من التعقيد والأهمية. وهذا ليس بالشأن السهل بالنسبة لعملية تفاوضية عالمية تضم 193 دولة. علاوة على المصالح المتنوعة، المنوطة بكل دولة، والأهداف التي ترمي إلى إعادة هيكلية أساسية، لأسلوب مجتمعاتنا جميعاً.

2- إقامة هياكل مؤسسية، تسمح بعملية اتصال وصياغة آراء، أنجح قدرة على الاستمرار. فليس بناء المؤسسة بحد ذاتها، هو الإجابة الأخيرة على المشكلات. فبناء النظام الفعال هو الذي يمثل_ في حالات كثيرة_ أمراً لا غنى عنه لحل تلك المعضلات. وأياً كان الإطار العالمي المؤسسي للسياسات البيئية، الذي يتم الاتفاق عليها في نهاية المطاف، فإن ثمة حاجة ملحة لعمل محلي، قائم على إصلاح ودعم أساسي للبنى الأساسية. من خلال تطبيق استراتيجيات طموحة، تتضمن رؤية اقتصادية واجتماعية وأمنية.

3- هناك حاجة لمزيد من التعاون. فالتقدم بطيء، فيما يتعلق بما اصطلح على تسميته "السياسات والتدابير"،  ويتعين ألا يقتصر التأكيد على الالتزام فقط بتدابير مشتركة، بل وأيضاً على عملية شفافة للتنسيق، وعلى موضوع التعلم المتبادل، وإلى درجة عالية من التدقيق العام. وحري التركيز على عدد محدد من التدابير، التي يمكن بسهولة إنجاز اتفاق بشأنها. فالتحديثات الايكولوجية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الكفوءه، ليست فقط متوائمه بل هي أهداف يدعم بعضهما بعض.

4- يمكن تحقيق خفض التعقيدات، عن طريق خفض كل من عدد القضايا وعدد المشاركين. فلا مناص من أن يسمح النظام، بسرعات متباينة لفرق الأطراف المختلفة، فيما يتعلق بالالتزامات. فالمفاوضات أعقد بمرات من مفاوضات نزع الأسلحة، ولعل إحدى وسائل تخفيض العبء على المفاوضين، خفض عدد القضايا المطروحة، بحيث لا تبقى سوى المشكلات التي تستلزم _ تحديداً _ حلاً لها قبل إجراءات التصديق.

5- إشراك الدول النامية في استراتيجيات بيئية، سيكون عاملاً حاسماً لنجاح النظام على المدى البعيد. وبالطبع ليس المقصود هنا، أن تكون المشاركة على شاكلة طلبات الدول المتقدمة، حين تطالب بمشاركة مثمرة ومدروسة من جانب البلدان النامية، وهو طلب يثير حالة من الإحباط، وينكر المسؤولية التاريخية التي تتحملها البلدان الصناعية. بل ويعتبر طلب مضلل، لأنه يعني ضمناً وعلى نحو خاطىء، أن البلدان الصناعية تتقدم بيئياً.

بينما واقع الأمر، أن سجلات كثير من الدول النامية، تبين أنها أفضل من بلدان الشمال. فالدول النامية تحتاج إلى إستراتيجية مقنعة، لمكافحة آثار تغير المناخ والتكيف معها. وهي صاحبة حق في حوار مفتوح وشفاف، بشأن بعض الحقوق البيئية، كالتخصيص المنصف والمتكافىء لحقوق الانبعاث والمساهمة في نقل النانو تكنولوجي البيئية. وهذه قضايا شديدة الحساسية، وتتطلب التأكيد على بناء الثقة، عن طريق عملية حوار مستقلة عن المفاوضات.



كما ويكشف كل وجه من أوجه المشكلة البيئية، القضايا المعقدة بشأن التكافؤ العالمي والمساواة بين الأجيال. وفي ضوء المعطيات المناخية، قد لا يكون مثيراً للدهشة، توقع أن تظل المسائل، البيئية أحد مجالات السياسة المثيرة للانتباه والخيال. ولكن، الآثار الحادة التي تنطوي عليها هذه المسائل، وليست قيمة الأفكار المتضمنة فيها، هي التي ستكفل وجودها المستمر، في جدول أعمال المجتمع السياسي العالمي خلال القرن الحالي.


For communication and cooperation

يمكن التواصل والتعاون مع الباحث والمؤلف سلام الربضي عبر الايميل
jordani_alrabadi@hotmail.com